الاحدثالشرق الاوسط

عندما تروى حرب الشرق الأوسط بلسان من يخوضها | ترجمة د. بولا الخوري

كتب هذا المقال بالفرنسية د. زياد ماجد أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في باريس، وفيه يحلل كيفية تناول وسائل الإعلام السمعية والبصرية التقليدية في فرنسا الحربين التي تخوضهما إسرائيل ضد غزة ولبنان. وهو يشرح ويشرّح السردية التي طغت على كافة هذه الوسائل، عبر اللغة والتعابير المستخدمة واختيار طرق تغطية الحدث بالتركيز على البعد العملياتي وعلى التكنولوجية الحربية، بهدف تغييب الضحية وبالتالي تبرئة المعتدي من الوزر الإنساني والأخلاقي والحقوقي لفعله. وقد ترجم المقال للإنكليزية. وهنا ترجمته للعربية.

منذ 7 أكتوبر 2023، كشف جزء كبير من تغطية الإعلام السمعي والبصري الفرنسي للحرب الإسرائيلية في غزة، ومن ثم في لبنان، عن عدم القدرة على الإخبار عما يجري بدقة. فضلاً عن أزمة أكثر عمقاً تتعلق بالعناصر التي من خلالها يتاح فهم الشرق الأوسط.

ما ساد في غالبية القنوات التلفزيونية ليس مجرد انحياز في التحرير السياسي، أو اختلال في وجهة التعاطف، أو تسلسل هرمي في تقييم الأوضاع الطارئة عبر العالم. بل هو إعادة تشكيل حقيقية للطريقة التي ننظر بها للأمور. تم تبني السردية الإسرائيلية للحرب ومصطلحاتها العسكرية، ليجري بعد ذلك استخدامها تدريجياً خارج إطار التاريخ والعلوم الاجتماعية والقانون الدولي.

حينها، توقفت المجتمعات المستهدفة بـ “العمليات الإسرائيلية” عن الظهور كعوالم مأهولة، تخرقها العلاقات الاجتماعية والذكريات والمؤسسات والتطلعات، فضلاً عن التجارب الفردية والجماعية، لتصبح مجالات لتدخلات “جراحية”، وأرضيات للمناورة، وخرائط مشبعة بالأهداف والمخاطر. كانت نتيجة هذا التحول حاسمة: فباستبدال السياسة بالتعليق البارد، لم يُفقر هذا الغطاء التحليل نفسه وحسب، بل ساهم في جعل أشكال العنف والجريمة الأكثر تطرفاً أمراً مقبولاً.

المصطلحات المتحيزة

أحد أعراض هذا الانحراف، يكمن بالحيز المعطى للتكنولوجيا العسكرية. لقد علقت قنوات البث المتواصل، لكن أيضا بعض البرامج الحوارية باستفاضة عن قدرات الاستخبارات الإسرائيلية، وأنظمة المراقبة، و”دقة” الضربات، والفعالية المزعومة لعمليات “الاغتيالات الاستهدافية”، وجودة اعتراض الصواريخ وبراعة العمليات السرية.

إن التركيز بافتنان على هذه القدرات ليس عرضياً، إذ ينتج انحرافاً واضحاً: فبدلا من إدراك الحرب من خلال عواقبها الإنسانية، جرى التعامل مع بعض وقائعها من زاوية عمليات تنفيذها. فجرى تثبيت الأنظار على الأدوات، على الشاشات، على الصور الجوية، على العروض التقنية. وانتهى الأمر بأن ينظر إلى الدمار نفسه كنتيجة لعملية محكمة، وليس كجريمة حرب محتملة أو ككارثة اجتماعية.

لقد أدى هذا الانحراف، عبر توسل التكنولوجيا، الى أخذ مسافة من الأحداث أخلاقية وفكرية في آن واحد. فجعل من الممكن الحديث لدقائق طويلة عن “الضربات” دون أن يتم أبداً ذكر الجثث التي تمزقها، أو العائلات التي تفرقها، أو المنازل التي تدمرها، أو المدارس والمستشفيات التي تعطلها.

