
في لحظة فارقة من تاريخ النظام الدولي، وجدت أوروبا نفسها تُشاهد من بعيد قراراتٍ تُصنع في الشرق الأوسط على حدودها الاستراتيجية وعلى حساب مصالحها المباشرة، دون أن تُستشار أو يُعتدّ برأيها. وإن كان هذا التهميش ظاهرةً عالمية تجلّت في أوكرانيا حين صُنعت قرارات الحرب والسلام دون استشارة برلين أو باريس، وفي المحيط الهادئ حين فُوجئت فرنسا بإلغاء صفقة غواصاتها مع أستراليا دون إشعار مسبق — فإن الشرق الأوسط يبقى نموذجه الأكثر تجلياً وأشدها وطأةً. وهذا التهميش لم يأتِ من فراغ بل تراكم عبر عقود من الخيارات الخاطئة والإرادة المفقودة، حتى وجدت القارة بكل ثقلها الحضاري والاقتصادي والتاريخي نفسها خارج اللعبة الكبرى.
لفهم هذا التهميش لا بد من التمييز بين كيانين مختلفين — القارة الأوروبية بتاريخها الإمبراطوري الضارب في العمق، والاتحاد الأوروبي كمؤسسة وُلدت عام 1993 وتحمل في بنيتها تناقضاتها الخاصة. فأوروبا كقارة صنعت الحداثة والقانون الدولي، أما الاتحاد فمشروع اقتصادي يعاني من تناقض بنيوي عميق — سبع وعشرون دولة لكل منها أولوياتها الأمنية وتاريخها الاستراتيجي، مما يجعل أي قرار موحد شبه مستحيل في الوقت المناسب، والسياسة الدولية لا تنتظر إجماع سبع وعشرين دولة.
في هذا الإطار تأتي الحالة البريطانية كأكثر الحالات تعقيداً. فبريطانيا خرجت من الاتحاد ظاناً مؤيدوها استعادةً للسيادة، لكن ما حدث كان العكس — إذ باتت أكثر اعتماداً على واشنطن. وعضويتها في تحالف العيون الخمس تُكرّس تبعيتها لا استقلاليتها. والمفارقة الكبرى أن أوروبا تحتضن دولتين نوويتين معترفاً بهما دولياً — بريطانيا وفرنسا — ومع ذلك تبقى مُهمَّشة. فسلاحهما النووي المُعلن مُقيَّد بمعاهدات وأعراف دولية تجمّده ورقةً شرعية لا ورقةَ ضغط — مما يكشف أن التهميش الأوروبي سياسي وإرادي في جوهره لا عسكري.
في المساحة بين أوروبا والشرق الأوسط تقف تركيا نموذجاً مغايراً — عضو في الناتو ومرشح للاتحاد الأوروبي تحوّل ترشحه إلى جثة دبلوماسية، وقوة تستطيع التحدث مع حماس وإسرائيل وروسيا وإيران في آنٍ واحد. كان يمكن لهذا الموقع أن يُعوّض بعض التهميش الأوروبي — لو أن أنقرة اختارت بناء نفوذ مستدام بدلاً من توظيف أوراقها ابتزازاً. فورقة اللاجئين استُخدمت ضغطاً على بروكسل، وفتح بوابات العبور حوّل موجات النزوح إلى أداة تمدد للإسلام السياسي داخل القارة — انتقاماً من أوروبا التي أغلقت أبوابها أمام عضويته لعقود.
أوروبا رأت فراغها يتسع ولم تفعل ما يكفي لملئه. فالانهيار لم يكن حدثاً بل مساراً — من أفغانستان حيث تبعت واشنطن دون استراتيجية مستقلة، إلى العراق حيث قالت “لا” دون أن تملك البديل، إلى أوكرانيا حيث تدفع الثمن وتُقصى من طاولة الحل، إلى إيران حيث تتفاوض بأوراق لا تملك تنفيذها — في كل محطة كانت أوروبا حاضرة بالتكلفة غائبة بالقرار. وبلغ هذا الغياب ذروته حين رفضت أوروبا ودول الناتو المشاركة في تأمين مضيق هرمز — المفترق الاستراتيجي الذي أغاظ واشنطن وكشف أن الحلف الغربي مجرد واجهة حين تتعارض الحسابات وتتباين الأولويات. وهذه المحطات ليست إلا نماذج من مسار أعمق تتشابك فيه أسباب بنيوية وسياسية وتاريخية يضيق المقام عن حصرها — غير أنها تصبّ جميعاً في خلاصة واحدة: أوروبا أسهمت في تهميش نفسها تدريجياً.
لكن السؤال الذي تتحاشاه النخب الأوروبية هو الأصعب — هل همّشتها أمريكا أم همّشت هي نفسها؟ الحقيقة أن الاثنين صحيحان لكن بترتيب محدد: أوروبا قدّمت الفراغ طوعاً حين رفضت بناء قدرة دفاعية مستقلة وآثرت الرفاه على النفوذ، وأمريكا وجدت في هذا الفراغ فرصة استراتيجية لم تتردد في انتهازها فملأته بشريك أكثر طواعية وأقل تعقيداً مؤسسياً. التهميش إذن مشترك في نشأته، أمريكي في توظيفه واستثماره.
