الإثنين 28 سبتمبر 2026 بيروت
النشرة البريدية
تحليل سياسي واقتصادي معمّق — بيروت
اشترك
28 سبتمبر 2026·بيروت النشرة
الملف الاستراتيجي
الأقسام النشرة
الأرشيف والخدمات
الرئيسية›الاحدث
الاحدث

منصة الأمم المتحدة تأبى أن تكون مِنبراً لمطلوب يتفاخر بانتهاكه لمواثيقِها | بقلم العميد المتقاعد د. عادل مشموشي

في مشهد دبلوماسي غير مسبوق، عاد بنيامين نتنياهو إلى منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة بعد عام، محمولًا بغطاء أمريكي شامل، ليعيد تسويق نفسه كبطل فومي يهودي، بذات لهجته الخطابيةٍ المقززة التي تقوم على التحدي والتنكرِ لكل ارتكاباتِه وارتكاباتِ مساعديهِ اليمينيين المتشدِدين الإجرامية، رأيناه يحاول إظهار نفسه كالطاووس غير مكترث لكلِ ما تراكم من جرائم موثقة من مختلف المراجع الدولية، غير عابئ بكل ما صدر بحقه من لإدانات ومذكرات توقيف دولية.. لم يكن خطابه هذا العام خطابًا سياسيًا بقدر ما كان استعراضًا للغطرسةِ والانفِصال عن الواقِع، في قاعةٍ شِبه فارِغة، بعد أن غادرها معظم المندوبين احتِجاجًا على حضورِه غير المرغوب فيه.

مع بدء كلمة النتن ياهو، غادر عشرات المندوبين قاعة الجمعية العامة احتجاجًا ورفضً لتبريراتِه وعنترياتِه، في مشهد بدت فيه القاعة فارغة، لم يكن الانسحاب رد فعلٍ تلقائي، بل جاء في سِياقٍ تصعيدي، حيث استبق نتنياهو كلمته بتعبيرٍ استِفزازي إذ قال: «إذا كان هناك أي جبناء أخلاقيين آخرين لم يغادروا هذه القاعة بعد، فالرجاء أن يفعلوا ذلك الآن» بهذا الرد، لم يكتفِ نتنياهو بإنكارِ الاحتِجاج الدولي، بل رد عليهِ باستفزاز مباشر وغير موفق للمجتمع الدولي بأسرِه.. لقد قدِر عدد الوفودِ التي انسحبت بنحو 77 وفدًا، وهذا إن دل على شيء فهو يدِل على مدى العزلةِ الدولية التي أوصل نتنياهو الكيان الصهيوني إليه.

سعى نتنياهو إلى تكريسِ خِطابهِ للدِفاعِ عن الشناعاتِ التي ارتكبها جيشه خلال العملياتِ العسكريةِ الإسرائيليةِ في كل من غزة والضِفة ولبنان وسوريا والعراق واليمن وإيران، رافِضًا الاتِهام بالإبادةِ الجماعِيةِ ونعتها بـ»أكبر كِذبة في هذا القرن». لكن هذا الإنكار لا يمحي الحقائق، كونه يتناقض جذريًا مع الوقائع المثبتةِ من مراجع مختلفة، بما في ذلك مع ما تضمنه خطاب السلطة الفلسطينية الذي ألقاه الرئيس الفلسطيني محمود عباس، والذي أكد أن الشعب الفلسطيني في غزة «يتعرض للقتلِ والدمارِ والتجويعِ ومحاولاتِ التهجير القسري وحربِ إبادةٍ جماعِية».. وحتى الإعلام الإسرائيلي نفسه لم يتردد في وصفِ خِطابِ نتنياهو بأنه «متغطرِس وعدواني ويفتقر إلى الرؤية»، مشيرًا إلى أنه ألقاه «وسط قاعةٍ خاليةٍ من الحضور، وفي أجواءٍ خيمت عليها العِزلة». وأفضل توصيفٍ لخطاب نتنياهو جاء عبر صحيفة «يديعوت أحرونوت» التي اعتبرته يتحدث إلى عالم «لم يعد قادِرًا على الاستِماعِ إليه».

ما كان لكل هذا التغطرس النرجسي أن يستمر لولا الغطاء الأمريكي الذي يحظى به. وفي الوقت الذي تسارِع الإدارة الأميركية إلى فرض عقوبات فوريةٍ على دولٍ أخرى لمجرد صدور تصريحاتٍ بنبرة أقل حِدة، يحظى نتنياهو منها بحصانة أميركيةٍ تجعله فادرٌ على تحدي المجتمعِ الدولي بأسرِه. الغطاء الأميركي لنتنياهو وفريق عمله وللكيان الصهيوني ليس عسكرِيًا فقط، إنما دبلوماسيًا وقضائيًا أيضًا. لقد استخدمت واشنطن حق النقضِ مرارًا في مجلس الأمن لمنعِ أيِ إدانةٍ لإسرائيل وقادتِها، مما حول المجلس من أداةٍ لِحفظِ السِلم والأمن الدوليين إلى مجردِ مِنصةٍ للتعبيرِ عن وجهاتِ النظر، وهذا المجلس الذي لطالما عجِز عن اتخاذ قرارات فعلية لوقف الانتهاكاتِ الإسرائيليةِ الوحشِية. ولا شك في أن الدعم الأمريكي اللامحدود هو ما يجول دون تمكين المجتمع الدولي من معاقبةِ إسرائيلِ ومحاسبة قادرتها على جرائمِهم»، ولا تقف الحِماية الأميركية لإسرائيل على منع خضوعها وقادتها للمساءلة، إنما تمتد لتشكِل عائقًا يحول تطبيق القانونِ الدولي على إسرائيل ويمنع مجلس الأمن من اتخاذ إجراءات رادعة ضدها، كما تعيق قيام المحاكم الدوليةِ بواجباتها من خلال الضغطِ على قضاتها.

ومن مظاهرِ تلك التدخلاتِ التطاول والتهجم الأميركي على محكمتي العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية وقضاتهماـ لإظهارهم الجدية في ملاحقةِ نتنياهو، المطلوب للعدالةِ الدولية بتهم ارتِكابِه ومعاونيه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في غزة، والتلويح بعدم الاعتراف بشرعيةِ المحكمة، وشن هجمات مباشِرةً عليها. ولم تنجح محاولات منعه من الوصولِ إلى نيويورك رغم أنه مطلوبٌ للعدالةِ الدولِية، بينما رفض إعطاء تأشيرة دخول للرئيسِ الفِلسطيني، الأمر الذي اضطره لمخاطبة المجتمع الدولي عن بعد. هذه المفارقة الدبلوماسِية الحادة تعكس انحِيازًا واضِحًا في التعاملِ مع أطرافِ الصِراع، وتكشف كيف أن الغطاء الأمريكي لا يقتصِر على حِمايةِ إسرائيل من المساءلة، بل يمتدً إلى تقويضِ شرعِيةِ المحاكِمِ الدولية ذاتِها.

الغطرسة التي أبداها نتنياهو في نيويورك تغذيها جذورٌ داميةٌ على الأرض. فما فعلته إسرائيل في غزة، من قتل وتدمير وتجويع وتهجير قسري، كررت فعله في لبنان، حيث أقدمت على تجريف أكثر من عشرين قرية بكامِلِها، لإخلاءِ الجنوب من أهله.. وفي سوريا، تواصِل إسرائيل احتِلالها وضرباتِها الجوية.. وفي العراق استهدفت أهدافًا مدنيةً عدة أما في اليمن، وكذلك الأمر في إيران، فيدت دولةً تتصدر قائمةِ الدولِ المارِقةِ من دون منازع. وكل تلك الجرائمِ ارتكِبت في ظل غياب أيةِ مساءلة فعلية، بفضلِ الغطاءِ الأمريكي الذي يمنع أي قرارٍ ملزِمٍ في مجلسِ الأمن.

خطاب نتنياهو أمام الأمم المتحِدةِ على خلاف ما أراده صاحبه، لم يكن عرضًا للقوة، بل كان استِعراضًا لشخصه، إلا أنه كشف حجم العزلةِ التي وصلت إليها إسرائيل جراء سياساتِ اليمين المتطرِفِ فيهاـ قاعة فارغةٌ، وانِسحابٌ جماعي، وعدمِ استِعدادِ معظمِ الوفودِ الدوليةِ لِسماعِه. ويستشف منه أن إسرائيل باتت أكثر عزلةً من أيِ وقتٍ مضى.

ما ينبغي القيام به تجاه إسرائيل، ليس مزيدًا من الإدانات، فسِجلها حافلٌ، بل مساءلةٌ فعليةٌ تكسر حلقة الإفلاتِ من العِقاب. والمساءلة لن تأتي من مجلِسِ الأمن الذي يشله الفيتو، ولا من محكمةٍ دوليةٍ يعاقب قضاتها على أداء واجِبهِم. المساءلة تأتي من إرادةٍ سياسيةٍ دوليةٍ حقيقية، ومن ضغطٍ شعبي لا يتوقف، ومن أدواتٍ اقتصاديةٍ وقانونيةٍ تجبر إسرائيل بغض النظر عمن يتولى زمام الأمور فيها على احترام القانون الدولي. لقد آن الأوان لأن تدرك الدول الراعية أن حِماية إسرائيل من المساءلةِ ليست «دعمًا لحليف»، بل شراكةً في جريمةٍ ضد الإنسانية، وأن سِجلها الإنساني لم يعد يحتمل المزيد من الفظائع.

 وعلى الدول العربية ألا تشغلها اهتماماتها الداخلية عن القضية الفلسطينية التي ستبقى قضيةً عربيةً بامتياز، ولأن المبادرة العربية ليست نصاً جامداً، بل أداة ضغط يجب تفعيلها، لا تجميدها. وفي هذا الإطار عليها إحياء المبادرةِ العربيةِ للسلام، التي أقرت في قمةِ بيروت عام 2002، والتي قامت على مبدأ الأرضِ مقابلِ السلام. وعليها أن تقف داعِمةً للتحالفِ العالمي الذي أطلقته المملكة العربية السعودية لتنفيذِ حلِ الدولتين والقائم على مبدأ الأرضِ مقابلِ السلام، والذي يبقى الإطار الأمثل لتحقيقِ سلامٍ مستدامٍ يخدم الطرفين «الإسرائيلي والفلسطيني.

إن التمسك بالمبادرةِ المشارِ إليها يجب أن يترافق مع خطواتٍ عمليةٍ واضِحة، تلتزم بها جميع الدولِ العربيةِ تتمثل في وقفِ كلِ أشكالِ التطبيعِ مع إسرائيل حتى تقر صراحةً بموافقتِها على حلِ الدولتين، وتجميد أي اتفاقيات ثنائية أو متعدِدةِ الأطرافِ معها، وتحويل الاعتراف الدولي بدولة فلسطين إلى عضويةٍ كاملةٍ في الأمم المتحدة.

ولا بد من التذكيرِ بالدور المحوري لجامعة الدول العربية، التي عليها أن تسخِر كاملِ طاقتها وتبذل ما أمكنها من جهد حفاظًا على وحدة الصف العربي وضمان المصالح العربية المشتركة، وصون الأمن القومي العربي. وبلورةٍ موقف عربيٍ موحدٍ في المحافل الدولية، لدعم صمود الفلسطينيين اقتصادياً وسياسياً.

وأخيرا آن الأوان لأن يعي صانعو القرار في واشنطن أن سياسة التوقيع على شك على بياض لإسرائيل، لم يعد يلقى سكوتًا من الشعب الأميركي الذي أضحى أكثر وعيًا للمشروعِ الصهيوني، هذا الشعب الذي نادى سابقًا بإنهاء الاستعمار لن يرضى أن يكون شريكًا سحقِ الشعبِ الفلسطيني، وتدمير مخيماته وقراه، ولن يرضى أبدًا أن يستمر في توفير الغطاء لكيانٍ سجلة حافل بالانتهاكاتِ ضد الانسانية، ولن يكون حائلًا دون قيام المحاكم الدوليةِ بواجباتها تجاه أحقر المجرمين.

لا بد من التأكيد على أنه مهما حاول قادة إسرائيل تلميع صورتهم أمام المجتمع الدولي، ستبقى هذه الصورة ملطخة بدماء الشعبِ الفلسطيني، الذي تعرض ويتعرض على أيدي الصهاينة، حكامًا ومستوطنين، لأبشع ضروب التنكيل والتعذيب والقهر. وعليهم أن يعوا أن التاريخ لا يمحو الجرائم، بل يدين مرتكبيها.

mm
عن الكاتب العميد الدكتور عادل مشموشي عادل مشموشي محامي وعميد سابق في قوى الأمن الداخلي، حائز على دكتوراه في الحقوق، متخصص في القانون الجزائي لديه مؤلفات عدة: -ضمانات حقوق الخصوم ما قبل المحكمة -ضمانات حقوق الخصوم خلال المحاكمة أمام مختلف المحاكم الجزائية -الإرهاب (مفهومه أسباب ايديولوجياته أطر مكافحته) المخدرات (ماهيتها؟ أنواعها، إساءة التداول بها، أطر مكافحتها) - جرائم المعلوماتية - إدارة الأزمات والكوارث- التخطيط الستراتيجي. لديه عدد من الأبحاث القانونية والأمنية منها: -تببيض الأموال - محاكمة الرؤساء والوزراء -التحقيق الاول - الدفاع المشروع -المسؤولية الجزائية للهيئات المعنوية - جرائم الشخص المعنوي -المحرض -عقوبة الإعدام شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات الإقليمية والدولية ذات العلاقة في شؤون أمنية - قانونية. تولى رئاسة قطعات أمنية تعنى بمكافحة الجرائم المنظمة ومكافحة الفساد•
تبحث عن المزيد؟