يستجيب هذا التجميل التكنولوجي لتغيير مواز على المستوى اللغوي. واحدة من أكثر الخصائص لفتاً للنظر في التغطية السمعية والبصرية لما يجري هو الاستخدام شبه الفوري للمفردات التي تنتجها الأجهزة العسكرية الإسرائيلية. فانتشرت بسهولة ملحوظة مصطلحات من مثل “التصفية” و”التعطيل” و”الهدف” و”التطهير” و”المنطقة العازلة” و”معقل الإرهابيين” أو “الأضرار الجانبية”، كما لو كانت جزءاً من سجل مواصفات عادية. ومع ذلك، لا يوجد شيء بريء في هذا السجل. فهو لا يخبر فقط عن الحرب؛ بل يعيد تنظيم إدراكها. يستبدل الوفيات بإحصائيات النتائج، ويستبدل الأحياء المدمّرة بالمجالات العملياتية. يجري تحويل النظر عن الضحايا الفلسطينيين واللبنانيين نحو العقلانية المفترضة للعمل المسلح الإسرائيلي. مثل هذه اللغة تواري الفظائع، وتضعها في أفق الضرورة وتخفف من تبعاتها الأخلاقية.

لا بل أن هذه اللغة تطمس التوصيف السياسي والقانوني للحرب. فبمجرد أن تصبح المباني السكنية “أهدافاً”، ويصبح المدنيون القتلى “دروعاً بشرية”، وتتحول الأراضي المدمرة إلى “مناطق آمنة”، تتوقف الحرب عن الظهور كمشكلة تستدعي تحمّل المسؤولية لتصبح مشكلة إدارية. هذه اللغة ليست مجرد وصف للواقع، بل هي تعيد صياغته بطريقة تجعله قابلاً للتحمل. والحضور المنتظم للمتحدث باسم الجيش الإسرائيلي الناطق بالفرنسية في البرامج الحوارية أو في نشرات الأخبار، فضلاً عن السفير الإسرائيلي في باريس، وغالباً بمفرده ودون محاور مناقض له، أتاح مساحة مباشرة للدعاية الإسرائيلية، مما سمح لها بالانتشار وبمخاطبة الجمهور بحرية.

بين تجريد الضحايا من إنسانيتهم وتوريتهم

في هذا الفضاء الخطابي يجري تجريد الضحايا من إنسانيتهم. لكننا ما زلنا بحاجة إلى الاتفاق على معنى هذا المصطلح. نزع الإنسانية لا يعني فقط الاستخفاف بالمعاناة أو غياب أي شكل من أشكال التعاطف. إنه سيرورة قائمة على تجريد الأفراد والمجموعات من الصفات التي تضعهم في الأفق المشترك للمساواة الإنسانية. نزع الإنسانية هو استبدال الشخص بفئة، والسيرة الذاتية برقم. إنه ضمانة لأن يحكي البعض عن أنفسهم، كالإسرائيليين، من خلال قصصهم، روابطهم وعلاقاتهم، أسمائهم ووجوههم، ومشاريعهم المعطلة، بينما يذوب آخرون، فلسطينيون أو لبنانيون، في جدالات إحصائية أو شكوك تلقائية. بعض الأرواح تستدعي الحداد والتضامن عفوياً، بينما يجب على آخرين أن يثبتوا أولاً أنهم يستحقون أن يعترف بهم كبشر مكتملي الأهلية. التجريد من الإنسانية هو آلية عنصرية مركزية في حالات العنف القصوى، ذلك إنها تجعل ممكناً ما يمكن بدونها أن يبدو عصياً على الاحتمال. إنها تهيئ العقول للقبول بأن تتعرض شعوب بأكملها للقصف أو للتشريد أو للجوع أو للتعامل معها كمشكلة لوجستية.

