١.٤٥٢ كيلومتر مربع | بقلم د. بولا الخوري

العام الأول لبدء دراستي الجامعية عام 1979 شاركت في أول رحلة لي للجنوب اللبناني مع اتحاد الشباب الديموقراطي التابع للحزب الشيوعي. وكان هدف الرحلة سياحي ونضالي في آن تبعاً لانتماء الجهة المنظّمة. أما أنا فكان دافعي أن أرى بأم عينيّ ما اسمعه من مختلف التيارات السياسية اليسارية والإسلامية، عن الحرمان الذي يعاني منه الجنوب وأهله وإن استخدمت كل منها تعابير وتحليلات مختلفة للتعبير عنه.
كان ذلك في أول فصل الربيع، وما أن تخطينا مدينة صيدا ودخلنا عمق الجنوب حتى بدأت أتلفّت يمنة ويسرة بنظرات تملأها المفاجأة بل الذهول، فما رأيته لم يتوافق أبداً مع تصوراتي عن المنطقة “المحرومة” وأهلها “المحرومين”. جمال الهضبات الخضراء المنثورة بالزهور وكأنها لوحات فنية، نظافة الطرقات، البيوت القروية التي تشبه بعمارتها المتنوعة أي بيوت أخرى في لبنان والناس الذي يتجولون أو يعملون حولها وفي الأسواق والمتاجر، يبدون هانئين، حيويين وباسمين لا يوحون بأي شعور بالحرمان. وكنت كلما تقدم الباص الذي يقلنا في طريقه كلما شعرت بأنني أطير على سجادة سحرية بين بحر يرطب الأجواء حولي وسماء تنثر الورود فوق رأسي.
كان مطاف رحلتنا قلعة الشقيف التي اكتشفت مسحورة جمالها وأبهتها. وقفنا أمامها ننظر من علو الى السهول والمزارع والناس المتناثرين هنا وهناك والمواشي ومجرى نهر الليطاني. من أروع ما يمكن أن تشاهده العين يغلّفه صمت جليل لا تقطعه إلا زقزقة العصافير، وأصوات كأنها ثرثارات تأتينا من بعيد، من الحجر من الشجر من البشر، وحتى من السيارات فلا توتر هدوءنا ولا شعورنا بالهناء المطلق، بل تشي لنا بنبض الحياة في هذا المكان السحري الذي يبدو خارج الحياة، فوق الحياة.
تذكرت الرحلة وكل هذه المشاهد مع بدء الاعتداء الإسرائيلي الحالي على الجنوب وفي فصل الربيع بالذات، فتهاوت في ذاكرتي ذكرى الحلم الساحر، ذبلت الزهور والورود، زمجر البحر، اكفهرّت السماء وعبقت بغيوم سوداء، محي البشر والمواشي وهربت العصافير. رأيت ذلك بمشهد واحد وخاطف، وكأنه أتى لينتزع بعنفه المفاجئ تلك الذكرى بالغة الرقة التي حفظتها عن زيارتي الأولى.
لم تنجح أي من الاجتياحات الإسرائيلية السابقة على فظاعاتها بتوليد هذا الشعور لدي، هل لإن هذا الاجتياح أتى بعد ما جرى في غزة؟ بالتأكيد. لا أنسى صورة تلك المرأة الغزاوية التي جلست القرفصاء في أرض ترابية غارسة يديها في التربة وكأنها تزرع جذورها عميقاً في الأرض حتى لا تعود قادرة على الرحيل إن أرادت ذلك أو أجبرت عليه، فيما تتقدمها حشود من البشر تسير تائهة، وقد أجبرت مراراً وتكراراً على ترك بيوتها وقراها ومدنها، متنقلة بين شرق القطاع وغربه، بين شماله وجنوبه وبالعكس، بلا هوادة، بلا رحمة!
