
تشهد الأسواق العالمية في المرحلة الراهنة موجة جديدة من الضغوط التضخمية، تقودها بشكل أساسي الارتفاعات المتتالية في أسعار الطاقة، وما يرتبط بها من تكاليف إنتاج ونقل متزايدة. ووفق معطيات صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة، فإن أسعار الغذاء العالمية سجلت ارتفاعًا ملحوظًا خلال شهر مارس، مدفوعة بعوامل مركبة أبرزها تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة كلفة الشحن البحري.
هذا الترابط الوثيق بين الطاقة والغذاء يعكس طبيعة النظام الاقتصادي العالمي المعاصر، حيث تتداخل سلاسل الإمداد بشكل يجعل أي صدمة في قطاع واحد تنتقل بسرعة إلى بقية القطاعات.
من الناحية الاقتصادية، تلعب الطاقة دورًا محوريًا في مختلف مراحل إنتاج الغذاء، بدءًا من تشغيل الآلات الزراعية، مرورًا بتصنيع الأسمدة، وصولًا إلى عمليات النقل والتخزين. ويُعد ارتفاع أسعار النفط الخام عاملًا حاسمًا في زيادة كلفة هذه العمليات، ما ينعكس مباشرة على أسعار المنتجات الغذائية النهائية.
كما أن ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي يؤثر بشكل خاص على إنتاج الأسمدة، وهو ما يؤدي إلى تقليص الإنتاج الزراعي أو رفع كلفته، وبالتالي زيادة أسعار المحاصيل الأساسية مثل القمح والذرة.
إلى جانب ذلك، تؤدي الاضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية، خاصة في ممرات الشحن الحيوية، إلى مضاعفة التكاليف اللوجستية. فارتفاع أسعار الوقود البحري، إلى جانب المخاطر الأمنية، يدفع شركات الشحن إلى رفع أسعارها أو تغيير مساراتها، ما يطيل زمن التسليم ويزيد الكلفة. وتُظهر هذه الديناميات كيف أن التضخم في أسعار الغذاء ليس نتيجة عامل واحد، بل هو نتاج تفاعل معقد بين أسواق الطاقة، والنقل، والسياسات التجارية.
اجتماعيًا، يترك هذا الارتفاع في أسعار الغذاء آثارًا عميقة على المجتمعات، خصوصًا في الدول النامية التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد. فزيادة أسعار السلع الأساسية تؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية، وارتفاع معدلات الفقر، وتفاقم انعدام الأمن الغذائي. وتشير دراسات في مجال اقتصاديات التنمية إلى أن الأسر ذات الدخل المحدود تنفق نسبة أكبر من دخلها على الغذاء، ما يجعلها الأكثر تأثرًا بأي ارتفاع في الأسعار.
أما في لبنان، فتتخذ هذه الأزمة أبعادًا أكثر حدة، نظرًا لطبيعة الاقتصاد المعتمد على الاستيراد، والانهيار النقدي المستمر منذ عام 2019. فارتفاع أسعار الطاقة عالميًا ينعكس مباشرة على كلفة الاستيراد، في ظل ضعف العملة المحلية، ما يؤدي إلى تضخم مزدوج: خارجي ناتج عن ارتفاع الأسعار العالمية، وداخلي مرتبط بتدهور سعر الصرف. كما أن ضعف البنية التحتية وارتفاع كلفة النقل الداخلي يزيدان من حدة الأزمة، حيث ترتفع أسعار المواد الغذائية بشكل يفوق المعدلات العالمية.
ويُضاف إلى ذلك البعد الاجتماعي، حيث يعاني جزء كبير من السكان من تراجع حاد في الدخل الحقيقي، ما يجعل الوصول إلى الغذاء الكافي تحديًا يوميًا. وقد أدى ذلك إلى تغيّر في أنماط الاستهلاك، حيث تلجأ الأسر إلى تقليص الكميات أو استبدال المنتجات ذات الجودة العالية بأخرى أقل كلفة، ما قد ينعكس سلبًا على الصحة العامة على المدى الطويل.
في المحصلة، يكشف الارتفاع في أسعار الغذاء العالمية عن هشاشة النظام الاقتصادي العالمي أمام صدمات الطاقة والجغرافيا السياسية. كما يسلّط الضوء على الحاجة إلى سياسات أكثر تكاملًا، تشمل تنويع مصادر الطاقة، وتعزيز الإنتاج المحلي، وتحسين كفاءة سلاسل الإمداد. أما في لبنان، فإن مواجهة هذه التحديات تتطلب إصلاحات بنيوية عميقة، تتجاوز الحلول الظرفية، نحو بناء اقتصاد أكثر resilience وقدرة على الصمود في وجه الأزمات العالمية.




