من باب المندب الي المحيط الهندي .. الصومال وسؤال الأمن الجماعي العربي | بقلم السفير رشاد فراج الطيب

لم يكن الصومال ، في أي مرحلة من تاريخه الحديث ، دولةً هامشية أو مساحة خارج الحسابات الكبرى ، بل ظلّ ، بحكم الجغرافيا والتاريخ ، أحد المفاتيح الاستراتيجية الصامتة في معادلات الأمن الإقليمي والدولي .
غير أنّ هذا الموقع ، الذي يفترض أن يكون مصدر قوة وحضور ، تحوّل بفعل الإهمال وسوء التقدير إلى نقطة هشاشة مفتوحة ، وإلى ساحة تنافس واختراق ، في ظل غياب عربي طال أمده ، وتراجع في الوعي بأهمية الجغرافيا بوصفها ركناً أساسياً من أركان الأمن القومي .
فالصومال ، بساحله الممتد لأكثر من ثلاثة آلاف كيلومتر ، وإشرافه المباشر على المحيط الهندي وخليج عدن ، ووقوفه عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر وباب المندب ، يشغل موقعاً لا يحتمل الفراغ ولا يسمح بالحياد .
وهو موقع يمنح من يملك القدرة على التأثير فيه أدوات ضغط استراتيجية على حركة التجارة العالمية ، وعلى طرق النفط والغاز القادمة من الخليج ، وعلى أمن الملاحة في البحر الأحمر ، وعلى قناة السويس التي تمثل شرياناً حيوياً للاقتصاد المصري والعالمي .
ومن ثمّ ، فإن الصومال لم يكن يوماً خارج المجال الحيوي العربي ، بل كان ، وسيظل ، جزءاً لا يتجزأ من معادلة الأمن القومي العربي ، وإن جرى التعامل معه، على نحو خاطئز، كملف إنساني أو أزمة داخلية معزولة .
منذ انهيار الدولة الصومالية مطلع تسعينيات القرن الماضي ، تراجع الحضور العربي تدريجياً ، وغابت الرؤية السياسية طويلة الأمد ، وانعدم المشروع التنموي المؤسسي القادر على إعادة بناء الدولة ، وضعف الاستثمار الدبلوماسي والثقافي ، وتُركت السواحل والمنافذ الحيوية بلا دعم أمني فعّال ، كما تُركت الانقسامات الداخلية تتعمق دون وساطة عربية جادة .
ومع مرور الوقت ، لم يعد الأمر مجرد تقصير أو غياب مؤقت ، بل تحوّل إلى فراغ استراتيجي كامل ، وفي منطق العلاقات الدولية ، لا يُكافأ الفراغ ، بل يُملأ سريعاً بقوى أخرى أكثر استعداداً وتنظيماً .
هذا الفراغ فتح الباب واسعاً أمام قوى دولية وإقليمية للتغلغل في الصومال وفي محيطه ، مستخدمة أدوات متعددة ، من القواعد العسكرية إلى الشراكات الأمنية ، ومن التنافس الاستخباراتي الصامت إلى محاولات إعادة تشكيل الواقع السياسي بما يخدم مصالحها .
وفي هذا السياق ، برز الدور الإسرائيلي بوصفه أحد أكثر الأدوار قدرة على قراءة هذا الفراغ واستثماره ، ضمن استراتيجية أوسع تستهدف أطراف العالم العربي ومجالاته الحيوية .
فالتحرك الإسرائيلي في القرن الإفريقي لا يمكن فصله عن عقيدة استراتيجية قديمة تقوم على التمدد في الأطراف ، وبناء شبكات نفوذ أمنية واستخباراتية بعيدة عن الصدام المباشر ، واستثمار هشاشة الدول والانقسامات الداخلية ، واستخدام أدوات التغلغل الهادئ قبل الانتقال إلى شراكات أكثر صلابة .
ومن هذا المنظور ، لا يمكن النظر إلى محاولات الاعتراف بـ«صومالي لاند» أو الانفتاح عليها باعتبارها خطوة دبلوماسية معزولة ، بل باعتبارها مدخلاً محسوباً لإيجاد موطئ قدم قرب باب المندب ، وتعزيز القدرة على مراقبة البحر الأحمر ، وتوسيع دوائر الرصد الاستخباراتي تجاه الدول العربية ، وبناء شراكات أمنية بحرية تحت عناوين مكافحة الإرهاب والقرصنة .
وقد عبّر المسؤولون الإسرائيليون ، في أكثر من مناسبة ، عن فلسفة سياستهم الخارجية القائمة على توسيع دوائر التعاون الأمني والعسكري والاستخباراتي مع أطراف جديدة خارج محيطهم الجغرافي التقليدي ، وهو ما يجعل القرن الإفريقي ساحة طبيعية لهذا التوجه ، لا سيما في ظل غياب عربي شبه كامل عن معادلات الفعل والتأثير ، وتراجع القدرة على صياغة موقف جماعي موحد .
إن استمرار هذا المسار دون ردّ عربي منظم يحمل تداعيات استراتيجية خطيرة ، تبدأ بتهديد أمن البحر الأحمر ، ولا تنتهي بالضغط غير المباشر على قناة السويس ، وتطويق دول محورية مثل اليمن ومصر والسعودية والسودان ، وتكريس تدويل متزايد للقرن الإفريقي على حساب المصالح العربية.
والأخطر من ذلك ، أن يتحول الصومال ، بما يختزنه من عمق تاريخي وجغرافي عربي وإفريقي ، من رصيد استراتيجي محتمل إلى منصة نفوذ لقوى منافسة أو معادية للأمن القومي العربي .
إن ما يجري اليوم ليس معزولاً عن الخلل البنيوي في المقاربة العربية للأمن ، ولا عن الميل المتزايد إلى الاعتماد على تحالفات منفردة لكل دولة ، تُبنى وفق اعتبارات ظرفية وحسابات ضيقة ، وتفتقر في الغالب إلى الرؤية الشاملة .
وقد أثبتت التجربة أن هذه التحالفات ، مهما بدت مجدية في لحظتها ، لا توفر أمناً دائماً، ولا تحمي المصالح الاستراتيجية بعيدة المدى ، بل تُسهم أحياناً في تعميق الانكشاف وتفتيت الموقف العربي .
إن المرحلة الراهنة تفرض إعادة الاعتبار لمفهوم الأمن الجماعي العربي ، لا بوصفه شعاراً سياسياً ، بل كضرورة عملية تمليها الجغرافيا والتحديات المشتركة .
فاستعادة الدور العربي في الصومال وفي القرن الإفريقي عموماً لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها عملاً تضامنياً أو التزاماً أخلاقياً فحسب ، بل باعتبارها ركيزة من ركائز حماية الأمن القومي العربي .
وهو ما يتطلب تنسيقاً عربياً جاداً ، ورؤية استراتيجية جديدة ، تتجاوز منطق التحالفات المنفردة ، وتؤسس لعمل جماعي يدرك أن حماية الأمن تبدأ من أطرافه البعيدة ، وأن من يتأخر في فهم الجغرافيا ، يدفع الثمن في الأمن والسيادة والمستقبل .