ويتم قياس هذه الظاهرة أيضا من خلال عدم توفر التعابير الملائمة. تكمن المشكلة في التغطية السمعية البصرية السائدة ليس فقط في المصطلحات المستخدمة، بل في تلك التي يجري تجاهلها أو التمهل في استخدامها أو تلك التي تحاط باحتياطات “مختلّة”. فغالبا ما يجري التعامل مع مفاهيم من مثل الاحتلال، الاستعمار، الحصار، الإفلات من العقاب، الفصل العنصري، التطهير العرقي، جرائم الحرب، جرائم ضد الإنسانية وجريمة الإبادة الجماعية كصيغ مشبوهة، تصنّف مباشرة بالنضالية، بينما هي في المقام الأول جزء لا يتجزأ من أطر تاريخية وقانونية وتحليلية. أن لغة ترفض تسمية الاحتلال بإسمه تمنعنا من فهم بنية علاقات الهيمنة، لغة تسكت عن الاستعمار وتمحو استمرارية مصادرة الأراضي، لغة ترفض مسبقاً أي نقاش حول الفصل العنصري لتمنع نفسها من التفكير في البعد المؤسسي للتمييز والعنف. أما بالنسبة لإنكار الجرائم الإسرائيلية، وخاصة جريمة الإبادة الجماعية، التي تعلن عنها الغالبية العظمى من المنظمات الدولية والقضاة والخبراء في هذا المجال، فيشكل هو نفسه نزعة نضالية محابية لإسرائيل تتبناها بعض وسائل الإعلام في رغبتها المعلنة في إنكار أو تقليص جرائم هذه الأخيرة. لأن ما لا يذكر يبقى عصياً على التفكير، وما يبقى عصياً على التفكير يصبح أسهل على التحمّل.

تراجع العلوم الاجتماعية

هذا الاقتصاد في المفردات المتاحة يشكل جزءاً من سياق أوسع: تراجع العلوم الاجتماعية في الفضاء الإعلامي. وحيث يتوقع المرء إضاءة على تكوينات الدول، والمسارات التاريخية، والاقتصادات السياسية والذاكرة الجماعية، وأشكال التعبئة وهياكل الصراعات أو أثارها الاجتماعية، غالباً ما يكون هناك احتراف في البث على شكل دفق سريع وقابل لاستبدال الأخبار واحدة بأخرى، مع الميل لتبسيط التشخيصات وجعلها تقريبية. يسمح ذلك بازدهار مقاربة ثقافوية كسولة تقدم الشرق الأوسط كمساحة محكومة بطبيعتها بالعنف، مدفوعة بعواطف غير عقلانية أو سجينة الكراهية منذ الأزل. هذه القراءة ليست مجرد قراءة هزيلة، بل تخدم وظيفة أيديولوجية معينة. إنها تعفي نفسها من الحاجة إلى التمعَن في سياسات الاحتلال، والآثار الفعلية للحرب، والأشكال الملموسة للإفلات من العقاب. فيتم استبدال التاريخ بمفهوم جوهري للأحداث، وتستبدل الهيمنة بالثقافة، والهياكل السياسية بهويات يفترض أن تكون مغلقة على نفسها.

منذ 7 أكتوبر 2023، تم التعبير عن هذا الاتجاه الثقافوي من خلال تحول أشمل للنقاش، في الحقل العام الفرنسي، باتجاه يميني. وقد فُرض التأطير الأمني بشكل أقوى بفعل انه تم إدراج الأطراف المسلحة المعارضة لإسرائيل بسهولة في خانة الإرهاب. حقيقة كون هذه المنظمات إسلامية أو مسلحة كانت كافية، في جزء كبير من التعليقات، لإدراج مجمل الأراضي كما الشعبين الفلسطيني واللبناني ضمن قراءة أكثر شمولاً تظهر الحرب الإسرائيلية أولاً وقبل كل شيء كرد مشروع على تهديد معيّن. ضمن هذا المنطق، تم تهميش ما تقوم به إسرائيل من تدمير للمستشفيات والمدارس والجسور ومحطات الطاقة وأماكن العبادة وقتل الأطباء والمعلمين والصحفيين، والتهجير القسري للسكان، وسياسة المجاعة، والحصار الذي يمنع مرور الأدوية والطعام للأطفال، وتعذيب الأسرى، والانتهاكات المتكررة للقانون الدولي. وبذلك تحول مصطلح الإرهاب إلى عامل شامل للتبرير. لقد لوّث ذلك الطريقة التي ننظر بها إلى غزة وجنوب لبنان، مما يسمح بقراءة يختفي فيها المجتمع خلف “العدو الهمجي”، وحيث يتم امتصاص السكان المدنيين بشكل عديم الإحساس في بيئة يفترض أنها معادية.

