
في كل مرحلة من مراحل التاريخ تظهر شخصيات وأفكار تخرج عن المألوف ، لا لأنها تبحث عن الشهرة أو الإثارة ، وإنما لأنها تمتلك الجرأة على مساءلة المسلمات التي اعتاد الناس التعامل معها بوصفها حقائق نهائية لا تقبل النقاش .
وتكون قيمة هذه الظواهر الفكرية في كثير من الأحيان أكبر من قيمة النتائج التي تنتهي إليها لأنها تحرك
المياه الراكدة ، وتوقظ العقل من سباته ، وتعيد فتح أبواب الاجتهاد التي أوصدتها العادة أو الخوف أو سلطان النموذج السائد .
ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى ظاهرتي الدكتور نايف بن نهار والدكتور ضياء العوضي بوصفهما نموذجين مختلفين في المجال والتخصص ، ولكنهما يلتقيان في نقطة جوهرية تتمثل في الجرأة على إعادة طرح الأسئلة الكبرى ، والتمرد على حالة الاستسلام الفكري التي أصبحت سمة بارزة في كثير من مجتمعاتنا العربية والإسلامية .
لقد جاء نايف بن نهار من بوابة الفكر والنقد الحضاري وأسئلة الهوية والمعرفة ، بينما جاء ضياء العوضي من بوابة الطب والتغذية والصحة العامة .
لكن كليهما انطلق من ملاحظة واحدة مفادها أن كثيراً مما نتعامل معه اليوم باعتباره حقائق نهائية أو مناهج مكتملة إنما هو في الحقيقة اجتهادات بشرية قابلة للنقد والمراجعة والتصويب .
فعلى امتداد العقود الماضية ترسخت في العالم العربي حالة من التسليم شبه المطلق بمخرجات النموذج الغربي المعاصر ، ليس فقط في العلوم الطبيعية والتقنية ، وإنما كذلك في الفلسفة والاجتماع والسياسة والاقتصاد وأنماط الحياة .
وتحول كثير من النخب إلى مجرد وسطاء ينقلون ما ينتجه الآخرون ، بدلاً من أن يكونوا شركاء في إنتاج المعرفة أو مراجعة منطلقاتها ومآلاتها .
والعجيب أن بعض الناقلين والمقلدين الرافضين للاجتهاد والتجديد أشد تمسكاً ودفاعاً عن تلك المنقولات من أهلها الذين أنتجوها ، وباستماتة مدهشة .
وفي هذا السياق برز نايف بن نهار داعياً إلى إعادة النظر في كثير من المفاهيم المؤسسة للوعي الحديث ، ومساءلة المرجعيات الفلسفية والحضارية التي تشكل رؤيتنا للإنسان والدين والتاريخ والمجتمع .
لم يكن مشروعه دعوة إلى القطيعة مع العالم أو الانغلاق على الذات ، وإنما دعوة إلى التحرر من التبعية الفكرية والانقياد الأعمى ، واستعادة حق الأمة في النظر والاجتهاد وإنتاج المعرفة من داخل منظومتها القيمية والحضارية .
أما ضياء العوضي فقد خاض معركته في ميدان مختلف ، حين دعا إلى مراجعة كثير من المسلمات المتعلقة بالغذاء والصحة وأنماط المعيشة الحديثة ، وأعاد فتح أسئلة ظن كثيرون أنها حسمت نهائياً .
وقد اتفق معه البعض واختلف معه آخرون ، لكن الأثر الأهم الذي أحدثه يتمثل في تحفيز الناس على التفكير ، والخروج من حالة التلقي السلبي ، والبحث عن العلاقة بين الفطرة والصحة وأسلوب الحياة .
وليس المقصود هنا الحكم بصحة جميع الأطروحات أو تبني كل ما قيل في هذا السياق ، فذلك شأن يقرره الدليل والبحث العلمي والنقاش الموضوعي .
وإنما المقصود الإشارة إلى قيمة أعمق تتمثل في إعادة الاعتبار لفكرة الاجتهاد نفسها ، وفي كسر الاحتكار الذي تمارسه أحياناً بعض المؤسسات أو النخب على حق التفكير وإنتاج الرأي .
فالمجتمعات الحية لا تتقدم عبر الإجماع المصطنع ، ولا عبر إغلاق أبواب النقاش ، وإنما تتقدم عندما تتعدد الاجتهادات وتتنافس الأفكار وتتلاقح الرؤى .
وما دام النقاش منضبطاً بأدب الحوار ومنهج العلم واحترام الحقائق ، فإنه يمثل مصدر قوة لا مصدر تهديد .
ولعل الخطأ الذي وقعت فيه أمتنا خلال العقود الأخيرة أنها تأرجحت بين نوعين من التقليد؛ تقليد الماضي دون تجديد ، وتقليد الحاضر الغربي دون نقد .
وفي الحالتين غاب العقل المنتج ، وحضر العقل المستهلك .
فأصبحنا نستورد النظريات كما نستورد السلع ، ونستعير الحلول كما نستعير الأدوات ، دون أن نسأل أنفسنا : هل هذه الحلول صالحة لواقعنا ؟ وهل تعبر عن احتياجاتنا ؟ وهل تنطلق من منظومتنا القيمية والثقافية ؟
إن مجتمعاتنا العربية والإسلامية ليست في حاجة إلى مزيد من الحفظ والتلقين ، بقدر حاجتها إلى مزيد من العقول الحرة والمجتهدة والباحثة عن حلول أصيلة وفعالة تتناسب مع ظروفها وتحدياتها الخاصة .
فمشكلاتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لا يمكن أن تُحل دائماً عبر وصفات جاهزة صُنعت لبيئات أخرى وتجارب أخرى .
وما نجح في الغرب ليس بالضرورة صالحاً لكل زمان ومكان ، كما أن ما نجح في الشرق ليس قدراً محتوماً على بقية الأمم .
لقد أرهقت أمتنا لعقود طويلة موجات من الاستيراد الفكري والسياسي والاقتصادي ، مرة باسم الليبرالية ، ومرة باسم الاشتراكية ، ومرة باسم العولمة ، ومرة باسم الحداثة وما بعدها .
وفي كل مرة كان يُطلب منها أن تتخلى عن خصوصيتها لتلتحق بقطار الآخرين .
لكن النتيجة لم تكن نهضة حقيقية ، بل مزيداً من التبعية والارتباك وفقدان الثقة بالذات .
والحقيقة أن هذه الأمة ليست أمة هامشية في التاريخ حتى تعيش على موائد الآخرين الفكرية والحضارية .
إنها أمة تملك من الطاقات البشرية والموارد المعرفية والرصيد الحضاري ما يؤهلها لتكون شريكاً في صناعة المستقبل لا مجرد متفرج عليه .
وهي أمة شرفها الله تعالى بحمل رسالة عالمية ، ووصفها بأنها خير أمة أخرجت للناس ، وجعل بين يديها كتاباً هو خاتم الكتب السماوية ، وأرسل إليها نبياً هو خاتم الأنبياء والمرسلين ، بما يحمله ذلك من مسؤولية حضارية وأخلاقية تجاه الإنسان والكون والحياة .
ومن هنا فإن استعادة روح الاجتهاد والإبداع ليست ترفاً فكرياً ، وإنما ضرورة وجودية وحضارية .
ولعل تاريخ هذه الأمة يقدم البرهان العملي على هذه الحقيقة ، فحين كانت أبواب الاجتهاد مفتوحة ، لم يكتف المسلمون بحفظ ما أنتجه غيرهم من الأمم أو ترجمة علوم السابقين ، بل انطلقوا إلى آفاق أرحب من الإبداع والإضافة والتجديد .
ففي الطب برز الرازي وابن سينا والزهراوي وابن النفيس ، وفي الرياضيات والفلك لمع الخوارزمي والبتاني والبيروني والطوسي ، وفي الكيمياء وضع جابر بن حيان أسس المنهج التجريبي ، بينما أحدث ابن الهيثم ثورة معرفية في علم البصريات ومنهج البحث العلمي ، وقدم الإدريسي في الجغرافيا ، وابن خلدون في العمران والاجتماع ، وكذلك برز ابن رشد والغزالي في الفلسفة والفكر واصول المعرفة اسهامات سبقت عصرها وما زالت محل تقدير ودراسة حتى يومنا هذا .
ولم يكن سر هؤلاء أنهم أحسنوا تقليد من سبقهم ، وإنما أنهم امتلكوا الجرأة على السؤال والبحث والتجريب والمراجعة ، فكانوا منتجين للمعرفة لا مجرد ناقلين لها ، وصناعاً للحضارة لا مجرد متفرجين عليها .
ومن اللافت أن معظم هؤلاء الأعلام لم يكونوا أسرى لتخصص ضيق أو أفق محدود ، بل جمعوا بين علوم متعددة وتحركوا بثقة بين العقل والوحي ، وبين النظر والتجربة ، وبين الأصالة والانفتاح على العالم .
ولذلك لم تدخل أسماؤهم سجل الخلود لأنهم أحسنوا التلقي ، وإنما لأنهم أحسنوا الاجتهاد والإبداع وأضافوا إلى الرصيد الإنساني ما جعل الحضارة الإسلامية شريكاً أصيلاً في صناعة التاريخ الإنساني لا تابعاً له .
ولعل المتأمل في تاريخ الحضارة الإسلامية يلاحظ أن أعظم عصور الإبداع لم تكن عصور الإجماع الجامد ، وإنما عصور التنوع والاجتهاد وتعدد المدارس الفكرية والعلمية .
ففي تلك الأزمنة لم يكن العلماء يخشون مراجعة المألوف ، ولم تكن الأسئلة الجديدة تُقابل بالمصادرة أو الاتهام ، بل كانت تُستقبل بالنقاش والاختبار والتمحيص .
ومن رحم ذلك المناخ ولدت المدارس الفقهية ، وتطورت علوم الطب والفلك والرياضيات والعمران ، وأسهم المسلمون في بناء واحدة من أعظم التجارب الحضارية في التاريخ الإنساني .
وإذا كان بعض المفكرين في العصر الحديث قد تحدثوا عن نهاية التاريخ وعن النموذج الإنساني الأخير ، فإن أمتنا تملك من المقومات الروحية والأخلاقية والمعرفية ما يجعلها قادرة على تقديم نموذج إنساني أكثر توازناً وعدلاً وإنسانية ؛ نموذج يجمع بين العقل والوحي ، وبين الحرية والمسؤولية ، وبين التقدم المادي والسمو الأخلاقي ، وبين حقوق الفرد ومصالح الجماعة .
لهذا فإن ظواهر مثل نايف بن نهار وضياء العوضي ، مهما اختلف الناس حولها ، ينبغي ألا تُقابل بالتخوين أو المصادرة أو الحجر الفكري ، كما لا ينبغي أن تُرفع فوق النقد والمراجعة .
فالطريق الصحيح هو الحوار، والنقاش ، والاحتكام إلى البرهان والحجة والدليل .
فالأفكار لا تُهزم بالقمع ، ولا تنتصر بالضجيج ، وإنما تتقدم أو تتراجع بقدر ما تملكه من قوة الإقناع وقدرتها على الصمود أمام الاختبار .
إن النهضة التي تنتظرها أمتنا لن يصنعها المقلدون ، وإنما يصنعها المجتهدون .
ولن تبدأ من تكرار الإجابات القديمة أو استيراد الإجابات الجاهزة ، وإنما من امتلاك الشجاعة لطرح الأسئلة الصحيحة ، والثقة في قدرة هذه الأمة على أن تفكر بنفسها ، وتجتهد لنفسها ، وتنتج حلولها بنفسها ، وتسهم من جديد في إثراء الحضارة الإنسانية كما فعلت في أزهى عصورها .
وحين تستعيد الأمة هذه الثقة ، وتفتح أبواب الاجتهاد والإبداع أمام أبنائها ، فلن تكون مجرد تابع في ذيل الأمم ، بل ستعود إلى موقعها الطبيعي شريكاً في صناعة التاريخ ، ومسهماً فاعلاً في رسم مستقبل الإنسانية .




