
من غزة إلى السودان، ومن أوكرانيا إلى اليمن، ومن حدود الساحل الإفريقي الملتهبة إلى شوارع مدن كانت حتى الأمس القريب آمنة، يبدو العالم اليوم وكأنه يعيش على صفيح ساخن. لم تعد الحروب استثناء في نشرات الأخبار، بل أصبحت هي الخبر اليومي. وفي خضم هذا الضجيج، يعود سؤال قديم، بسيط في صياغته، عميق في دلالته، ليطرح نفسه بإلحاح: هل لا يزال السلام ممكنا؟
عالم بلا هدنة
الأرقام وحدها كفيلة بأن تشرح حجم المأزق. وفقا للتقارير الدولية، يعيش العالم اليوم أكبر عدد من النزاعات المسلحة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. أكثر من 110 نزاعات مسلحة نشطة، عشرات الملايين من النازحين، واقتصاد حرب عالمي يتجاوز إنفاقه تريليوني دولار سنويا.
لكن الخطر الأخطر ليس في عدد الصواريخ، بل في تآكل فكرة السلام نفسها. لقد اعتدنا المشهد. اعتدنا صور الأطفال تحت الأنقاض، واعتدنا لغة التبرير. تحولت الحرب من جريمة إلى وجهة نظر، ومن مأساة إنسانية إلى ورقة تفاوض. وهذا هو الانتصار الأول للحرب على السلام، حين تجعلنا نؤمن بأنها قدر لا مفر منه.
لماذا تفشل كل محاولات السلام؟
الحقيقة أن النظام العالمي الذي بُني بعد 1945 لمنع تكرار المآسي، وعلى رأسه الأمم المتحدة، يعيش اليوم أزمة شرعية خانقة. حق النقض، وازدواجية المعايير، وعجز المؤسسات الدولية عن فرض قراراتها، جعلت القانون الدولي يبدو انتقائيا، يطبق بقوة على الضعيف ويعطل أمام القوي.
يضاف إلى ذلك ثلاثة عوامل جديدة تعقد أي سلام مستقبلي:
1. اقتصاد الحرب: السلام لم يعد مربحا للجميع. هناك صناعات كاملة ولوبيات سلاح واقتصادات ظل تعتاش على استمرار النزاع.
2. حرب السرديات: لم تعد الحروب تدار فقط في الميدان، بل في الشاشات. خوارزميات التواصل الاجتماعي تغذي الكراهية والاستقطاب أسرع مما تنشر أي دعوة للتسامح.
3. أزمة الموارد والمناخ: الماء والطاقة والغذاء. الحروب القادمة قد لا تكون على الحدود، بل على الموارد، وهذا يجعل شرارتها أقرب إلينا مما نتصور.
هل السلام وهم؟
الجواب الصادم: لا. السلام ليس وهما، لكن تصورنا له هو الوهم.
نحن نتخيل السلام كغياب كامل للحرب، كعالم وردي بلا صراع. بينما التاريخ يعلمنا أن السلام ليس حالة سكون، بل هو عمل يومي، ومجهود سياسي وتربوي واقتصادي مستمر. السلام ليس هدنة بين حربين، بل هو بناء عدالة.
لا يمكن أن نطالب شعوبا مقهورة بأن تصمت باسم السلام، بينما حقوقها منتهكة. السلام الحقيقي لا يبنى على القبور، بل على العدالة. حيث لا عدالة، لا سلام مستدام.
ما الذي يمكن فعله؟
إذا أردنا أن نتحدث عن مستقبل يمكن أن نعيش فيه بسلام، فلا بد من تغيير جذري في ثلاثة مستويات:
أولا، في التعليم: لا يمكن لأطفال يتربون على مناهج تمجد العنف وتلغي الآخر أن يصنعوا سلام الغد. السلام يبدأ من كتاب مدرسي.
ثانيا، في الاقتصاد: عالم يزداد فيه الفقراء فقرا والأغنياء غنى هو مصنع للحروب. إعادة توزيع أكثر عدلا للثروات والفرص هو استثمار مباشر في الأمن العالمي.
ثالثا، فينا نحن: السلام ليس مهمة الرؤساء والجنرالات فقط. هو قرار فردي أيضا. كيف نتقبل الاختلاف في عائلاتنا، في أحيائنا، في تعليقاتنا اليومية؟ المجتمعات العنيفة داخليا لا يمكن أن تنتج سلاما خارجيا.
قال الفيلسوف سبينوزا: “السلام ليس غياب الحرب، بل فضيلة تنبع من قوة النفس”. وهذه الفضيلة هي ما نحتاج لاستعادته اليوم.
خاتمة
نعم، يمكن أن نعيش في سلام مستقبلاً، لكن ليس السلام الذي يهدى لنا من السماء، بل السلام الذي نصنعه بأيدينا.
سيبقى العالم مضطرباً ما دمنا نعتقد أن أمننا يتحقق على حساب أمن الآخرين لا معه. اللحظة التي سيفهم فيها العالم أن مقتل طفل في غزة هو تهديد لطفل في باريس، وأن الجوع في السودان هو خطر على الاستقرار في أوروبا، تلك اللحظة فقط سيبدأ السلام.
المستقبل ليس قدراً محتوماً، بل هو خيار جماعي. وبين الحرب والسلام، لا يزال القرار، رغم كل شيء، بأيدينا.