أصبح الجنوب وقبله غزة أثراً بعد عين، لماذا هذا القدر من الكراهية والحقد على الجمال والهناء وبساطة العيش برغم “الحرمان”؟ وكيف يريد الغازي هناء وجمالاً في عيشته وهو يدمّر كل ما هو هناء وجمال حوله وأينما عبر؟
اقتلع من الجنوب أهله، دمّرت بيوتهم وقتلت مواشيهم وحيواناتهم الأليفة وشرّدت. أحرقت مزارعهم وأشجارهم. سويت الأرض بقلاعهم وآثارهم. ولعل الأخطر، بعد قتل الآلاف منهم، هو تدمير النسيج الاجتماعي لحيواتهم، لذاكرتهم وأغراض ذاكرتهم، لعاداتهم وطقوسهم وسهراتهم وما لا يعدّ ولا يحصى من تفاصيل حياتهم العادية.
كتب هؤلاء، وخاصة النساء منهم، نصوصاً مؤثرة وبشاعرية رقيقة ومؤلمة عن الذي ضاع من هذه الأرض الحلوة، اختلطت فيها ذكريات خسارة البشر بالحجر، وخسارة الأرض بترابها ومواشيها، وخسارة الزرع بخضاره ووروده وزهوره. أجرت ذاكرتهم إحصاء حيًاً بهذه الخسائر استحال مثيله، لأنه يجمع بين الأغراض، وصورها في الذاكرة والمشاعر التي تستحضرها. فاستذكروا في الحجر يد الجد ورائحتها، وفي البهو جمعتهم حول الجدة وخبرياتها، وفي الحقل خضرة ودجاج ومواش وقطة تنعس في فيئ شجرة، وأولاد وأمهم منحنون لقطاف الخضار لتحضير مائدة الطعام، تلك الذريعة للّقاءات الحلوة والفرح العارم بالدردشة مع الأهل والجيران والأصحاب.
نخطئ نحن اللبنانيين ما لم نر في ضياع هذه “القطعة من السما” خسارة لنا ولأرضنا. يكفي لذلك ألا نعاند وألا نضع تحليلاتنا السياسية حجاباً أمام رؤيتنا وسمعنا وذاكرتنا. فنرى حينها الخسارة بعين أحاسيسنا، وذكرياتنا، بمشاهد قرانا، بعاداتنا وطقوسنا، بجمعاتنا في بيوت أجدادنا وجداتنا، وبسكون حقولنا ورتابة أشعة الشمس على هضابنا وكسل مواشينا في المراعي.
نحن جميعاً صنعنا الجنوب كما صنعنا كل قطعة من لبنان على صورتنا ونمط حياتنا، وإن عدنا ودمرّنا الكثير مما صنعناه، ودعينا القريب والبعيد لعوننا في هذا الدمار ولسنوات طوال وعجاف. وندمنا. وصرخنا بذلك عالياً عام 2019. لا يحق لنا الآن أن ننسى تلك الصرخة الجهورية التي ما علت يوماً بهذه القوة من حناجرنا.
لقد فقدنا هيبتنا وهيبة دولتنا ووطننا بفعل الاعتداءات المتواصلة والتدخلات المتعددة من القريبين والبعيدين، ولم نعد نملك حرية قرارنا منذ زمن بعيد، حيث آثرنا على الدوام خلافاتنا الطائفية على مصالحنا العليا. فها هي أميركا تفاوض مع إيران على الجنوب وعلى لبنان وهو شبه غائب، وباعتباره ورقة بين أوراق ملفاتهما العالقة. علينا أن نستفيق الآن بسبب طول عذابنا وضحايانا جيلاً بعد جيل، ولحجم الدمار والخسائر، فلا نجعل خلافاتنا الطائفية نفسها عائقاً أمام دورنا الرئيسي في المفاوضة عن مصير بلدنا وجنوبه.
فحال الجنوب يعنينا كلنا، فلا “بيئة” للحزب فيه يُفترض أنها شيعية، فالشيعة مشارب ومواقف تكفي قراءة وسماع العديد منهم على وسائل التواصل الاجتماعي اليوم ومنذ سنوات، للتأكد من ذلك ولجرأة التعبير عنها حين تعارض الحزب، وهم الذين عانوا أكثر من غيرهم من سلطة هذا الحزب وصلف أفعاله بحقهم. وكثير منهم كانوا أول من أدان افتعال الحزب للحرب الأخيرة.
ما لم يصبح الجنوب قضية وطن، ساد خطاب هذا الحزب بأن الجنوب هو ملكه وبأنه هو الوكيل الوحيد لمقاومة العدوان عليه. وقد عمل منذ نشأته على اغتيال وطرد المقاومين الوطنيين والعلمانيين الذي بدأوا بالمقاومة قبله وحققوا انتصارات ودفعوا ثمنها تضحيات.
أذكر تلك السيدة الشيعية الجنوبية التي أخبرتني عن عمّها الذي أطلق رصاصة في قدم إبنه كي يمنع الحزب من تجنيده في حرب سوريا بعد أن خسر إبنه الأول فيها. قصص كثيرة من هذا النوع نسمعها من شيعة الجنوب الذين يبدون محابين للحزب في مواقفهم المعلنة. نسمعها نحن الذين يعرفوننا غير طائفيين ويخفونها عن الآخرين حفظاً لكرامتهم إزاء الاستفزازات الطائفية والمهينة لهم بغير حق أو مبرر. إنها اللغة المزدوجة نفسها التي يحترفها أبناء الطوائف الأخرى أيضاً والتي تؤبد الحروب المتمادية عندنا منذ أكثر من نصف قرن. أما حان الوقت لننهي هذه الألعاب الجهنمية؟ وقد “رحنا فيها بهدلة” هذه المرة، فيما الوضع مرشّح للمزيد من الانحدار.
الجنوب مسيحي أيضاً وللمسيحين تاريخ فيه منذ ظهور دينهم، وهو سني ومزارع شبعا لا تزال تحت الاحتلال، وهو درزي كذلك. والكل يقاوم الاحتلال اليوم لو بمجرد بقائه في أرضه، وقاوم الاحتلالات السابقة حتى في صفوف الحزب، ما تعذر عليه سبيلاً آخر، فيما استشهد العديد من هؤلاء بالقصف أو بالاغتيال ومنهم حتى رجال دين.
هؤلاء معنيون بالجنوب حكماً. فكيف يعبر المسيحي والسني والدرزي براحة بال الى قريته وبيته (“بيتنا بالضيعة”) وسط كل هذا الدمار؟ كيف يعبر وهو الذي كان مشواره عبر الجنوب الحلو جزء من متعة عودته للقرية؟ وهل يكفي أن يقول لأولاده إن سألوه يوماً عما جرى: الحق على الحزب أو على إسرائيل أو على إيران أو على ثلاثتهم معاً. ماذا فعلت أنت إذن، بما يجيب إن سألوه؟ وهذا نوع الأسئلة التي طرحها الشباب أثناء انتفاضة 2019 وخجل الأهل منها وعصت عليهم الإجابة.
ألم يحن الوقت لنستعيد الجنوب لنا؟ وإن استحال علينا أن نفعل شيئاً الآن فلنبدأ أقله بالكلام العاقل والموزون عن حقنا جميعاً بأرضنا، عن حقنا بالـ ١.٤٥٢كيلومتر مربع مساحة كاملة للبنان، فلا نفرّط بأي شبر منها. لنبدأ أولاً بمعاونة الكثيرين من اللبنانيين من طوائف ومناطق مختلفة الذين يستقبلون النازحين في بيوتهم وقراهم ومدنهم ويتضامنون معهم بمختلف الأشكال برغم تهديدات إسرائيل. فهؤلاء يعبّرون عن الوجه الحقيقي للبناني الشهم والمضياف والانساني.
نحن أحرار أن نحلّل كما نريد، ونتخذ المواقف التي نريد ونجادل كما نريد ومع من نريد، وحبذا باحترام لرأي الآخر، بالتعاطف والتضامن أيضاً إن أمكن. وإن تعذّر ذلك فلا حيلة فالكل حرّ بمشاعره ومواقفه شرط الا يؤذي أو يهين أو يخرّب. لكن خسارة الجنوب وتدميره هي خسارة لبلد ولنمط عيش بنيناه منذ عقود. نعرف بقرارة نفسها إننا أينما تجولنا في لبنان نحن في أرض وطبيعة وبشر نتماهى معهم ويحسدنا عليهم العرب والأعاجم، ونعرف بل نتباهى أنهم ما حلّوا في أرضنا رغبوا بالبقاء فيها للعمر.
تتحارب إسرائيل وإيران في جنوب لبنان اليوم، أصبح الأمر معروفاً ومقالاً ومكتوباً ولو دفع الثمن أهل الجنوب وشبابه. فهذه ليست كحرب 2006 التي إن خاضها حزب الله بمفرده وانتصر فيها فأنقذ الجنوب وأهله، بثمن غالٍ بالتأكيد لكن مشرّف للحزب ولأهل الجنوب.
ما الداعي إذن لإنقاذ هذا الجنوب المعذّب مراراً وتكراراً؟ يقول الحزب ومؤيديه بسبب العدوان والطمع الإسرائيليين الدائمين. حسناً هذا تحليل سليم. لكن السؤال اليوم كيف نسعى بكل السبل المتوفرة لنا لربح هذه الحرب بصورة نهائية بما يصون كرامتنا وكرامة وطننا ويزود عن سفك الدماء المتواصل؟ كيف ننقذ الجنوب ولبنان بما أتيح لنا من دعم دولي، ومقاومة، ورجاحة عقل في التفاوض في وجه قوة باطشة ويائسة، تقارب القرن من وجودها في أرض وبقاع عجزت أن توفر أسباب العيش في حناياها بسلام. وذلك بالرغم من كل مبادرات العرب السلمية، والتي قال فيها المقاومون، أكانوا علمانيين أم متديّنين، أنها تخاذل واستسلام؟ أي انها عجزت حتى عن أخذ الاستسلام! وهذا ما يفسّر حربها الهستيرية مع جميع جيرانها اليوم.
ومن الناحية الثانية، ما يهم حكام إيران إن راح الجنوب ولبنان في حربهم هذه؟ ها هم يفاوضون عليه مع الأميركيين ونحن نسير برجل الى الأمام ورجل الى الخلف؟ لا مبرر لقبولنا بذلك، أكنا آثرنا المقاومة في خياراتنا أم فضلنا مساعي السلام. نحن من يجب أن نجلس الى الطاولة، كدعاة سلام (وهذه يوافق عليها الحزب وأنصاره الذين يحاججون دائماً أن إسرائيل هي البادئة أو الناوية للبدء بالإعتداء) وأوراقنا عديدة وأبرزها مقاومتنا للعدوان الغاشم والاحتلال. وحبذا لو كانت مقاومتنا فعلاً جماعياً لبنانياً لا حكر على طائفة أو حزب. ومن يعلم في هذا الشرق اللعين أن نضطر قريباً أو تضطر الأجيال اللاحقة للمقاومة بفعل ضيقنا ذرعاً مما شهدناه ونشهده من التطاول الدائم على حياتنا وأرضنا وكرامتنا؟ فلننقذ اليوم ما تبقى زاداً لجولات لاحقة “لا سمح الله!”.
ما يعنينا ويكفينا نحن اللبنانيون الآن، سواء سلماً أو مقاومة أو بالإثنين معاً، أن نفاوض مع الأميركيين أو الإسرائيليين أو الشياطين طالما المفاوضات قائمة بكل الأحوال وبجوهرها بدوننا. هذا ما لا يجوز أبداً! ويعنينا أيضاً ألا نجعل من مساهمتنا بها ذريعة لما نستسيغ فعله على الدوام، أي المهاترات الطائفية العبثية والخطيرة!
سيعود أهل الجنوب الى أرضهم كما تقول أغلبيتهم الساحقة، وكما يفعلون في كل مرّة حين يعلن وقف إطلاق النار بالرغم مما يعرفونه عن هشاشته وكونه محفوفاً بالمخاطر. سيعودون ليس هرباً فقط من تهجير يعرضهم لخواء الحياة وبؤس الأحوال وغالباً للنبذ المهين، بل لأنهم يريدون تأكيد قناعتهم الراسخة بأنهم قادرون على لملمة أثار حياتهم السابقة من الحجر الى الشجر الى بقايا الأثاث الى المواشي والحيوانات والى العادات اليومية واللقاءات والزيارات. أي الى كل ما يجعل منهم بشراً راسخين في أرض صنعوها هم وأسلافهم، بجمالها وتشويهاتها وبحلاوة العيش فيها كما بحرمانها.