حالة لبنان تكشف بشكل خاص عن الآثار المدمرة لهذا النمط في معالجة الأمور. فإذا كان الفلسطينيون، وخاصة في غزة، يعانون لعقود من هذه المقاربة الثقافوية ومن تجريدهم من إنسانيتهم، كما تجلى ذلك في الحروب السابقة عام 2008 و2012 و2014 و2021، اعتقد اللبنانيون أنهم بمنأى عن هذه المعاملة، بالنظر إلى ذاكرتهم عن وسائل الإعلام الفرنسية التي اعتبروها بالإجمال موضوعية حتى عام 2006. إن تحويل الحرب الإسرائيلية المدمّرة، التي أسفرت عن أكثر من 2000 قتيل و7000 جريح وأكثر من مليون نازح، إلى “رد إسرائيلي على إرهاب حزب الله”، يعني أن يجري تقريباً محو كل ما يميّز الأوضاع الحالية في لبنان. أن اعتبار حزب الله حركة إرهابية وحسب، مما يبرّر “العملية” الإسرائيلية، يمنعنا من فهم ما يجعله طرفاً متجذراً في حقبة تاريخية معينة، مرتبطة بالاحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان الذي بدأ في 1978 أي قبل خمس سنوات من تأسيس حزب الله، وبأشكال التأطير الاجتماعي، والقاعدة المناضلة، وميزان القوى الطائفي الداخلي، والعلاقات العضوية مع إيران، والانهيار الاقتصادي المتواصل والأزمة العميقة للدولة اللبنانية، وذكريات الحرب التي لا تزال حيّة. فهم كل ذلك يسمح لنا بالتفكير في لبنان كشيء آخر غير كونه مسرحاً فارغاً متاحاً للسرديات الإسرائيلية.

الرقابة والرقابة الذاتية

فضلاً عن كل ما تقدم يجب إضافة مسألة الرقابة، التي يجب فهمها بمعناها الواسع. فهي ليست مجرد مسألة حظر صريح أو قرارات مؤسساتية خارقة للعادة. الرقابة الخاصة بموضوع إسرائيل، والإبادة الجماعية في غزة، والتدمير، المعلن رسمياً، لعشرات المدن والقرى اللبنانية تعمل أيضا من خلال الجو العام، والترهيب المعمّم واضفاء صفة اللاشرعية على المواقف كنوع من السياسة الوقائية، واعتماد سياسة التهديد عبر تسخير موضوع مكافحة معاداة السامية لهذا الغرض. فتصبح بعض الكلمات مكلفة، وأشكال معينة من التضامن ممنوعة. يخلق ذلك مساحة عامة لا يعود فيها الحذر يعني الدقة في الموقف، بل تجنب كل ما يزعزع النظام السائد. هذا الإختزال للتعبير يؤثر على الإعلام والجامعات والمؤسسات الثقافية والأماكن التي تنتج فيها المعرفة.

ويزداد الأمر سوءا بسبب ظاهرة أخرى: التحكم باخراج الحدث في دائرة الضوء. عندما تغلق منطقة تتعرض للقصف أمام الصحافة الدولية، ويدفع الصحافيون المحليون خسائر بشرية باهظة من أجل توثيق الحرب، أكثر من مئتي صحافي في غزة وستة في لبنان، وعندما تتم غربلة الصور أو وضعها في سياق ترسمه المصادر العسكرية وحدها، أو يتم تداولها ضمن شروط محكمة، فليست المعلومات وحدها هي التي تحجب، بل إن بنية الأدلة نفسها تتعدّل. تصبح شهادات الضحايا عرضة للتلاعب السهل بنسبية أهميتها، وتتم مصادرة سردية الحرب بشكل جزئي من قبل من يخوضها.

يمنعنا هذا التصور من فهم ما يبيّنه تاريخ المنطقة بصورة دائمة: لا الغزوات ولا القوة الغاشمة لإسرائيل تجلب الاستقرار. في فلسطين كما في لبنان، يسمح إلغاء المدى الطويل بتقديم كل جولة من العنف على أنها بداية مجرّدة، بينما هي جزء من مسار قديم من العدوان ومن الإفلات من العقاب.

د. زياد ماجد

المصدر:
https://www.acrimed.org/Quand-la-guerre-au-Proche-Orient-est-racontee

د. بولا الخوري باحثة وصحافية في علم الاجتماع

د. بولا الخوري، باحثة مشاركة في مركز التحليل والتدخل الاجتماعي CADIS في معهد الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية في باريس EHESS - CNRS. لدى الخوري خبرة لأكثر من 20 عاماً كعالمة اجتماع وصحافية، حيث تساهم في تعميم نظريات العلوم الاجتماعية في الصحافة بغية جعلها بمتناول الجمهور غير الأكاديمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى