القبيلة الرقمية والبداوة العالمية في ظل الليبرالية الحديثة وعولمة التيه الإرتحالي | بقلم حيدر المنصوري
الجزء الثاني: الليبرالية الجديدة Neo-liberalism والبداوة العالمية الحديثة:

أشار إمانويل فالرشتاين Immanuel Wallerstein في كتابه (بعد الليبرالية) After Liberalism إلى أن سقوط جدار برلين -نهاية ثمانينيات القرن الماضي- وما تبعه من تفكك نزل بساحة الاتحاد السوفيتي إلى أنه أعتبر إعلان نهاية الشيوعية وسقوط الماركسية اللينينية بوصفها قوة أيديولوجية في العالم الحديث. وإعلان الإنتصار النهائي لليبرالية الجديدة كأيديولوجيا وليست كنظام إقتصادي.
في ظل عالمٍ باتت تحكمه سيولة رأس المال وتلاشت فيه الحدود التقليدية بين الاستقرار والارتحال، تبرز الليبرالية الجديدة لا كمجرد نظام اقتصادي، بل كقوة طاردة تعيد صياغة الوجود الإنساني. نحن اليوم أمام مشهدٍ سريالي يمتزج فيه الماضي السحيق بالمستقبل الرقمي؛ حيث استبدل الإنسان المعاصر ترحاله القديم خلف قطرات المطر بارتحالٍ جديد خلف السيولة المالية والفرص الرقمية العابرة.
هذا التيه الارتحالي العالمي ليس اختياراً بقدر ما هو نتاجٌ لسياساتٍ حوّلت الأوطان من مستقرات حضرية تحمي أمان مواطنيها، إلى منصات عبور تملكها شركات عابرة للقارات. في هذا السياق، لم تعد البداوة الرقمية مجرد نمط حياة عصري للمبدعين، بل هي الوجه الأنيق لواقعٍ أعمق وأكثر قسوة، واقع نزع الملكية العامة الذي حوّل الشعوب إلى بدوٍ تكنولوجيين في أرضٍ لم تعد تملك تكنولوجياتها ولا مواردها، ليبدأ صراعٌ وجودي جديد بين عقلية البناء المستقر التي تبحث عن الجذور، وعقلية الارتحال المفروض التي تفرضها موازين القوى المالية العالمية.
سأترك تعريف الليبرالية الجديدة – وسأعرفها لاحقا وفق ما هي عليه لا كما عرفها المنظرون لها – بعد بيان ما أقصده بعولمة التيه الإرتحالي. وسأبدء أولاً بآلية عمل الليبرالية الجديدة كـ مناخ اقتصادي حديث يجبر البشر على العودة إلى حالة الارتحال. في هذا السياق، لم تغير الليبرالية الجديدة الاقتصاد فحسب، بل دمرت التضامن مع الأرض واستبدلته بـ سيولة السوق. تعزز هذه المنظومة سيكولوجية الارتحال حيث يتحول السوق كمرعى عالمي، لا تنظر فيه الليبرالية الجديدة إلى العالم كأوطان ثابتة، بل كـ مراعي متسلسلة. وعلى الحكومات تسليم ما لديها من أصول عائدة للشعب لشركات عابرة للقارات يتم تمويل شرائها بواسطة قروض يتم ضخها من أموال الدول والشعوب، لتتملكها هذه الشركات العابرة للوطنية والقومية، ثم تقوم نفسُها بإستنزافِها وسرقة كل التكنولوجيات التي بحوزتها. الليبرالية الجديدة، وتحديداً ما يُعرف بـ الخصخصة عبر المديونية أو مبادلة الديون بالأصول (Debt-for-Equity Swaps)، تعتمد على مبدأ أن القطاع الخاص أكثر كفاءة من الدولة. عندما تعاني الشركات الحكومية من أزمات مالية أو تراكم ديون، بسبب عقلية الإرتحال التي ذكرتها في الجزء الأول، يتم دفع الدولة نحو الخصخصة (Privatization) كحل وحيد لسداد هذه الديون. ثم يحول الدين كأداة استحواذ حيث تُستخدم قروض البنوك الدولية (التي هي تراكم لمدخرات الشعوب في النهاية) لتمويل شراء هذه الشركات أو لتغطية عجز الموازنة، وهناك حالة أخرى حيث يتم مبادلة الديون بالأسهم بحيث تضطر الدولة أحياناً للتنازل عن ملكية شركاتها وتكنولوجياتها لصالح الشركات العابرة للقارات مقابل شطب جزء من الديون أو إعادة جدولة القروض. لفرض سيطرة الشركات العابرة للقارات (Multinational Corporations). وقد حدث أن خصخصة بريطانيا شركاتها الأكثر أهمية من الناحية التكنولوجية والعسكرية والأمنية لشركات عابرة للقارات، وخسارتها لتكنولوجيات مهمة مثل طائرات التورنيدو ذات الإقلاع الموضعي والتي تستفيد منها طائرات الF35 اليوم. وكذلك تفكيك برنامج ترايدنت النووي وخصخصة المفاعلات النووية لديها للشركات العابرة للقارات أيضاً.
