لبنان على حافة العجز المزدوج: حين تتقاطع الحرب مع الانهيار المالي | كتبت عبير درويش

يشهد لبنان في المرحلة الراهنة واحدة من أعقد الأزمات المالية والاقتصادية في تاريخه الحديث، حيث تتداخل تداعيات الحرب الجارية مع إرث طويل من الاختلالات البنيوية التي تفاقمت منذ بداية الانهيار المالي والنقدي في عام 2019. هذا التداخل لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليشمل أبعادًا اجتماعية ومؤسسية عميقة، ما يضع المالية العامة أمام تحديات غير مسبوقة تهدد الاستقرار الشامل للدولة.
في هذا السياق، تبرز مجددًا ظاهرة «العجز المزدوج»، التي تتمثل في تزامن عجز الموازنة العامة مع عجز الحساب الجاري. وقد شكّلت هذه الظاهرة سمة مزمنة في الاقتصاد اللبناني، وأسهمت بشكل مباشر في هشاشته وانكشافه أمام الصدمات الخارجية. واليوم، ومع تفاقم تداعيات الحرب، تعود هذه المخاطر إلى الواجهة، ولكن في ظروف أكثر تعقيدًا وخطورة.
لقد صيغت موازنة عام 2026 على أساس فرضيات تفاؤلية نسبيًا، استندت إلى استقرار أمني ونقدي مفترض، وإلى توقعات بتحقيق نمو اقتصادي معتدل وانخفاض تدريجي في معدلات التضخم. كما هدفت إلى تحقيق توازن شبه صفري بين الإيرادات والنفقات، مع تسجيل فائض أولي بنسبة 2% من الناتج المحلي الإجمالي. غير أن هذه المقاربة اتسمت بغياب واضح لآليات التحوط وإدارة المخاطر، إذ لم تأخذ في الحسبان احتمالية وقوع صدمات كبرى، مثل الحرب الحالية، ما جعلها عرضة للاهتزاز السريع.
وقد أدت الحرب إلى انكماش اقتصادي حاد انعكس مباشرة على الإيرادات العامة، حيث تراجعت بشكل ملحوظ نتيجة انخفاض النشاط الاقتصادي، وتراجع التحصيل الضريبي، خصوصًا في ما يتعلق بالرسوم الجمركية وضريبة القيمة المضافة وإيرادات قطاع الاتصالات. وتشير التقديرات إلى خسائر يومية تقارب مليون دولار، وهو ما يشكل ضغطًا كبيرًا على الخزينة العامة. كما أن الإجراءات الحكومية، مثل تعليق مهل التسديد ومنح إعفاءات ضريبية للمتضررين، رغم ضرورتها الاجتماعية، ساهمت في تعميق فجوة الإيرادات.
في المقابل، تتزايد الضغوط على جانب النفقات العامة، في ظل الحاجة الملحة لتمويل عمليات إعادة الإعمار وتعويض الأضرار الناجمة عن الحرب، وهي نفقات لم تُدرج بشكل كافٍ في الموازنة. إلى جانب ذلك، تواجه الدولة التزامات مالية متراكمة، تشمل استحقاقات الدين الخارجي، وأعباء قطاع الطاقة، ومتطلبات إعادة رسملة المصرف المركزي. كما أدت الزيادات في أجور القطاع العام، التي جاءت استجابة لضغوط اجتماعية، إلى رفع مستوى الإنفاق، خاصة وأن تمويلها اعتمد جزئيًا على ضرائب ذات أثر تضخمي، ما يفاقم من تآكل القدرة الشرائية للمواطنين.
ولا تقتصر الأزمة على الأبعاد المالية المباشرة، بل تتعزز أيضًا بعوامل مؤسسية، أبرزها ضعف الإدارة العامة وارتفاع معدلات الشغور الوظيفي، لا سيما في المواقع القيادية. وقد أدى ذلك إلى تراجع كفاءة تنفيذ السياسات العامة، وانخفاض فعالية الجباية الضريبية، خاصة في المناطق الأكثر تضررًا من الحرب، والتي تشكل بدورها ركيزة أساسية للنشاط الاقتصادي.
ومن جهة أخرى، يثير لجوء الحكومة إلى التمويل عبر الاستدانة خارج إطار الموازنة مخاوف جدية بشأن الاستدامة المالية. فعلى الرغم من أن هذا الخيار قد يكون مبررًا في ظل الظروف الطارئة، إلا أنه يؤدي إلى زيادة الدين العام وتعميق الاعتماد على القروض كوسيلة لتحفيز الاقتصاد، في غياب إصلاحات هيكلية حقيقية تعالج جذور الأزمة.
إن مجمل هذه المؤشرات يعكس تحولًا محتملًا في مسار المالية العامة من فائض أولي متوقع إلى عجز فعلي، في وقت يستمر فيه العجز في الحساب الجاري، ما يعيد إنتاج نموذج العجز المزدوج بكل تداعياته السلبية. ولا تقتصر هذه التداعيات على المؤشرات الاقتصادية، بل تمتد لتطال الاستقرار الاجتماعي، مع ازدياد معدلات الفقر والبطالة وتراجع الخدمات العامة.
ختامًا، يظهر بوضوح أن معالجة هذه الأزمة لا يمكن أن تقتصر على سياسات مالية قصيرة الأجل، بل تتطلب مقاربة شاملة ترتكز على إصلاحات بنيوية عميقة، تشمل إعادة هيكلة الدين العام، وتعزيز كفاءة الإدارة العامة، وتطوير النظام الضريبي، إلى جانب تبني سياسات اقتصادية تأخذ في الاعتبار واقع عدم الاستقرار والنزاعات. فبدون هذه الإصلاحات، يبقى لبنان عرضة لتكرار أزماته، في حلقة مفرغة من الانهيار والتعافي الهش.




