تدخل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة شديدة الغموض: لا حرب جديدة، ولا اتفاق ينهي الأزمة. المواجهة العسكرية تراجعت، لكن الحصار الاقتصادي الأمريكي مستمر، وإيران تؤكد قدرتها على الصمود، فيما تتحرك قطر وعُمان وباكستان لفتح طريق نحو التفاوض.
الجديد اليوم ليس ما حدث أثناء الحرب، وإنما ما بعدها. فقد دخلت الولايات المتحدة المواجهة بأهداف كبيرة، لكن النتائج السياسية لم تصل إلى المستوى الذي كان متوقعًا. إيران ما زالت قائمة، ونظامها لم يتغير، وتعتبر أنها صمدت أمام الولايات المتحدة وإسرائيل، وأنها لن تقبل بالتراجع عن مكانتها ودورها الإقليمي.
ولهذا انتقلت المعركة إلى الاقتصاد.
واشنطن تراهن على العقوبات والضغط على النفط والتجارة والقطاع المالي لإجبار طهران على تقديم تنازلات. وإيران تواجه بالفعل ضغوطًا قاسية، من تراجع العملة وارتفاع الأسعار إلى أزمة البنزين ونقص الإمدادات.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع العقوبات إيلام إيران؟ فهذا واضح. وإنما: هل تستطيع إجبارها على تغيير موقفها السياسي؟
إيران تعيش تحت العقوبات منذ أكثر من أربعين عامًا، وخلال هذه الفترة طورت صناعات محلية وقدرات عسكرية واقتصادية، ونجحت في بناء علاقات ومنافذ تجارية خارج المنظومة الغربية. وهذا لا يعني أنها محصنة من الحصار، لكنها أثبتت أن العقوبات وحدها لم تستطع إسقاطها أو إخضاعها.
وهنا يدخل عامل الصين وروسيا.
فوجود الصين كمشترٍ رئيسي للنفط الإيراني، واستمرار التعاون الروسي، يجعلان عزل إيران بصورة كاملة أكثر صعوبة. الصين ترفض العقوبات الأمريكية الأحادية وتؤكد استمرار تجارتها مع إيران، فيما توفر روسيا دعمًا سياسيًا واقتصاديًا لطهران.
لكن ذلك لا يعني أن إيران أصبحت خارج تأثير العقوبات؛ فالصين وروسيا لديهما مصالحهما الخاصة، ولن تدخلا بالضرورة في مواجهة شاملة مع واشنطن من أجل إيران.
لذلك فإن السؤال الأوسع هو: هل تستطيع أمريكا فرض حصار كامل على إيران في عالم يتجه نحو تعدد مراكز القوة؟
فكلما حاولت واشنطن تشديد العقوبات، اضطرت إلى ملاحقة الشركات والدول وطرق التجارة التي تتعامل مع إيران، الأمر الذي يحول الحصار تدريجيًا إلى مواجهة اقتصادية أوسع.
وفي المقابل، لا تستطيع إيران تجاهل الكلفة. فأزمة البنزين والضغوط المعيشية والتضخم تؤكد أن الصمود له ثمن، وأن الاقتصاد الإيراني يواجه اختبارًا حقيقيًا.
لكن إيران تراهن على الزمن، كما تراهن واشنطن على الزمن.
أمريكا تقول إن استمرار الضغط سيجبر إيران على التراجع، وإيران تراهن على أن استمرار الحصار سيصبح مكلفًا لواشنطن وللاقتصاد العالمي.
وهنا تظهر أهمية مضيق هرمز.
فتح المضيق واستقرار الملاحة مصلحة أمريكية وخليجية وإيرانية ودولية، ولذلك أصبح هرمز أقرب إلى أن يكون بوابة للتسوية بدل أن يكون سببًا لمواجهة جديدة.
ومن هنا تأتي التحركات المتزامنة لقطر وعُمان وباكستان. قطر تتحرك لفتح القنوات السياسية، وعُمان تركز على الملاحة وهرمز، وباكستان تحاول إعادة إطلاق مسار التفاوض بين واشنطن وطهران.
هذه التحركات تعني أن هناك رغبة إقليمية في منع العودة إلى الحرب، حتى وإن استمر الضغط الاقتصادي.
وفي واشنطن، يواجه ترامب معادلة صعبة أيضًا. فهو يحتاج إلى الحفاظ على صورة الإنجاز والانتصار، لكنه يحتاج في النهاية إلى نتيجة سياسية يمكن أن ينهي بها الأزمة. فاستمرار الحرب أو الحصار من دون نتيجة واضحة، وارتفاع أسعار النفط والوقود، يمكن أن يتحول إلى عبء سياسي، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات النصفية.
ولهذا قد يكون لدى ترامب سقف سياسي لإنهاء الأزمة، حتى لو لم يكن هناك سقف عسكري لمواصلة الضغط.
ومن هنا قد تتجه الأمور إلى تسوية تدريجية: ترتيبات حول هرمز والملاحة، خفض للتصعيد، ثم تفاوض حول العقوبات والملفات الأخرى.
وقد يحتاج كل طرف إلى صيغة تحفظ ماء الوجه: ترامب يقول إن الضغط أجبر إيران على التفاوض، وإيران تقول إنها صمدت ولم تخضع.
في النهاية، لا يبدو أن إيران ستنهار سريعًا، كما لا يبدو أن الولايات المتحدة ستتراجع سريعًا. ولذلك فإن المعركة الحالية هي معركة صمود واستنزاف وتفاوض على شروط النهاية.
السؤال لم يعد فقط: من انتصر في الحرب؟
بل أصبح:
من يستطيع تحمل كلفة الحصار والانتظار أكثر؟
إيران تراهن على صمودها وعلى دعم شركائها ومنافذها البديلة، وأمريكا تراهن على قوة اقتصادها وعقوباتها.
وبين الطرفين تتحرك الدبلوماسية القطرية والعُمانية والباكستانية، بينما يبقى هرمز والاقتصاد والنفط مفاتيح رئيسية.
الحرب تراجعت إلى الخلف، لكن معركة شروط النهاية بدأت فعليًا.