ولن يكون هناك إمكانية حقيقة لإعادة الحياة الى هذه الأرض إلا بفعلهم هم، لأنه يحفظون في ذاكرتهم كل تفاصيلها وأسرارها وروائحها وملمسها وتوفرها وتمنعها. يعرفون من بعيد انها عرفت أن تختبئ من العدوان بقدر ما استطاعت وأنها تنتظرهم في مخابئها، أكانت حيوانات أم طيوراً أم بذوراً. هذا الكلام ليس شاعرياً بل حقيقة يعرفها كل من يتعامل برفق ومحبة وعناية مع أرضه وكل ما هو حيّ فيها. ولا شك سيجدون الكثير من أسباب الحياة وسيداوون جراح أرضهم ويبثون فيها الروح من جديد.
تحتاج عودتهن هذه المرة وبالبدء الى وقف الحرب وعسى خيراً في الجهود المبذولة، فيحلّ السلام قريباً ويتحرر كل شبر من أرض لبنان. من ثم علينا تحميل إسرائيل كلفة فعلتها التي هي حق للضحايا ولحجم خساراتهم، وإلا انعدم العدل في العالم وأضر كل العالم. وهذه الأخيرة حجة رئيسية لنا نجنّد لها كل دعاة الخير في العالم ومنهم يهود وإسرائيليين معادين لإسرائيل، وهي تهين اليوم ذكرى مهانتهم التاريخية وكل ضحاياهم من الأجداد الى أجداد الأجداد. فنردّ بذلك على استخفاف العالم بمآسينا وخرابنا حتى هذا اليوم. وما سوف يساعدنا بوجه خاص هو ضعف إسرائيل من نتائج حربها المجنونة ضد الجميع، اقتصاداً واجتماعاً وأمناً وسمعة، وإن ستّرت على ذلك هي والعالم الغربي الداعم لها.
تقوم وزارة البيئة في لبنان بجهود مميزة بمجال ملف المحاسبة عبر إحصاء وتدوين الأضرار على الانسان والبيئة لحمله الى المحاكم الدولية، تعاضدها في ذلك المنظمات الحكومية وغير الحكومية لبنانية أم دولية فضلاً عن دول تدعم لبنان في مطالبه هذه. لكن من واجب هؤلاء أن يجعلوا من أهل الجنوب عناصر فاعلة في إحصاء الخسائر حيث تبقى شهاداتهم وتقييماتهم أكثر دقة وحقيقية من الرصد الحسابي البارد. وهذا حق لهم ودور ضروري لبدء التعافي من آثار خسائرهم بالأرواح والأرزاق وجلجلة موجات التهجير المتتالية.
ولاحقاً، عند بدء العمل على إعادة الأعمار أو التخطيط له يجب أن يحصل ذلك بمساهمتهم أيضاً، وهم الأعلم بواقع وحاجات بيئتهم والأقدر على إعادة إحياء تاريخها الخاص. فضلاً عن المساهمة في جعلها أفضل مما كانت عليه بفعل توظيف ما طورته المعارف في مجال البيئة والعمارة الحديثة.
هذه المقاربة بدأت تشق طريقها لدى بعض المنظمات الإنسانية الحقوقية والبيئية، خاصة لناحية دور النساء في سياسة إعادة بناء المجتمعات في مرحلة ما بعد الحرب، وهنّ يعانين أكثر من غيرهم من آثارها ويدبّرن بشكل أساسي شؤون العائلة في حلّها وترحالها. وهذا ما تثبته تجربتهن الفعلية في لبنان هذه الأيام، وإن كانت شديدة المرارة.
تضع الحرب على غزة ولبنان المنظمات العاملة في مجال الدفاع عن البيئة أمام تحدي تطوير خطابها ونشاطها بغية ابراز المخاطر الجمّة التي تولدها الحروب على البيئة، والتي تطيح بفترة قصيرة بكل ما راكموه بسنوات من إنجازات لحمايتها. وقد بدأ بعضها بالفعل بتسليط الأضواء على هذه المخاطر وتحليلها وتوثيقها والترويج لها عبر العالم. ويمكن للبنان وفلسطين كذلك الإفادة من تجربة أوكرانيا المميزة في هذا المجال، حيث تعمل منظمات أهلية هناك بدعم من منظمات دولية على توثيق علمي واجتماعي للآثار البيئية الناجمة عن الحرب الروسية.