في هذا الفكر، يُنظر إلى الشركات عابرة القارات كمحرك أساسي للابتكار وتطوير التكنولوجيا. أو نقلها وهذا الاستحواذ لا يشمل الأصول المادية فقط، بل يمتد للسيطرة على براءات الاختراع والبيانات التكنولوجية التي كانت مملوكة للشعب (عبر الدولة)، مما يجعل الدولة تابعة تكنولوجياً للشركات الكبرى. مما تجبر الدولة على تفكيك السيادة الاقتصادية. بمجرد انتقال الملكية للشركات العابرة للقارات، تخرج الأرباح من الدورة الاقتصادية الوطنية، وتصبح قرارات الشركة مرتبطة بمصالح المساهمين العالميين وليس باحتياجات الشعب. الليبرالية الجديدة تعتمد على البنوك في تأميم المخاطر وخصخصة الأرباح. فالبنوك تقرض الدولة بضمانة أموال المودعين (الشعب)، وعندما تعجز الدولة عن السداد، تُعرض الأصول العامة (شركات، موانئ، تكنولوجيا) للبيع. المفارقة هنا أن الملكية تعود للشركات العابرة للقارات التي اشترت الأصول بقروض ميسرة، بينما تظل المخاطر والديون الأصلية عبئاً على كاهل الشعب. وهنا تحولت الليبرالية الجديدة من التركيز على الإنتاج إلى التركيز على الأدوات المالية. فالشركة الحكومية لم تعد مرفقاً عاماً يقدم خدمة، بل تحولت إلى أصل مالي (Asset) قابل للبيع والشراء في البورصات العالمية، مما يسهل انتقال ملكيتها عبر القارات بضغطة زر، وهذه هي الرأسمالية المالية الجديدة (NeoFinancialization) هذه العملية تُعرف في الأدبيات النقدية (مثل أعمال ديفيد هارفي David Harvey) بـ التراكم عن طريق نزع الملكية (Accumulation by Dispossession). وهي باختصار تحويل الملكية العامة التي بناها الشعب بجهده وضرائبه إلى ملكية خاصة لشركات عالمية عبر آليات معقدة من الديون والفوائد البنكية. وهنا يُتوقع من رأس المال والشركات والموارد البشرية أن يتصرفوا كالبدو، التحرك نحو الربح الأعلى والهروب عند أول بادرة جفاف (ضرائب، أزمات، أو انخفاض عوائد). بحيث يتم تحويل المواطن إلى مستهلك مرتحل، فالمواطن سابقا كان يقاتل لإصلاح بيته لأنه ينتمي إليه. أما المستهلك الليبرالي فهو بدوي إذا ساءت الخدمة في وطنه، يبحث ببساطة عن مزود خدمة أفضل في مكان آخر. هذا يستبدل النضال السياسي (المواجهة) بـ الانتقال الجغرافي (الهروب). حيث يموت الاستثمار طويل الأمد وتزدهر الليبرالية الجديدة على المدى القصير. تماماً مثل البدوي الذي لا يزرع شجرة لأنه لن يكون هناك ليراها تكبر. تركز الأسواق المالية الحديثة على أرباح الربع السنوي. هذا يقتل جوهر بناء الدولة الذي يتطلب التزاماً عبر الأجيال بمكان محدد. تظهر مثالية المغترب في هذا النظام، فالشخص الناجح هو الشخص غير المرتبط، المواطن العالمي الذي يمكنه نقل ثروته ومهاراته فوراً. وهذا يخلق فجوة سيكولوجية هائلة، النخب أصبحت بدوًا رقميين بلا ولاء للتراب المحلي، بينما يُترك الفقراء في مراعي جافة بلا وسائل للهروب ولا أدوات للإصلاح. لقد قامت الليبرالية الجديدة بـ إعادة قَبلنة (Re-tribalizing) العالم. بدلاً من القبيلة القديمة، أصبحت قبيلتك الجديدة هي طبقتك المهنية أو مستوى ثروتك، وطنك هو المكان الذي يكون فيه سعر الفائدة هو الأعلى. لقد بنينا مدناً عالمية متطورة تقنياً لكنها فارغة اجتماعياً، هي مجرد محطات ترانزيت فاخرة لا يهتم فيها أحد بـ إصلاح السباكة لأن الجميع ينتظر رحلته القادمة للمغادرة.
عولمة التيه الإرتحالي:
يقودنا هذا البحث لما يمكن تسميته بعولمة التيه الإرتحالي، حيث تعميم نموذج التاجر المرتحل الذي لا يملك جذوراً في الأرض، بل جذوراً في الصفقة. ولابد من تحليل الجذر الفلسفي والأنثروبولوجي لليبرالية الجديدة كأيديولوجيا عابرة للأوطان. هدفها إقتلاع الجذور (Deterritorialization) فالنظام الحالي صممه تكنوقراط ومستثمرون عابرون للقارات. وإنتسابهم للقبيلة التي تريد إعادة صياغة مفهوم الوطن حسب ما وعدوا به قبل آلاف السنين معلوم. بالنسبة لهؤلاء، لابد للعالم أن يعيش التيه الذي عاشوه لكي يصبحوا متساوين معهم، مما يمنحهم الحق في إعادة صياغة الأرض حسب هذا الوعد. فالأرض تصبح مجرد منصة إنتاج (Platform)كي يضمنوا سيطرتهم، يجب تحويل المواطن المستقر (المرتبط بالأرض والذاكرة والسيادة) إلى وحدة استهلاكية مرتحلة. فالمواطن الذي لا يملك وطناً يدافع عنه هو زبون مثالي للسوق العالمي. وتجريد الإنسان من المكان. عندما يصبح الجميع بلا أوطان، تختفي المقاومة الثقافية والسيادة الوطنية التي قد تقف عائقاً أمام تدفق رأس المال. وبذلك، تصبح الهجرة والارتحال ليست مجرد ظروف صعبة، بل هي نمط حياة مفروض لجعل البشر في حالة سيولة دائمة، مما يسهل إدارتهم كأرقام بدلاً من مواطنين. وكذلك تجريد المواطن من حق إمتلاك موارده الوطنية عبر بيعها وتحويلها لشركات عابرة للقارات، تديرها وتدير السياسة التي تدير البلد الذي وجدت فيه، عبر إيجاد اللوبيات التي تشرف على دعم السياسيين الموالين لتلك الشركات للحرص على تحقيق منافعها. وهذه الشركات العابرة للقارات هي نفسها التي تنتمي إليها هذه الفئات فتصبح جميع موارد الدول الأساسية في يدهم، ولن يكون هناك إمكانية التمرد على القرارات التي يتخذونها فيما بعد. الفئة التي أوجدت هذا النظام، وبحكم طبيعتها التاريخية القائمة على الوساطة والتجارة العابرة، ترى في الاستقرار في الوطن عائقاً أمام الربح (عقدة البيع للقريب بفائدة بينما جواز البيع للغريب). لذا، فإن هدفهم الضمني هو جعل الغربة هي الحالة الطبيعية للبشرية جمعاء، لكي لا يشعروا هم وحدهم بأنهم غرباء أو مرتحلون مما يعزز تدمير الذاكرة التراكمية والإنتماء. فالوطن يعني تراكم القصص، المباني، والقيم عبر الأجيال. والارتحال يعني تصفير العداد في كل مرة. هذا النظام يريد بشراً بلا ذاكرة تراكمية، لأن الذاكرة هي التي تخلق الوعي بالحقوق التاريخية والإنتماء لهذه الحضارة أو تلك، وأحقية المطالبة بالأرض وبالمساواة الاجتماعية. إن عملية إعادة صياغة الإنسان ليصبح بدويًا معاصرًا يخدم أسواقاً لا جغرافيا لها. إنه صراع بين الإنسان المتجذر الذي يبني مجداً ليبقى، وبين الإنسان المرتحل الذي يستهلك ويرحل.
بهذا المعنى، يصبح التمسك بالوطن وبناء مؤسسات محلية كفؤة هو فعل مقاومة ضد هذا التذويب العالمي. وإعادة إحياء الهوية الوطنية القائمة على الإنتاج (لا الشعارات فقط) هي الحصن الأخير المتبقي لمواجهة هذا الارتحال المفروض. فالانتقال من الهوية القائمة على النسب أو المنفعة إلى الهوية القائمة على الحضارة والأرض يعني تحويل العلاقة مع المكان من علاقة استنزاف إلى علاقة استخلاف. وهذا يجذر مفهوم قدسية المكان مقابل سوقية المساحة. فالليبرالية الجديدة تتعامل مع الأرض كـ مساحة عقارية قابلة للبيع والشراء. أما الهوية الحضارية فتتعامل معها كذاكرة ومستقبل. احترام الأرض هنا يعني الحفاظ على مواردها (الماء، البيئة، التربة) ليس فقط من أجل الربح، بل كأمانة للأجيال. هذا الشعور هو الذي يحول الموظف من سمسار إلى حارس، والمواطن من مستهلك إلى مُعَمِّر. المواطنة الإنتاجية حيث الإنسان كصانع لا كطفيلي. في العقلية الهجينة، الإنسان يعيش على الأرض عالة على ريعها أو عطاياها. في الهوية الحضارية الشاملة، الإنسان يعيش مع الأرض وبها. احترام الأرض يقتضي إنتاجها، أي تحويل مهارات الإنسان إلى قيمة مضافة تُغرس في التراب (صناعة، زراعة، فنون). هذا الإنتاج هو ما يخلق الجذور التي تمنع الفرد من الارتحال عند أول أزمة. ولابد من كسر عصبية الدم القبلية بـعصبية البناء الحضرية، فالهوية الجامعة لا تلغي الانتماءات الصغيرة، لكنها تُخضعها لهدف أكبر وهو عمارة الأرض.
هنا تعيد الليبرالية الجديدة صياغة مفاهيم العقل البدوي والحضري في ظل هذا التيه، فتظهر البدواة الرقمية والمكان السائل، وهذا ينقلنا من صراع العشب والماء الكلاسيكي إلى مرحلة أكثر تعقيداً، حيث تندمج عقلية الترحال مع آليات السوق الحديثة. التيه الارتحالي في سياق الليبرالية الجديدة يعبر عن حالة البدواة المعاصرة التي لم تعد ترحالاً خلف المطر، بل ترحالاً خلف السيولة المالية والفرص العابرة. في الليبرالية الجديدة، تحول العقل الحضري (الذي كان يستقر ليبني) إلى عقل مرتحل بالضرورة. الإنسان المعاصر أصبح يشبه البدوي في عدم تمسكه بالأرض، هو يهاجر من وظيفة لأخرى، ومن مدينة لمدينة، ومن منصة رقمية لأخرى بحثاً عن عشب القيمة السوقية. هذا ليس ترحالاً اختيارياً دائماً، بل هو تيه تفرضه ضرورة البقاء في سوق لا يضمن الأمان الدائم.
العقل الحضري يشعر بالخطر إذا فقد الأمان. في ظل الليبرالية الجديدة، تم تسليع الأمان نفسه؛ الأمان لم يعد نظاماً توفره الدولة (كالعقل الحضري القديم)، بل أصبح منتجاً يُشترى (تأمينات، سياجات أمنية، مدن مغلقة). هذا يجعل الحضري يعيش تيهاً ارتحالياً داخلياً، فهو مستقر مكانياً لكنه قلق وجودياً، يبحث دائماً عن تحصين نفسه ضد تقلبات السوق. الارتحال يصبح فكريا وتختفي المرجعيات، فالتيه الارتحالي هنا ليس جغرافياً فقط، بل هو تيه في المرجعيات، في تفكيك الانتماء، حيث الليبرالية الجديدة تشجع الفردانية المفرطة، مما يحول القبيلة أو المجتمع الحضري إلى أفراد يتنافسون، حول سيادة اللحظة، تماماً كالعقل البدوي الذي يعيش ليومه، تفرض الليبرالية الجديدة ثقافة الربح السريع والنتائج الربع سنوية، مما يقتل النفس الطويل الذي كان يتمتع به العقل الحضري كأساس لإرتباطه بالأرض وإنتظار ما يزرع، الذي كان يميز بناء الحضارات الحضرية المستقرة حيث يعمد إلى تحويل الجفاف إلى فرصة استثمارية للبقاء والإستقرار. بينما كان العقل البدوي يهرب من الجفاف، والحضري يواجهه بالزراعة، فإن الليبرالية الجديدة في ظل التيه الارتحالي تقوم بـ استثمار الجفاف (الأزمات) وفقاً لما يسمى بـ رأسمالية الكوارث، تصبح الأزمات (الجفاف، الفوضى، فقدان الأمان) سوقاً مفتوحاً للخصخصة وإعادة الهيكلة، مما يخلق نوعاً من الاستقرار المبني على استدامة القلق. الليبرالية الجديدة خلقت مخلوقا هجيناً جديدا يمكن تسميته بالبدوي التكنولوجي، هو يمتلك أدوات الحضري (التكنولوجيا والبناء)، لكنه يمتلك روح البدوي المرتحل (عدم الاستقرار، البحث الدائم عن المورد، والقلق من جفاف الفرص). هذا التيه جعل الإنسان غريباً في المكان الذي يبنيه، ولديه الخوف الدائم من المستقبل الذي يفترض أنه يؤمنه.
تعريف الليبرالية الجديدة في ظل التيه الارتحالي:
بناءاً عليه يمكن تعريف الليبرالية الجديدة في ظل التيه الارتحالي كالتالي: هي نظام عالمي يقوم على فك الارتباط بين رأس المال والأرض، وتحويل الأوطان من مستقر حضري يبني السيادة، إلى محطات عبور Territorial Platformsتخدم السيولة المالية العالمية. في هذا التيه، لا تعود الدولة هي العقل الحضري الذي يحمي الأمان، بل تتحول إلى جهاز إداري مهمته تأمين انتقال الملكية العامة إلى شركات عابرة للقارات عبر آلية الديون. تعتمد التراكم عن طريق نزع الملكية Accumulation by Dispossession. هذا التعريف الجديد لا يرى الليبرالية الجديدة كمجرد سوق حر، بل كعملية بدواة قسرية للمجتمعات. يتم نزع ملكية الشعب من أصوله (تكنولوجيا، موارد، شركات) وتحويلها إلى أصول مالية مرتحلة تملكها كيانات عابرة للحدود، مما يترك الشعوب في حالة تيه اقتصادي بلا قاعدة إنتاجية وطنية.
في العقل البدوي القديم، كان الجفاف هو الخطر. في الليبرالية الجديدة، الدين السيادي والمديونية كـ سياج بدوي حديث هو الجفاف المصطنع. تُستخدم القروض البنكية (المستمدة أصلاً من مدخرات الشعوب) كأداة لاختراق العقل الحضري للدولة، وإجبارها على بيع تكنولوجياتها وسيادتها مقابل سراب الاستقرار المالي.
بينما كان العقل الحضري يستمد أمانه من سيادته على أرضه، تفرض الليبرالية الجديدة تعريفاً يكون فيه الأمان مرتبطاً بـ الامتثال لقوانين التجارة الدولية ومصالح الشركات. السيادة هنا ترتحل من البرلمانات الوطنية إلى غرف تحكيم الشركات العابرة للقارات، حيث تصبح مصلحة الشركة فوق الأمان الاجتماعي للشعب. فتتحول السيادة من الأرض إلى العقد. يتم بموجبها خصخصة المستقبل وتكنولوجيا التيه والاستحواذ على الشركات الحكومية وتكنولوجياتها يعني حرمان العقل الحضري من أدوات تحويل الجفاف إلى زرع. التكنولوجيا التي كانت ملكاً عاماً تصبح سلعة مرتحلة لا تُمنح إلا لمن يدفع، مما يحول المواطنين من بُناة حضارة إلى مستهلكين تائهين في شبكة تكنولوجية لا يملكون مفاتيحها. إذن وكإستكمال لتعريف الليبرالية الجديدة هي عقلية بدوية عولمية (تم تحويلها للعالمية) ترتدي قناع المؤسسات الحضرية. هي ترتحل خلف الأرباح وتترك وراءها جفافاً مؤسسياً في الدول التي تستولي على أصولها، محولةً مفهوم الأمان من حق للمواطن إلى امتياز للمساهم.
دور التكنولوجيا في عولمة التيه الإرتحالي:
تلعب التكنولوجيا والحوكمة الرقمية دور المسرّع التقني لهذا التيه، فهي توفر البنية التحتية التي تجعل من الارتحال الدائم نمط حياة ممكناً ومغرياً، مما يعزز انفصال الإنسان عن حيزه الجغرافي والاجتماعي التقليدي. فالحكومة الإلكترونية تتحول إلى مكتب سحابي (فك الارتباط بالمكان). قديماً، كان المواطن مرتبطاً ببلده بـ خيوط بيروقراطية (تجديد جواز، دفع ضرائب، معاملات ورقية) تتطلب حضوره الجسدي. حولت الحكومة الإلكترونية هذه الروابط إلى خدمات سحابية. الآن، يمكن للمواطن أن يعيش في بلد، ويعمل في بلد آخر، ويدير شؤونه القانونية في بلده الأم عبر شاشة المحمول. هذا التحلل من المكان جعل من الوطن مجرد قاعدة بيانات وليس بيئة للعيش المشترك. الحوكمة الرقمية أوجدت ما يسمى بـ المواطنة السائلة (Liquid Citizenship) حيث يتم اختصار هوية الإنسان في معرف رقمي أو محفظة هويات. هذا التوجه يعزز فكرة أن الإنسان وحدة اقتصادية متنقلة تختار نظام الحوكمة الذي يناسبها (كما تختار باقة إنترنت). الدكتاتوريات تستخدم هذه التقنيات أحياناً للمراقبة، مما يدفع الكفاءات لاستخدام نفس الأدوات للهرب والبحث عن مراعي رقمية أكثر أماناً. بدأت الدول (بتشجيع من منطق الليبرالية الجديدة) في إصدار تأشيرات خاصة لـ الرحالة الرقميين، حولت الارتحال كمشروع دولي. أكثر من 50 دولة بحلول منتصف 2024 أصبحت توفر هذه التأشيرات لجذب أصحاب الدخول العالية. هذا يحول الارتحال من حالة اضطرارية إلى سياسة حوكمة رسمية تشجع النخب على عدم الاستقرار في أوطانهم، بل التجول حيث تكون الضرائب أقل والرفاهية أعلى. تحولت التكنولوجيا كـ وطن بديل (الانتماء المتخيّل) فالتكنولوجيا توفر للمرتحل مجتمعات افتراضية تعوضه عن خسارة الجيران والحي المادي. وزادت عزلة المدن، بفضل تطبيقات التواصل ومساحات العمل المشترك، يعيش المرتحل في فقاعة تقنية موحدة عالمياً نفس المقاهي، نفس سرعة الإنترنت، نفس التطبيقات، هذا يجعل ناطحات السحاب في دبي أو طوكيو أو نيويورك تبدو كـ خيام إلكترونية متشابهة، مما يسهل قرار الارتحال لأن البيئة الرقمية ثابتة بينما الجغرافيا هي المتغيرة. التكنولوجيا والحوكمة الحديثة لم تُبْنَ لتعزيز الاستقرار في الأرض، بل صُممت لزيادة سيولة الموارد والبشر. هي الأدوات التي تحول البدوي القديم الذي يتبع المطر، إلى بدوي حديث يتبع إشارة الواي فاي وتسهيلات الحوكمة، مما يؤبد حالة التيه ويجعل من بناء الدولة المستقرة تحدياً وجودياً أمام إغراءات المرعى العالمي الرقمي.
