
تمثل الممرات المائية الحيوية عبر التاريخ “ميزان حرارة” القوة العظمى؛ فبقدر السيطرة عليها، تستقر العملة وتزدهر الإمبراطورية. وكما كانت أزمة قناة السويس عام ١٩٥٦ هي المسمار الأخير في نعش الجنيه الإسترليني كعملة عالمية، يرى محللون أن مضيق هرمز قد يشكل الاختبار الوجودي ذاته للدولار الأمريكي ونفوذه العالمي. وللإحاطة بهذا الموضوع لابد من تحليل جوهر الصراع الجيوسياسي بين “القوة البحرية” (Thalassocracy) و “القوة البرية” (Tellurocracy). حيث تعتبر خسارة المضائق “كابوس” الإمبراطوريات البحرية (مثل بريطانيا سابقاً وأمريكا حالياً)، لان القوة البحرية تعتبر المضائق كـ “نقاط تفتيش” مالية. فالإمبراطورية البحرية لا تسيطر على المضائق (هرمز، ملقا، باب المندب، السويس) عسكرياً فقط، بل تحويلها إلى مراكز مقاصة مالية. بما أن التجارة تمر عبر البحر، فأنت بحاجة لـ “تأمين” بحري، وهذا التأمين يُدفع بالعملة المهيمنة. والسيطرة على المضائق تضمن أن تظل السلع الأساسية (النفط، الغاز، المواد الخام) مسعرة بعملة الإمبراطورية (البترودولار حالياً)، مما يجبر العالم على تخزين هذه العملة. أما “التوافقات البرية” فالالتفاف على القوة البحرية مثل مشروع الحزام والطريق الصيني، أو ممرات التجارة عبر أوراسيا بين روسيا وإيران والهند) تمثل تهديداً وجودياً لأنها تكسر الحصار، إذا تم نقل البضائع عبر السكك الحديدية والأنابيب البرية، تفقد الأساطيل البحرية قدرتها على “خنق” اقتصاد الخصوم عند المضائق. كما يعتمد التبادل بالعملات المحلية في التجارة البرية البينية، حيث لا تحتاج الدول لوسيط بحري أو بنوك مراسلة تعمل بالدولار، مما يسهل استخدام “اليوان” أو “الروبل” أو نظام المقايضة المحلي بين الدول المتجاورة، وهذا ما يسمى بـ “إلغاء الدولرة” (De-dollarization). محور الصراع الآن يدور حول “قلب الأرض” (Heartland) حسب نظرية عالم الجغرافيا “هالفورد ماكيندر”، فإن من يسيطر على “قلب الأرض” (أوراسيا) يسيطر على العالم.
الإستراتيجية الأمريكية تعتمد على تطويق أوراسيا من البحر (Containment) ومنع أي تحالف بري قوي (مثل تحالف روسي-صيني-إيراني). في المقابل الرد البري ببناء ممرات مثل “شمال-جنوب” يربط روسيا بالهند عبر إيران، يهمش دور مضيق جبل طارق وقناة السويس، وبالتالي يقلل الطلب على العملة التي تحمي هذه الممرات. أما الربط بين “هرمز” والعملة، فإذا فقدت أمريكا سطوتها على مضيق هرمز لصالح قوى برية إقليمية، فإن أول ما سينهار هو اتفاقية تسعير النفط بالدولار. بمجرد أن تبدأ الدول النفطية ببيع الطاقة لآسيا بعملات غير الدولار عبر مسارات برية أو عقود ثنائية محمية برياً، سيعود الدولار إلى الداخل الأمريكي مسبباً تضخماً هائلاً، تماماً كما عاد الجنيه الإسترليني لبريطانيا بعد عام ١٩٥٦، فالتجارة البحرية هي “رئة” العملات العالمية، والتوافقات البرية هي “المسار الالتفافي” الذي يسحب الأكسجين من هذه الرئة.
الصراع اليوم في أوكرانيا والشرق الأوسط وبحر الصين الجنوبي هو في الحقيقة صراع لمنع نشوء “كتلة برية” تستغني عن “الشرطي البحري” وعملته. إذ تسعى الدول عبر التكنولوجيا والسكك الحديدية فائقة السرعة على جعل النقل البري منافساً حقيقياً للنقل البحري من حيث التكلفة والجدارة. فالسقوط المالي لبريطانيا إذ لم يكن فشل بريطانيا في الحفاظ على سيطرتها على قناة السويس مجرد انتكاسة عسكرية، بل كان زلزالاً اقتصادياً أطاح بالثقة العالمية في الجنيه الإسترليني سبب انهيار الثقة حي أدرك العالم بعد انسحاب بريطانيا تحت الضغط الأمريكي والسوفيتي أنها لم تعد قوة عظمى قادرة على حماية مصالحها. مما استنزاف الاحتياطيات حيث واجه الجنيه هجمات مضاربة شرسة أثناء الأزمة، ورفضت واشنطن منح قرض من صندوق النقد الدولي لإنقاذ العملة إلا بعد الموافقة على وقف إطلاق النار. فرضت بموجبه أمريكا كإمبراطورية صاعدة التحول للدولار وسرَّعت الأزمة عملية تقاعد الإسترليني كعملة احتياط دولية، حيث هربت الأموال إلى الدولار الذي أصبح المهيمن الجديد. أما مضيق هرمز “السويس” الأمريكية القادمة؟ اليوم، حيث تبرز المقارنة بين الموقعين كاختبار لقدرة الولايات المتحدة على إدارة النظام العالمي القائم على عنق الزجاجة الطاقوي حيث يمر عبر مضيق هرمز حوالي ٢٠٪ من إمدادات النفط العالمية وثلث الغاز الطبيعي المسال.
أي فقدان للسيطرة هنا يعني قفزة جنونية في أسعار الطاقة تؤدي لتضخم عالمي غير مسبوق وهنا تبرز اختبار “القدرة على تحمل الألم، وقد بان ضعف الإمبراطورية المهيمنة بحريا في التوسل الفج لرئيسها بالدول حتى الصغيرة لمساعدته في فتح المضيق حين عجز إسطوله في مواجهة إيران. وهنا ظهرت التساؤلات حول مدى قدرة أمريكا على تحمل كلفة الحرب لحماية هذا الممر، وتهديد مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية حيث يعتمد الدولار بشكل أساسي على “الثقة” وقوة الجيش الأمريكي. إذا عجزت واشنطن عن تأمين المضيق، ستتآكل هذه الثقة، مما يدفع الحلفاء والدائنين للبحث عن بدائل (مثل الذهب أو العملات الرقمية)، تماماً كما حدث مع بريطانيا فالتاريخ يكرر نفسه حيث تتشابه الأزمتان في أن “القوة العظمى” لا تسقط فجأة، بل عندما تُظهر فقدانها السيطرة العسكرية والمالية على أهم مفاصل التجارة العالمية حين فقدت بريطانيا ثقة دائنيها في السويس، وتواجه أمريكا اليوم ذات الخطر في هرمز مع بلوغ ديونها مستويات تاريخية ٣٨ تريليون دولار، كما انسحب حلفاء بريطانيا بعد السويس، فإن عجز أمريكا عن حماية الملاحة قد يؤدي لتفكك منظومة التحالفات الأمنية التي تدعم الدولار، في عام ١٩٥٦، كان السويس “ناقوس الموت” للإمبراطورية البريطانية التي ترد الجميل اليوم لأمريكا التي أزاحتها؛ وفي ٢٠٢٦، قد يكون مضيق هرمز هو اللحظة التي يدرك فيها العالم أن مركز القوة قد انتقل بعيداً عن واشنطن، إن مضيق هرمز ليس مجرد ممر مائي، بل هو “اختبار وجودي”؛ فإذا عجزت أمريكا عن إبقائه مفتوحاً، فإن لحظة السويس الخاصة بها قد تعني نهاية عصر البترودولار وبداية نظام مالي عالمي جديد.