والسؤال الذي يطرحه المستقبل بإلحاح — هل هذا الانهيار قابل للترميم؟ الترميم ممكن لكنه مشروط من طرفين: أوروبا تحتاج إرادة جماعية تُحوّل ثقلها الحضاري والقانوني إلى نفوذ فعلي، وأمريكا تحتاج تواضعاً استراتيجياً يُعيد بناء الشراكة بالاحترام المتبادل لا بمنطق الهيمنة. أما العالم العربي الذي يدفع الثمن يومياً فتوصيته واحدة — أن يتعلم من خصومه قبل أصدقائه: فالغرب لم يبنِ نفوذه بالخطاب بل بالتضامن والتكاتف وتقديم المصلحة المشتركة على الخلافات الثانوية. وما يحتاجه العالم العربي اليوم ليس تحالفاً مع الخارج بل تحالفاً بينياً حقيقياً يجعل من مصالح شعوبه خطاً أحمر لا يتفاوض عليه أحد.
الطبيعة تأبى الفراغ — وفي الفراغ الذي تركته أوروبا ملأت إسرائيل المكان بأدوات ثلاث لا تملكها القارة. عسكرياً تُنفّذ ضربات جراحية دقيقة في عمق الأراضي المعادية دون استئذان أحد — وهذه الجرأة التنفيذية هي ما يجعلها شريكاً استراتيجياً لا يُعوَّض لأمريكا. استخباراتياً تملك شبكة عملاء ميدانية في إيران والعراق ولبنان وأفريقيا لا تستطيع أمريكا بكل إمكاناتها الاستغناء عنها. وسياسياً نجحت في إعادة رسم خريطة التحالفات عبر اتفاقيات أبراهام بحيث باتت إيران لا القضية الفلسطينية هي المحور.
غير أن هذا الدور يحمل تناقضات بنيوية عميقة. فما جرى في غزة منذ أكتوبر 2023 كشف أن القوة العسكرية وحدها لا تصنع نفوذاً مستداماً دون شرعية سياسية — والشباب الغربي بدأ يتحول، والجامعات التي كانت حصناً للدعم باتت ساحة احتجاج. يُضاف إلى ذلك أن النفوذ الإسرائيلي بات مثقلاً بتساؤلات لا يمكن تجاهلها — عن احترام القانون الدولي الإنساني وعن الثمن الذي تدفعه شعوب المنطقة جراء سياسات تتجاوز حدود الدفاع المشروع نحو ما توثّقه المحاكم الدولية من انتهاكات موصوفة. وحين تتراكم هذه التساؤلات في الوجدان الإنساني، يصبح النفوذ المبني على فائض القوة رصيداً آخذاً في التآكل لا في النمو. والأداة التي تُمكّن إسرائيل من الحفاظ على دورها رغم كل ذلك هي AIPAC — التي تجعل ثمن معارضة إسرائيل أكبر مما يستطيع أي سياسي غربي تحمّله.
وإسرائيل في براغماتيتها تُدير علاقات مع أمريكا وروسيا والصين بمرونة لا تملكها دول أكبر منها. فمع روسيا تحافظ على تفاهم صامت أتاح لها هامش المناورة الاستراتيجي حتى في أحلك لحظات التوتر، ومع الصين تُدير علاقة اقتصادية وتقنية بعيداً عن الأضواء. وما يجعل هذه المرونة ممكنة هو شبكة النفوذ التي تضمن لها استمرار الدعم الأمريكي بغض النظر عن تصرفاتها — فهي تلعب على أكثر من حبل دون خوف حقيقي من فقدان المظلة.
أما غموضها النووي فهو سلاح من نوع مختلف تماماً عن السلاح النووي البريطاني والفرنسي المُعلن — فبينما يجمّد الإعلان الورقةَ الأوروبية بقيود الشرعية الدولية، تنتهج إسرائيل سياسة “لا إقرار ولا نفي” التي تُبقي التهديد حياً دون أن تتحمل أي التزام دولي. وهكذا تحوّل غياب الالتزام إلى ميزة استراتيجية، لا لأن النووي هو ما همّش أوروبا، بل لأن إسرائيل أتقنت توظيف أدواتها كاملةً بينما عجزت أوروبا عن توظيف أدواتها الأضخم. أما المشروع النووي الإيراني الذي كان على أعتاب الاكتمال فبات اليوم في مهب الضربات — وهذا التهديد الوجودي بالذات هو ما دفع إسرائيل للتصرف بطريقة تتجاوز أحياناً حدود البراغماتية، لأن من يواجه تهديداً وجودياً لا يُحكّم دائماً منطق الحسابات الباردة.
خلاصة المشهد أن المنطقة تعيش فراغاً استراتيجياً مزدوجاً — أوروبا غائبة عن دورها في صنع القرار الدولي رغم امتلاكها أدوات الشرعية والقانون، وإسرائيل تملأ الفراغ بتناقضاتها وتجاوزاتها وفائض قوتها، والعالم العربي يدفع الثمن يومياً في ساحة لا صوت حقيقي له فيها. والإنسانية اليوم أمام مفترق خطير — حين تحل القوة محل القانون وتُستباح حقوق الشعوب باسم المصالح الاستراتيجية، لا يبقى بين الأمم وشريعة الغاب سوى خيط رفيع. ولعل التهميش الذي عاشته أوروبا يكون الدافع والتحدي معاً — فتستعيد دورها الاستراتيجي بقوة القيم لا بمنطق النفوذ، مطالِبةً بالشرعية الدولية ورافعةً صوت الشعوب المستضعفة. فمن يختر درب العدالة والسلام يكتب اسمه في التاريخ الذهبي للحضارة الإنسانية — ومن يختر شريعة الغاب يبقى أسيرها