القومية والدولة التنموية:
في سياق الفكر المؤسسي الحديث، يتطلب الخروج من الليبرالية الجديدة نحو نظام أكثر كفاءة واستقراراً والتحول من عقلية الارتحال إلى التراكم المؤسسي. إذا نجحت الدولة في هذا التحول، فإنها تحول المواطن من زبون أو مهاجر محتمل إلى شريك صاحب مصلحة عبر تطوير جزر الكفاءة (الدولة التنموية) حيث يظهر البديل الأكثر نجاحاً لليبرالية الجديدة في الاقتصادات الناشئة هو نموذج القومية التنموية. بدلاً من انتظار إصلاح شامل للبيروقراطية المترهلة أو الزبائنية، تقوم الدولة بإنشاء جزر كفاءة، وهي مؤسسات عالية الأداء (مثل البنوك المركزية أو وكالات الاستثمار المتخصصة) تعمل بناءً على الجدارة والكفاءة الصارمة. تعمل هذه الجزر كـ مرساة استقرار تثبت أن الدولة قادرة على إدارة الموارد بإنتاجية، مما ينقل هذه الثقافة تدريجياً إلى القطاعات الأخرى. حيث يتحول من توزيع الريع إلى البراغماتية الإنتاجية. الكفاءة في دول ما بعد الليبرالية الجديدة تأتي من صناعة سياسات قائمة على حل المشكلات والتجريب، بدلاً من اتباع كتيب تعليمات عالمي جامد. يعتمد على التحرك نحو تعزيز السوق المحلية ومؤسسات الدولة بناءً على الاحتياجات المحلية الخاصة. هذا يكسر رغبة الارتحال للهرب عبر خلق بيئة محلية فريدة تمنح الشركات والمواطنين ميزة تنافسية لا يجدونها في الخارج. مما يمهد لإستعادة العقد الاجتماعي لوقف النزوع الارتحالي أثناء الأزمات، يجب على الدولة الانتقال إلى سياسات اجتماعية تتجاوز الليبرالية الجديدة لإعادة بناء قدرة الدولة على إدارة الأسواق بطريقة تستجيب لـ مطالب المواطنة وليس فقط إشارات السوق. يشمل ذلك حماية الصناعات المحلية الناشئة وتوفير شبكات أمان قوية. تقديم خدمات عامة عالية الجودة (صحة، تعليم، بنية تحتية)، تزداد تكلفة الرحيل بالنسبة للمواطن. تصبح الدولة بيتاً يستحق الدفاع عنه وترميمه، وليست مجرد مرعى يتم استغلاله. إصلاح الخدمة المدنية لقتل الزبائنية. الكفاءة الحقيقية مستحيلة ما دام المنصب يُنظر إليه كـ فيء أو غنيمة. فتطبيق قوانين صارمة ومأسسة التوظيف لتقليل اعتماد المواطن على سماسرة الزبائنية من أجل البقاء من أهم عوامل النجاح عبر تحويل البيروقراطية إلى مهنة احترافية يعيد السمسار إلى موظف عام، ويكسر حلقة الولاء مقابل المنفعة التي تغذي العقلية الارتحالية الافتراسية. فالنظام يصبح كفؤاً عندما يخلق تكاليف ذات منفعة للمواطن، أي استثمارات في تعليمه، وفي قيمة منزله، وفي حقوقه القانونية، وهي أشياء لا يمكن نقلها بسهولة أو استبدالها في الخارج. هذا يربط الفرد بالتراب، ويستبدل سيكولوجية الارتحال بـ سيكولوجية الاستثمار.
التأميم الجديد
نحن نشهد بدايات موجة عالمية لما يمكن تسميته بـإعادة التأميم أو التأميم الجديد كاستجابة مباشرة لإخفاقات الليبرالية الجديدة. هذا الحراك ليس مجرد رد فعل عاطفي، بل هو تحول هيكلي في كيفية إدارة الدول لأصولها الاستراتيجية بعد عقود من التيه في خصخصة المرافق العامة.
ملامح هذا التحول المرتقب وفقاً للتوجهات الحالية لعامي 2024 و 2025 تشهد العودة لملكية الدولة في القطاعات الحيوية حيث تتصدر قطاعات الطاقة، والمياه، والنقل قائمة الأصول التي يتم استردادها أو تأميمها. ففي بريطانيا كنموذج –بعد أن كانت رائدة الخصخصة نحو الليبرالية الجديدة أيام رئيسة الوزراء السابقة مارغريت تاتشر – تتجه الحكومة البريطانية الجديدة (2024) نحو إعادة تأميم خدمات السكك الحديدية بشكل كامل بعد فشل الشركات الخاصة في تقديم خدمة مستدامة. كما قامت بريطانيا بالفعل بالانتقال رسمياً نحو العقلية الحضرية القائمة على بناء وامتلاك الأصول الوطنية من خلال تأسيس شركة طاقة بريطانيا العظمى (Great British Energy – GB Energy)، والتي دخلت حيز التنفيذ قانونياً بموجب قانون (Great British Energy Act 2025)تمثل هذه الخطوة المرة الأولى منذ موجات الخصخصة الليبرالية الجديدة في الثمانينيات والتسعينيات التي تمتلك فيها المملكة المتحدة وتشغل شركة طاقة وطنية. دور ومهام شركة طاقة بريطانيا العظمى، وهي شركة مملوكة بنسبة 100% للشعب، مقرها الرئيسي في أبردين، اسكتلندا، وتعمل كهيئة مستقلة تحت إشراف وزارة أمن الطاقة والصفر الانبعاثي. على عكس صناديق الاستثمار البسيطة، ستقوم الشركة بامتلاك وإدارة وتشغيل مشاريع الطاقة المتجددة، مثل مزارع الرياح والطاقة الشمسية. حيث سيتم الاستثمار الاستراتيجي 8.3 مليار جنيه إسترليني خصصتها الحكومة للشركة لتسريع إنتاج الطاقة المحلية وتقليل الاعتماد على الأسواق الدولية المتقلبة. تركز الشركة على تطوير تقنيات متقدمة مثل الرياح البحرية العائمة، وطاقة المد والجزر، والهيدروجين، لضمان مكانة بريطانيا كـ قوة عظمى في الطاقة النظيفة. إلى جانب شركة الطاقة، أنشأت المملكة المتحدة أيضاً مشغل نظام الطاقة الوطني (NESO) في أواخر عام 2024. تم إنشاء هذا الكيان المملوك للقطاع العام عن طريق الاستحواذ على مشغل نظام الكهرباء من شركة (National Grid) مقابل 630 مليون جنيه إسترليني، وذلك لضمان تخطيط وتشغيل شبكة الطاقة بالكامل بما يخدم المصلحة الوطنية بدلاً من الربح الخاص. تمثل هذه الخطوات إعادة ترميم حقيقية للبنية التحتية الأساسية وربطها بالدولة، بهدف حماية دافعي الضرائب وفواتير المستهلكين من صدمات الأسعار الارتحالية في أسواق الطاقة العالمية. في ألمانيا وفرنسا كذلك، شهدنا تحركات لاستعادة السيطرة الكاملة على شركات الطاقة (مثل EDF في فرنسا) لضمان أمن الطاقة القومي بعيداً عن تقلبات السوق العالمية التي تسيطر عليها الشركات عابرة القارات. ما نشهده هو صعود القومية الاقتصادية (Economic Nationalism) بدلاً من الانفتاح المطلق، تتبنى الدول الآن سياسات تضع المصلحة الوطنية، فوق كفاءة السوق المفترضة. ذكرتُ في مقال سابق (حول القومية الرقمية) توجه متزايد من قبل الدول الأوروبية لحماية التكنولوجيا والبيانات لحظر بيع شركات التكنولوجيا الناشئة أو البنية التحتية الرقمية لشركات عابرة للقارات، بل والسعي لاستعادة ما تم بيعه منها تحت ذريعة الأمن القومي. كل ذلك من أجل تحقيق الاستقلال الاستراتيجي بعيدا عن الشركات العابرة للقارات والحدود دفعت أزمات مثل الجائحة وحروب الطاقة الدول إلى إدراك أن ترك الأصول بيد شركات عابرة للقارات يجعلها رهينة في وقت الأزمات. كما اُعتمِد مفهوم إعادة التبلد أو إعادة سيطرة البلديات على أصولها (Remunicipalisation) هذا المصطلح يعبر عن استرداد المدن والبلديات لخدماتها المحلية (مثل النظافة والمياه) من الشركات العالمية. سجلت الدراسات أكثر من 1400 حالة عالمياً لمدن استعادت خدماتها بعد أن وجدت أن الخصخصة أدت لرفع الأسعار وتدني الجودة. هناك بعض الموانع القانونية والتعويضات التي تواجهها الدول كتحديات كبرى، مثل اتفاقيات الاستثمار الدولية. الشركات عابرة للقارات محمية باتفاقيات تمنحها الحق في مقاضاة الدول أمام محاكم دولية إذا حاولت إعادة التأميم، مما يجعل العملية مكلفة جداً. فالديون السيادية تقف كعقبة كبرى أمام الدول الغارقة في الديون وتظل واقعة تحت ضغط البنوك الدولية لعدم المساس بملكية الشركات العابرة للقارات كشرط لاستمرار الإقراض. لكن هذا لن يحول أمام العالم من مغادرة حقبة البدواة المالية التي سادت فيها الشركات عابرة القارات، ويتجه نحو استقرار حضري سيادي جديد. ومع ذلك، فإن هذه العودة لن تكون سهلة، فهي معركة قانونية ومالية لاسترداد مفاتيح البيت من مغتصبين إستولوا على الأراضي بفضل وعودٍ حولوها إلى قوانين منيعة تمنع طردهم بسهولة.
كيفية إعادة إحياء الهوية الوطنية
إعادة إحياء الهوية الوطنية في ظل العقلية الهجينة وسيكولوجية الارتحال ليست مجرد عملية تجميلية بالشعارات، بل هي عملية استصلاح حضاري تهدف إلى تحويل الإنسان من عابر سبيل إلى مستقر باني. ولتحقيق ذلك بأسلوب منهجي لابد من، الانتقال من هوية النسب إلى هوية الإنجاز. فالهوية التقليدية تعتمد على من أنت؟ (القبيلة، الطائفة)، وهذا يغذي الزبائنية. إعادة الإحياء تتطلب تعريفاً جديداً للمواطن يقوم على ماذا قدمتُ للأرض؟ وربط الفخر الوطني بالنجاحات العلمية والإنتاجية والاقتصادية بدلاً من الفخر بالأمجاد الغابرة فقط. تحويل العصبية من الولاء للأشخاص إلى الولاء لـ المشروع الوطني. كما إن استعادة قدسية المورد العام (التربية الحضارية)
لكسر عقلية الفيء والغنيمة، يجب إعادة صياغة العلاقة بين المواطن والمال العام من خلال التعليم والإعلام. وكذلك تدريس المواطنة الضريبية، أن يدرك الطفل أن الرصيف والمدرسة والمستشفى هي ملكية خاصة له دفع ثمنها مجتمعه، وليست مكرمة من أحد. ولابد من ترك وتحطيم اللافتات التي يضعها المسؤولون في واجهة كل مشروع يفتتحونه لمباركة أسمائهم عليها، فالمشاريع العامة هي ملك للمواطن وليس مكرمة من المسؤول لكي يتفاخر بها. هذا الوعي يحول المواطن إلى رقيب يرفض نهب موارده لأنه يراها أصله الذي سيعيش منه أبناؤه. ولابد من ربط الهوية بـ استصلاح الأرض (الأمن المكاني). إذ لا يمكن بناء هوية لمرتحل. يجب أن يشعر المواطن أن استقراره في أرضه أجدى له من الرحيل، وتدعيم المشاريع الصغيرة والمتوسطة المرتبطة بالبيئة المحلية (زراعة، صناعات تحويلية). عندما يملك الشاب أرضاً أو مصنعاً أو بيتاً، يصبح لديه تكلفة غارقة تجعله يقاتل لإصلاح النظام بدلاً من الهروب منه. كما قال ابن خلدون، البداوة لا تنضبط إلا بـ صبغة. في العصر الحديث، هذه الصبغة هي سيادة القانون المطلقة. أن يرى المواطن أن القانون يُطبق على ابن المسؤول قبل ابن المواطن العادي. هذه العدالة هي التي تخلق الثقة، والثقة هي الصمغ الذي يربط أجزاء الهوية الوطنية ببعضها. بدون عدالة، تظل الهوية مجرد غطاء للزبائنية. كما إن مواجهة تغريب العقول (مشروع العودة الذهنية) ومواجهة المخطط الليبرالي الجديد الذي يريد تحويلنا إلى بدو رقميين، عبر خلق حاضنات وطنية للكفاءات تمنحهم الحرية والتقدير المادي والمعنوي. الهوية تُحيى عندما يشعر المبدع بالتقدير وأن وطنه هو المختبر الذي يحترم عقله، وليس مجرد محطة جباية. ولابد من تعزيز الفن والثقافة كأدوات لترسيخ جذور الهوية التي لا تُبنى بالوعظ، بل بالوجدان، فدعم السينما، الأدب، والعمارة التي تعكس خصوصية الأرض وتاريخها أحد عوامل رسوخ الجذور، عندما يسكن الإنسان في مدينة تشبه روحه وتاريخه، يزداد ارتباطه بها. العمارة الهجينة (ناطحات سحاب بلا روح) تزيد من سيكولوجية الارتحال، بينما العمارة المتجذرة تزيد من سيكولوجية الاستقرار. فإعادة إحياء الهوية هي معركة تثبيت جذور في مواجهة رياح الاقتلاع. هي تحويل الوطن من فندق نغادره عندما تسوء الخدمة، إلى بيت نصلحه مهما كلفنا الأمر.
لمن يود الإطلاع على الجزء الأول:




