اجتماعالاحدث

لكم طوائفكم ولي ورد طائفي | بقلم د. بولا الخوري

وهو عطر من صنع أهل الطائف أسموه “ورد طائفي” وأضحكني كثيراً حين وضعته بين يدي الشابة السعودية التي تشارك هي وزملائها وزميلاتها في التعريف ببلدهم في معرض أقيم لهذه الغاية في موليير، أحد البيوت الخاصة الفخمة في باريس، لمدة يومين فقط أواخر الشهر الماضي. ولم أكن قد استفقت من مفاجأتي وضحكي حتى بادرتني بأنه هدية لي علماً إنه معروض للبيع في جناح في المعرض لبيع منتوجات سعودية غير متوفرة في فرنسا. فشرحت لها ولزميلاتها، وبينهن لبنانية تعمل في مجال البزنيس الثقافي بين لبنان والسعودية، سبب ضحكي وفكرتي أن أرش منه على اللبنانيين علّهم يستفيقون ويقلعون عن طوائفهم لتبني ورد الطائف وعطره كطائفة وحيدة جامعة لهم. ما فاجأني أيضاً أنه عدا اللبنانية لم تفهم الشابتان السعوديتان بسرعة مغزى النكتة لأن الطائفي لديهما هو نسبة للطائف، فيما أنا كلبنانية كنت أظن كل ما هو طائفي هو ماركة مسجلة لنا.

لاحظت أثناء جولتي في المعرض أن هؤلاء الشبان والشابات، عدا اعتزازهم ببلدهم ومنتوجات مناطقهم المتنوعة من شمال السعودية الى جنوبها مروراً بالوسط، لطفهم المميّز وكرمهم العفوي التقليدي هو الآخر والذي فقده سكان المدن العربية الحديثة. وهؤلاء أتوا باريس لإكمال دراساتهم الجامعية، وهذه ظاهرة جديدة نسبياً بدأت أنتبه لتطورها في السنوات الأخيرة. والأرجح أنه ينطبق عليها ما قرأته في مقالة على موقع “الفنار ميديا[i] عن ازدياد عدد الطلاب المصريين في باريس بعد أن خفّ إقبالهم على الدراسة في الولايات المتحدة الأميركية بسبب العداء للإسلام أو بريطانيا للأسباب نفسها وإن بدرجة أقل.

عدا ذلك تعمل فرنسا مؤخراً على تطوير برامج تعليمية باللغة الإنكليزية التي يتقنها طلاب هذه البلدان أكثر من الفرنسية، مع حفاظها على أقساط متهاودة ومساعدات في تكاليف السكن، تتيح لفئات متوسطة الحال أو محدودة الدخل أن ترسل أولادها للدراسة في الخارج وأحياناً بمساعدة من حكوماتهم. فعلى سبيل المثال أرسلت السعودية الى الولايات المتحدة الأميركية 12.700 تلميذ خلال العام الدراسي 2024-2025 بانخفاض ملحوظ عن العام 2017 حيث بلغ عدد الطلاب 44.400 تلميذ.

هذا التحوّل يغيّر من انحصار السفر للتعلم في أوروبا وأميركا على مدى عقود على الفئات الاجتماعية عالية الدخل. فضلاً عن أن الطلاب العرب يثمّنون، حسب الدراسات الخاصة بالموضوع، اعتماد البرامج التعليمية الفرنسية مقاربات تعزّز التفكير النقدي أكثر من مثيلاتها البريطانية أو الأميركية.

مناسبة المعرض هي صدور كتاب “حلم بالسعودية” للمصّور الفرنسي جيل بنسيمون الذي أمضى اثنين وثلاثون يوماً يتجول مع كاميرته في السعودية يصور أهلها وملبسهم ومطبخهم وتقاليدهم المتنوعة بتنوع مدنهم وأسواقهم. تجول من شواطئ البحر الأحمر الى مرتفعات جبال الجنوب، عبر أسواق وسط السعودية الى الفلالي الصحراوية في الشمال. وبنسيمون كان عمل سابقاً كمدير تصوير لمجلة آل الفرنسية التي أمضى فيها أكثر من ثلاثين عاماً مصوراً لكبار الفنانين والفنانات وعارضات الأزياء العالميين، وتصدرت صوره غلافات المجلة الشهيرة، فضلاً عن إسهامه في إطلاق مجلة آل الأميركية.

في مقابلة له مع أرليت خوري على موقع “أراب نيوز” بالفرنسية يقول بينسيمون: “في هذا البلد حس روحاني مميّز”، ويضيف: “لم يتم الإعلان عن قدومي، والناس هناك لا يعرفون شيئاً عني، ومع ذلك…” ليعبّر عن مدى مفاجئته وسعادته بالترحيب وحسن الضيافة التي تم استقباله بهما أينما حلّ. وتزامن وجوده في البلد مع فترة رمضان، فشارك الناس الإفطار، معتبراً أن دافعه لم يكن الشعور بالواجب بل رغبة بالمشاركة. ويضيف أنه لو سكن في السعودية لأصبح مسلماً، بحكم انبهاره بغنى الاحتفالات المرتبطة بهذه المناسبة الدينية.

ويثمّن المصور في المقابلة نفسها تلك الحفاوة الطبيعية التي استقبله بها الناس عبر البلاد، مما دفعه للتعبير عن غضبه ممن يتحدثون عن السعودية دون معرفتها: “يتكلم الناس من دون أن يعرفوا عما يتكلمون”. وأعرب عن نيته إنجاز كتاب آخر مستوحى من زيارته يدوّن فيه ما شعر به من تحولات المجتمع بين التقليد والحداثة، وشعوره أن كتابه “حلم بالسعودية” يؤرخ لزمن قد يندثر بفعل الحداثة التي بدت له في تغييرات في الحياة اليومية وفي نمط العيش، ويخاف أن تختفي القوافل ورحلات عبور الصحراء وكل مسارات التجوال التي بدأت تهمل وتنساها الأجيال الجديدة، والتي كانت تحكي قصص أخرى عن عالم الماضي.

ما أن تلج البيت مكان المعرض حتى يستقبلك رجل ببسمته العريضة وبالملبس التقليدي مقدماً لك فنجان قهوة مع حلويات صغيرة، تنظر في الفنجان فترى القهوة شفافة وتخشى أن تكون طعمتها خفيفة وتفاجئ بدسامتها. فتفهم أن هذه طريقة تحضير القهوة على الطريقة السعودية التي يتم غليّها لفترة طويلة مع حبوب الهال. وما لفتني بعدها أن السعودية بلد منتج كبير للقهوة، وهو أمر غير معروف في العالم حسب علمي.

تُقدّم مساحة تمهيدية في الطابق الأرضي نبذة عن أصول المشروع، وتُتيح للزائر مشاهدة مقتطفات من الفيلم الوثائقي قيد الإنتاج حاليًا – والذي سيُعرض قريبًا – كما تستضيف لقاءً مع الفنان وتوقيعًا لكتابه. ويُقدّم متجرٌ متخصصٌ مجموعةً مختارةً من المنتجات من المناطق السعودية الخمس: أملاحٌ وتوابلٌ وبخورٌ وأوانٍ خزفيةٌ ومنسوجاتٌ وأدواتُ مطبخٍ استثنائية.

أما الطابق الأول، فيضم المعرض الرئيسي مُقسّمًا إلى خمس قاعات تُناسب المناطق الخمس الرئيسية في المملكة. تُجسّد قاعة الجنوب المرتفعات والتقاليد الزراعية، بمكوناتها وتوابلها المميزة. وتُعيد قاعة الوسط خلق أجواء الأسواق وتفاصيل قلب المملكة. أما قاعة الشرق، فهي مُخصصةٌ لطقوس الضيافة والرقص والموسيقى واللحظات الاحتفالية التي تتمحور حول القهوة. بينما تُسلّط قاعة الشمال الضوء على ثقافة الصحراء وتقاليدها في جمع المحاصيل. يحتفي غرب السعودية، أخيرًا، بالحياة الساحلية والتنوع البيولوجي وفنون الطهي في البحر الأحمر.

ما يلفت النظر في هذا المعرض عناصر عديدة تذهب عكس الصورة التي يجري الترويج لها عن السعودية، من قبل أهلها أحياناً أيضاً، فهي ليست حصراً بلد النفط ونمط الحياة الثري، بل تظهر أناساً عاديين ومنتجين لما يستهلكون، يمارسون حياة يومية منظمة حول البيت والسوق والترحال والسهر إحياء لتقاليد شديدة القدم. وذلك من مطبخهم الى انتاجهم للتوابل والقهوة والحبوب، وأدوات إعدادها التي هي من صنع محلي أيضاً، عدا الملابس التقليدية كالعقال بنسخته القديمة ويضعه الرجال فقط في يوم التأسيس (العيد الوطني في 27 شباط من كل عام)، فيما يستخدمون عقالاً مبسّطاً في تطريزه في العمل والحياة اليومية.

يصوّر بنسيمون أيضاً رجالاً يرتدون الجلابية وملابس المناسبات وركوب الخيل والسهر والرقص. فضلاً عن اظهاره لعمل الرجال السعوديين في مهن عديدة مثل الطبخ وإعداد البهارات والقهوة وتحضير عطور الورد عبر كل مراحلها، عدا عن مهنهم العادية كالصناعة والعمارة، حيث تحافظ المملكة على فن العمارة القديم بما تتسم به المباني التقليدية من هيكل هندسي من الحجر وبأنماط مميزة تستخدم فيها الحجارة المحلية بألوانها المتعددة التي تتفاوت بين الأسود والبني إلى درجات البني والرمادي والأبيض. واحتراف الرجال لهذا التنوع المهني، وإن كان يدّل على غياب المرأة سابقاً عن الأنشطة الاقتصادية فإنه يقدم لنا صورة مختلفة عن تلك النمطية والشائعة عن الرجل السعودي، فالرجال يحرصون مثلاً على ممارسة منتظمة للرقصات المتوارثة في سهرات حول النار.

إن كان الحضور الذكوري ما زال طاغياً على المشهد العام في السعودية، بالرغم من تطورات مهمة في الحرية التي أتيحت للنساء في السنوات الأخيرة، فإن ما توفره لنا صور بينسمون هو مروحة من وجود الرجل في مرافق الحياة اليومية في السعودية ألطف بكثير من النظرة المنتشرة عنهم في العالم، والتي ساهمت دون شك فيها نظرة الغرب النمطية والتبسيطية الى مجتمعاتنا العربية.

لهذا يستحق كتاب المصّور الفرنسي جيل بنسيمون وفيلمه الوثائقي القادم أن يشكل مرجعاً للتعرف بالسعودية على حقيقتها اليوم، عدا أهمية ترجمتهما الى العربية من أجل أن يعتز بهما أهل البلد وخاصة الذين التقوا بنسيمون أثناء تجواله بالإضافة الى قراء العربية عبر العالم.

[i] https://al-fanarmedia.org/2025/11/more-arab-students-than-ever-are-choosing-to-study-in-france/

https://al-fanarmedia.org/2022/09/arab-students-tell-al-fanar-media-why-their-numbers-are-increasing-in-france/#:~:text=%E2%80%9CTunisian%20students%20see%20France%20as,to%20progress%20in%20Tunisia’s%20administration.%E2%80%9D

https://al-fanarmedia.org/2014/01/france-and-germany-top-european-destinations-for-arab-students/

 

د. بولا الخوري باحثة وصحافية في علم الاجتماع

د. بولا الخوري، باحثة مشاركة في مركز التحليل والتدخل الاجتماعي CADIS في معهد الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية في باريس EHESS - CNRS. لدى الخوري خبرة لأكثر من 20 عاماً كعالمة اجتماع وصحافية، حيث تساهم في تعميم نظريات العلوم الاجتماعية في الصحافة بغية جعلها بمتناول الجمهور غير الأكاديمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى