قد تنتهي الحرب عندما تتوقف الطائرات عن الإغارة، ويخفت أزيز الصواريخ والمسيّرات، وتُفتح قنوات التفاوض، لكن توقف الأعمال الحربية لا يعني بالضرورة انتهاء الحرب. فالصراعات الكبرى لا تنتهي دائماً عندما تصمت المدافع، بل قد تنتقل من المواجهة العسكرية المباشرة إلى صراع على النفوذ والسيطرة الاقتصادية والتحكم بمصادر الطاقة وبناء التحالفات وإرساء قواعد الأمن الإقليمي والدولي.
وهذا ما يدعونا للقول إن وقف الأعمال الحربية بين أميركا وإيران، إن حصل، لن يكون مستداماً، وقد ينهي الحرب بمعناها التقليدي، لكنه سيفتح في المقابل مرحلة جديدة من صراع أعم طويل الأمد على مرتكزات نظام دولي جديد بدأ مخاضُ ترسيمه. فالمواجهة لم تعد محصورة في البرنامج النووي الإيراني، ولا في الصناعات الصاروخية ولا في الجيوش الرديفة التي أنشئت في عدد من الدول العربية، وإنما كشفت عن جملة من المصالح المتعارضة التي تمتد من أمن دولِ الشرق الأوسط وسلامة الملاحة البحرية في الخليج العربي والبحر الأحمر، مروراً بأسواق الطاقة وانتهاءً بالتَّحالفات الإقليمية، وبموقع الولايات المتحدة وأدوار روسيا والصين، وصولاً إلى مستقبل الدول الغنيَّة بمصادرها الأولية التي تحولت إلى ميادين للتنافس الإقليمي، وربما تمسي ساحات للصراع على النفوذ وإحكام السيطرة.
لقد غيّرت الحرب الدائرة مفاهيم إدارة الحروب وأبعادها الاستراتيجية، وأظهرت أن التفوّق العسكري والتكنولوجي لا يمنع الخصم بالضرورة من رفع كلفة المواجهة. فالصواريخ والمسيّرات وتهديد الممرات البحرية ومنشآت الطاقة يمكن أن تستنزف حتى الطرف المتفوّق والغني، ما جعل مفهوم الردع يتجاوز امتلاك حاملات الطائرات والبوارج والغواصات والصواريخ بعيدة المدى، ليشمل القدرة على تحمّل الاستنزاف، وتجديد القدرات، وحماية الاقتصاد، والدفاع لفترات طويلة.
كما أظهرت الحرب أن كلفة الدفاع تتزايد مع إطالة فترة المواجهة، ولا سيما مع الاستهلاك المستمر للذخائر الاعتراضية وفي ظل ارتفاع كلفة التَّصدي للصواريخ والمسيّرات، الأمر الذي يفرض تأمين مخزونات استراتيجية وإعادة النظر في الحسابات الدفاعية ورسمِ التَّحالفات. ومن هنا تسعى دول المنطقة إلى تنويع شراكاتها الأمنية وتوزيع أعباء الدفاع، بعدما تبين أن الحروب الطويلة والمتعددة الجبهات تستنزف القدرات الماليَّة والتِّكنولوجيَّة.
إن معايير القوة في الحروب الحديثة لم تعد تقاس فقط بالأسلحةِ بمفهومها الكلاسيكي وقدراتها التَّدميرية، إنما أيضاً بقدرةِ الدُّولِ على تحمُّلِ الحِصار والاستِنزافِ وتَجديدِ مَخزون الذَّخائرِ وحِمايَةِ الاقتِصاد والتَّحكُّمِ بالمَمراتِ الحَيويَّة.
وإن كان الملف النووي الإيراني يتصدَّرُ الملفات المطروحةِ للمعالجة، إلَّا أن الحلول لا تقتصِر على ضرب المنشآت النووية الإيرانيَّةِ التي تم تدمير بعضِها وتعطيل البعضِ الآخر، وإنما ترتبطُ أيضاً بالمَعرفَةِ العِلمِيَّة، والخِبرَةِ البَشرِيَّة، والبُنيَةِ الصِّناعِيَّة، وسلاسل توريد الموادِ الأوليَّة، وقدرة إيران على إعادة بناء ما تعرَّضَ للتَّدمير. ويقال الأمر ذاته بالنسبة إلى الصناعات الصاروخية الباليستيَّة والفرط صوتيَّة والمسيّرات البعيدة المدى. ولذلك نرى أن التَّسويَةَ المقبلة من المنظور الأميركي – الإسرائيلي لا تتوقَّفُ عند سُؤال ما الذي دُمِّر وما الذي ينبغي تدميره؟ بل عن سؤال أكثر تَعقيداً: ما الذي تستطيع إيران إعادة بنائه؟ وما هي حدود التَّوجُّهاتِ الإيرانيَّة التَّسلُّحِيَّة مستقبلاً؟ وما الضمانات التي تحول دون إعادةِ بناءِ ترسانتها العسكريَّة؟ وهل في أميركا أو غيرها من الدول الغربيَّة من يتجرأ على قرعِ طُبول الحرب مع إيران، فيما لو أخذ الرئيس الأميركي الحالي قراراً بوقِفِ العمليَّاتِ العسكريَّة قبل تحقيق أغراضها المَنشودَة؟
وملفاتُ التَّسلُّحِ الإيراني لا تختصر أوجه الصراع، إذ ثمة ملفَّاتٌ أخرى ترتبط بالجغرافيا الاستراتيجية، منها: تحرير الملاحة البحرية وسلامةِ الممرات الاستراتيجيَّة على وجه الخصوص. فهرمز وباب المندبِ ليسا مجرد ممرين مائيين، بل يُعتبرانِ من أهم الشَّرايين الحَيوِيَّة للتِّجارَةِ العالَمِيَّةِ وموادِ الطَّاقة. وأي اضطراب فيهما لا تقتصر انعكاساته السلبيَّة على الدول المجاورة، بل يطال أسعار الطاقة والنقل والتأمين وسلاسل الإمداد العالميَّة. وهذا ما يجعلُ السَّيطرَةَ على نُقاطِ الاختناق البَحرِيَّةِ في هذه المنطقة أو غيرها بمثابةِ ورقة ضغط رابحة تتجاوز حدود الجغرافيا الضَّيِّقة، ولهذا يحتل النِّقاشُ حَول المضيقين موقِعاً مركزياً في المفاوضات الأميركية – الإيرانية.
وإن كانت مذكرةُ التَّفاهُم التي أُبرِمَت في حزيران 2026 نجحت في إطلاق مسار للتفاوض حول مجموعة من الملفات، منها البرنامج النووي الإيراني، والصناعات الصاروخية، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، والعقوبات الأميركية على إيران. لكن هذه القضايا بقيت من دون تسوية نهائية، ما ينذر ببقاء التوتر في المرحلة القادمة. وعليه، فإن وقف إطلاق النار، رغم أهميته، لا يشكّل ضمانة لتسويَةٍ سِياسِيَّةٍ مُستدامَة، وثمَّةَ حاجة مُلِحَّةٍ إلى مُقارباتٍ تُعالِجُ أسبابَ النِّزاعِ وعَوامِلِ عدم الاستقرار. وهنا تكمنُ مخاطرُ إنهاء الحرب على ركام التناقضات من دون مُعالَجَةِ أسباب النِّزاعات ومن ضمنها امتناعُ إيران من التَّدخُّلِ في شؤون الدُّول المُجاورة.
وعليه، نرى أن توقفت الحرب الدائرة وفق المعطياتِ الراهنة، سينقُلُ الصِّراع من المِيدان العسكري إلى مَيادين أُخرى، ذاتُ أبعادٍ دوليَّةٍ أوسع، وسيتمحورُ حولَ مرتكزات النظام الدولي الجديد. وهذا ما كشفه تبايُنِ المواقفِ في جلسةِ مَجلِسِ الأمن التي كانت مُخصَّصَةً لتَمديدِ آليَّةِ مُراقبَةِ العقوبات على إيران، حيث أصرَّت الولاياتُ المُتَّحِدَةُ الأميركِيَّةُ على تمسُّكها بمنظومة العقوبات كوسيلة للضغط والمراقبة، في المُقابل أبدى كل من روسيا والصين حرصاً على اعتمادِ المسار الدبلوماسي في حل النزاعات. ويستشَفُّ من لجوءِ روسيا والصين إلى حقَّ النَّقضِ «الفيتو» لإحباط المَشروع الأميركي أن الصِّراعَ لم يعُد مَحصوراً بين إيران والولايات المُتَّحِدَة، بل دخلت حلبتُهُ دولٌ أُخرى لها مَصلحَةٌ في إعادَةِ النَّظرِ بقَواعِدِ إدارَةِ النِّظامِ الدَّولي، وإن كانت البدايةُ مع مَسألَةِ فرضِ العُقوبات، كما بالجِهاتِ المُخوَّلَةِ حق تحديدِ قواعِدِها ومراقبَة تنفيذِها، والكيفيَّة الواجِبِ اعتِمادُها مُستقبلاً في إدارة الأزمات الدَّوليَّةِ الكُبرى، وهذا إن دل على شيء فيدُلُّ على خلافاتٍ حادَّة.
إن التحوّلات المتسارعة تُشيرُ إلى أننا مقبلون على مرحلة فائقة الحساسِيَّةِ مَحفوفةٍ بالمَخاطر، لأن المجالَ لم يعد متاحاً أمام تسويات سياسِيَّةٍ متوازنة، بل نحن مقبلون على فترة إعادة بناء القوة وإعادة ترتيب التحالفات والاستعداد لصِّراعاتٍ بأنمطٍ مُستجَدة، تُعتمدُ فيها أدواتٌ تختلفُ عما ألفناه، حيث تستبدل الغارات بالعقوبات، والصواريخ بالحصار الاقتصادي والتكنولوجي، والمواجهة المباشرة بحروبٍ بالوكالة، والسيطرة على الأرض بالتحكم بالممرات الحيوية ومصادر الطاقة والمواد الأوليَّة الأساسية وتكنولوجيا المعلومات.
ولا يحتاج المتابع للنزاع الدائر إلى كثير من الجهد ليخلص إلى أن المسألة تتحول تدريجياً إلى توسُّعِ رُقعَةِ الخِلاف بين الدُّولِ العُظمى حول قواعد إدارة النظام العالمي مُستقبلاً. إلَّا أن هذا الأمر يثيرُ تساؤلاتٍ جوهريَّة: ما الدور الذي تستطيع القوى الكبرى الأخرى لعبه لترسيخَ معادلةٍ جديدةٍ تقومُ على التَّعدُّديَّةِ القطبيَّة؟ وإعادة صياغة قواعِدَ التَّعامُلِ مع الأزماتِ الدَّوليَّةِ المُستجَّدة؟ وما إذا كان بالإمكان تكليفِ جِهَةٍ دولِيَّةٍ مُستقلَّة لتولي فرضَ العُقوبات وإدارتِها وضَمانِ حُسنِ تنفِيذها؟
تلك المحاولاتُ لا تروق للولايات المتحدة الأميركية الطامحة إلى تكريس موقِعها المركزي عالمياً، لذا نرى أن مرادها من الحرب الدائرة في منطقة الشرق الأوسط الحِفاظَ على موقِعِها ومنع إيران ومن يقفُ خلفها من امتلاك قدرات تُهدِّدُ التَّوازناتِ القائمةِ حاليًّا على السَّاحتين الإقليميَّة والدَّوليَّة، بالإضافةِ إلى ضمان أمن إسرائيل والحفاظِ على حُرِّيَّةِ المِلاحَة. ومن هذا المنطلقِ نرى أن الرئيس الأميركي ترامب فيما لو اضطُرَ للتَّخلي عن خياراتِه العسكريَّة تحت وطأةِ المعارضَةِ الدَّاخِلِيَّةِ المُتنامِيَة، وبقاءِ حلفائه الغربيين على الحياد، سيكونُ مكرَهاً على اتخاذِ قرارٍ بوقفِ الحَرب، ولكن بعدَ إلقاء اللوم على خصومه في الداخل لتَخاذُلِهِم، وسيُحَمِّل المَسؤولِيَّةَ التارِيخِيَّةَ لشُركائهِ الغربيين الذين خذلوه بتقاعُسِهم عن مُؤازَرتِه وامتناعِهم عن الانخراط في الحرب لدواعي المُناكَفاتِ الشَّخصيَّة.
ومن جهتهما، روسيا والصين، لن تألوان جهداً في تفويت الفرصَة على أميركا لتكريسِ نفوذها السِّياسي ولعبِ دور الشُّرطي الدَّولي الناظِمِ لعمليَّةِ توزيع الحُصَص. أما إيران فجل اهتماماتها راهناً تتمثَّلُ في الابقاء على نِظامها وضَمانِ نفوذِها الإقليمي الذي يكفلُ لها مستقبلاً دوراً إقليميًّا وازناً.
الدول الإسلاميَّةُ في المنطقة مُربكَة، أما العربية فمواقفها أكثرُ تعقيداً، بعد أن تخلّت عن مصادر قوتها، وأمست أما خطرين وجوديين داهمين «إيراني وإسرائيلي»، ولن تقتصر على دول الخليج، وإنما معظم الدُّول العربيَّة وبخاصَّة العراق وسوريا ولبنان واليمن والسودان وليبيا، وربما تدفعُ أثماناً باهظةً للمخططاتِ التفتيتيَّة التي تُحاكُ لها، وهذا ما سيُبقي ساحاتُها مفتوحَة أمام صِراعات فئوية.




