لبنانُ بلا سلطة… حينَ يفقدُ الحكمُ معناه | بقلم د. مهى محمّد مراد

في لبنانَ اليوم، لم تعُدِ الأزمةُ مجرّد تعثّر عابر في عمل الدولة، بل تحوّلت إلى حالة عميقة من التفكّك طالت مفهوم السلطة نفسه، فالسلطة، التي يُفترض أن تنظّمَ الحياة العامّة وتحمي حقوقَ المواطنين، باتت كيانًا هشًا محدودَ الفاعلية، وعاجزًا عن أداء أبسط وظائفه، من هنا يبرز سؤالٌ جوهريّ: هل ما يزالُ في لبنانَ ما يمكنُ تسميتُه سلطةً بالمعنى الحقيقيّ للكلمة؟
في الواقع، تتجلّى هذه الأزمة أولًا في تآكل مصادر الشرعية، فالسّلطة تستمدّ مشروعيّتها من الشعب، ومن قدرتها على تمثيل إرادته وتحقيق مصالحه، غير أنّ الواقع اللبنانيّ يكشفُ عن فجوة متزايدة بين الحاكم والمحكوم، حيث تراجعت الثقة إلى أدنى مستوياتها، وباتت القرارات تُتَخذُ بعيداً من هموم الناس وتطلعاتهم، وبالتالي، ومعَ غياب هذه الشرعية، تفقد السلطة أحدَ أهمّ أعمدتها.
وإلى جانب ذلك، تبدو السلطة السياسية اليوم مقيّدة بتوازنات داخلية وخارجية تحدّ من قدرتها على التحرّك، فهي تفتقر إلى المبادرة، وتعجز عن اتخاذ قراراتٍ حاسمة أو تنفيذ إصلاحاتٍ جذرية، ما يجعلها أقرب إلى إدارة أزمة مفتوحة بدل أن تكون أداة لإنتاج الحلول. هذا الجمودُ لا يوقف الانهيار، بل على العكس، يساهم في تعميقه.
أمّا على صعيد الخدمات، فقد بلغ التراجعُ مستوىً يمسّ أبسط حقوق الإنسان، فالدولة التي يُفترض أن تؤمّن الكهرباء والمياه والرعاية الصحية والتعليم، باتت عاجزة عن توفير هذه الأساسيات، ولا يعكسُ هذا الواقع ضعف الأداء فقط، بل يكشف عن خلل بنيوي في وظيفة السلطة نفسها، التي لم تعدْ تؤدّي دورها كضامن للكرامة الإنسانية.
وفي ظلّ هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم السلطة السياسية، فالسلطة ليست مجرّد موقع نفوذ، بل مسؤولية تقوم على أسس واضحة: العدالة بوصفها ضمانة للمساواة، والعقل في اتخاذ القرارات، والتخطيط الاستراتيجي لبناء المستقبل، إلى جانب رؤية شاملة ترسم معالم الدولة المنشودة، ومن دون هذه المقوّمات، تتحوّل السلطة إلى عبء بدل أن تكون أداة بناء.
غيرَ أن استعادة هذا الدور لا تتحقّق عبر الشعارات، بل من خلال مسار إصلاحيّ متكامل، ويبدأ ذلك بإصلاح سياسي يعزّز الشفافية والمساءلة ويعيد الثقة بين الدولة والمواطن، يليه إصلاح أمني يرسّخ الاستقرار ويؤكد سيادة القانون.
ومن جهة أخرى، يشكّل استقلال القضاء ركيزة أساسية لأيّ تغيير فعليّ، إذ يتيح محاسبة الفاسدين واستعادة الحقوق. وأمّا على المستوى الاقتصادي، فلا بدّ من اعتماد سياسات تعالج جذور الأزمة وتعيد بناء الاقتصاد على أسس مستدامة، بعيدًا من الهدر والفساد.
ولا يكتمل هذا المسار من دون بُعد اجتماعي وتوعوي يعزّز وعيَ المواطنين بدورهم في المساءلة والمشاركة في الشأن العام، بما يرسّخ ثقافة الدولة ويواكب عملية الإصلاح.
في المحصلة، ما يعيشه لبنانُ ليس قدرًا محتومًا، بل نتيجة خِياراتٍ يمكنُ تغييرها، غير أنّ هذا التغيير يتطلّب إرادة حقيقيّة تُعيد الاعتبارَ لمفهوم السلطة كخدمة عامّة لا كامتياز. وحدها سلطة قائمة على الشرعية، ملتزمة بالعدالة، ومسلّحة برؤية واضحة، قادرة على انتشال البلاد من أزماته ووضعه على طريق التعافي.


