الأحد 13 سبتمبر 2026 بيروت
النشرة البريدية
تحليل سياسي واقتصادي معمّق — بيروت
اشترك
13 سبتمبر 2026·بيروت النشرة
الملف الاستراتيجي
الأقسام النشرة
الأرشيف والخدمات
الرئيسيةإقتصاد
إقتصاد

الدولار أمام الإختبار الكبير: هل تتآكل هيمنته في النظام المالي العالمي؟ | بقلم د. رنا منصور

لعقود طويلة، رسخ في وعي المتعاملين في الأسواق الماليّة أنّ الدولار الأميركيّ ليس مجرّد عملة وطنيّة، بل الركيزة النقديّة المركزيّة للنظام الماليّ العالميّ. غير أنّ فحص البُنى التي يستند إليها هذا التفوّق يكشف عن تحديّات متراكمة، لا تأخذ شكل انهيار مفاجئ، بل شكل تآكل تدريجيّ في بعض الركائز التي دعمت مكانته المُهيمنة منذ اتفاقيّة بريتون وودز عام 1944.
فيما يلي تفكيك للعوامل التي تجعل من ضعف الدولار سيناريو وارداً في المدى المنظور، مع التميّيز بين ما تؤكّده البيانات المتاحة وما يبقى تقديراً واجتهاداً.
أولاً: التراجع في التحوّط المؤسّسيّ
من أبرز المؤشّرات القابلة للقياس في هذا السياق سلوك المستثمرين المؤسّسيين الكبار، وتحديداً صناديق التقاعد وشركات التأمين. تُظهر بيانات “بلومبرغ” حتى نهاية حزيران الماضي أنّ نسبة التحوّط من الإنكشاف على العملات الأجنبيّة لدى هذه المؤسسات في اليابان وكندا وتايوان لم تتجاوز 41%، وهي أدنى نسبة مسجّلة منذ عام 2015 على الأقل.
هذا الإنخفاض يعني عمليّاً أنّ جزءاً كبيراً من حائزي الأصول الأميركيّة غير محمي من ضعف الدولار. وإذا قرّرت هذه المؤسسات إعادة بناء تحوّطاتها، فإنّ ذلك يتطلّب بيع الدولار في الأسواق الآجلة. وتُقدّر “بلومبرغ” أنّ زيادة نسب التحوّط بمقدار خمس نقاط مئويّة فقط قد تُترجَم إلى معاملات بيع تقارب 230 مليار دولار- وهو رقم قد يكون كافياً لإحداث ضغط ملموس على سعر الصرف، نظراً لضخامة حجم الحيازات الأجنبيّة من الأصول الأميركيّة.
ثانياً: تراجع تكلفة التحوّط
لم يكن انخفاض نسب التحوّط سلوكاً عشوائيّاً، بل استند إلى منطق اقتصاديّ واضح: حين كانت فجوة أسعار الفائدة بين الدولار والعملات الأخرى واسعة، كان التحوّط مُكلفاً. فقد بلغت تكلفة التحوّط من الدولار لثلاثة أشهر بالنسبة للمستثمرين اليابانيّين ذروتها عند 6% في تشرين الأول 2023، قبل أن تتراجع إلى أدنى مستوى في أربع سنوات عند 2.75%، أي أقلّ من نصف الذروة السابقة. أمّا بالنسبة للمستثمرين المرتبطين باليورو، فانخفضت التكلفة إلى أدنى مستوى في عامَيْن عند 1.32%.
هذا التراجع في التكلفة يُزيل أحد أبرز الحواجز التي كانت تمنع المستثمرين من التحوّط. وحين يبدأ جزء منهم بإعادة بناء تحوّطاتهم، فإنّ بيع الدولار الناتج عن ذلك قد يخلق ضغطاً بيعيّاً إضافيّاً، وهو ما يجعل بعض المحلّلين، مثل “ناثان ثوفت” من “مانولايف”، يصفونه بأنّه “مصدر ثابت لضغوط بيع الدولار” إذا استمر تقلّص فروق الفائدة.
ثالثاً: تساؤلات حول مكانة الدولار كملاذ آمن
إستندت مكانة الدولار كملاذ آمن تاريخيّاً إلى عمق الأسواق الماليّة الأميركيّة وسيولتها، لكنها ارتبطت أيضاً بافتراض استقرار السياسات النقديّة والماليّة الأميركيّة. هذا الإفتراض بات موضع تساؤل مؤخّراً، مع تحرّكات وزير الخزانة الأميركيّ لدعم الين اليابانيّ وكبح عوائد السندات طويلة الأجل، إضافة إلى حالة عدم اليقين المحيطة بموقف رئيس الإحتياطيّ الفيدراليّ الجديد “كيفن وارش” من رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم، في ظل ضغوط من إدارة ترامب لإبقاء تكاليف الإقتراض منخفضة قُبَيْل انتخابات التجديد النصفيّ.
وإذا تراجعت ثقة المستثمرين بقدرة الدولار على الإرتفاع الموثوق خلال فترات ضغوط الأسواق، فقد يجدون أسباباً أقل لقبول انكشاف كبير على العملات دون تحوّط، وهو ما لا يستلزم بالضرورة بيع الأصول الأميركيّة نفسها، بل زيادة التحوّط منها فقط عبر العقود الآجلة.
رابعاً: الحالة اليابانيّة كمؤشّر مبكّر
تُعد اليابان أكبر حائز أجنبيّ لسندات الخزانة الأميركيّة، ما يجعل سلوكها التحوّطيّ مؤشّراً مهمّاً على اتّجاهات الطلب العالميّ على الأصول الأميركيّة. وتُشير تقديرات “دويتشه بنك” إلى أنّ المستثمرين اليابانيّين حوّطوا 41% فقط من مشترياتهم الجديدة من السندات الأجنبيّة في النصف الأول من 2026، مقارنة بـ62% في 2024.
وبحسب “شوكي أوموريّ، كبير استراتيجيّي الدخل الثابت لدى “دويتشه بنك”، فإنّ آخر مرة سُجل فيها هذا المستوى المنخفض من التحوّط كانت عام 2013، حين كان الدولار يدخل موجة صعود استمرت عقداً كاملاً. لكن السياق الاقتصاديّ الحاليّ مختلف: فجوة أسعار الفائدة تتقلّص بدلاً من أن تتّسع، وهو ما يجعل مقارنة الفترتَيْن محدودة الدلالة أكثر ممّا قد يوحي به تشابه الأرقام.
خامساً: عامل الدين العام الأميركيّ
يرتبط ضعف الدولار المُحتمل أيضاً بالوضع الماليّ العام للحكومة الأميركيّة. فقد تجاوز الدين الفدراليّ الأميركيّ عتبة 40 تريليون دولار للمرة الأولى في آب 2026، مقارنة بأقلّ من 20 تريليون دولار قبل عقد واحد فقط، مع استمرار ارتفاع مدفوعات الفائدة على هذا الدين، التي يُتوقّع أن تتجاوز تريليون دولار سنويّاً خلال السنة الماليّة 2026. هذا المستوى من المديونيّة يزيد من اعتماد الولايات المتّحدة على استمرار تدفّق رؤوس الأموال الأجنبيّة لتمويل عجوزاتها، ويجعل أي تراجع في هذا التدفق أكثر تأثيراً على تكاليف الإقتراض الأميركيّة وعلى سعر صرف الدولار في آن واحد.
في الختام، إنّ البيانات المتاحة تدعم فرضيّة أنّ الدولار يواجه ضغوطاً هبوطيّة حقيقيّة، مصدرها الأساسيّ تراجع نسب التحوّط المؤسّسي وانخفاض تكلفته، إلى جانب تساؤلات متجدّدة حول استقلاليّة السياسة النقديّة الأميركيّة وحجم الدين العام. لكن حجم هذه الضغوط وسرعتها يبقيّان مرتبطَيْن بمتغيّرات لم تُحسم بعد، أبرزها مسار أسعار الفائدة الأميركيّة ومدى استقلاليّة القرار النقديّ عن الضغوط السياسيّة. والنتيجة الأقرب، وفق المعطيات الحاليّة، ليست انهياراً مفاجئاً للدولار، بل احتمال تراجع تدريجيّ في مكانته النسبيّة إذا استمرت هذه العوامل مجتمعة.
mm
عن الكاتب د. رنا هاني منصور د. رنا هاني منصور دكتوراه في العلوم الاقتصادية- بنوك وتمويل أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية، كلية العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال- الفرع الأول أمينة سر جمعية الخبراء الماليين عضو في اللجنة العلمية للجمعية اللبنانية لتقدم العلوم عضو في اللجنة الإستشارية لمجلة جويدي للإبتكار والتنمية والإستثمار لها أكثر من 150 مقال في العديد من المواضيع المالية، الاقتصادية، السياسية والاجتماعية
تبحث عن المزيد؟