الفوضى السياسية في لبنان: أزمة دولة أم انهيار منظومة؟ | بقلم د. مهى محمّد مراد

يعيش لبنان منذ سنوات حالة متفاقمة من الفوضى السياسية التي تجاوزت حدود الخلافات التقليدية بين القوى والأحزاب، لتتحول إلى أزمة بنيوية تمسّ مفهوم الدولة نفسها ووظيفتها ودورها، فالمشهد اللبناني لم يعد مجرد تنافس سياسي طبيعي داخل نظام ديمقراطي تعددي، بل بات ساحة مفتوحة للتجاذبات الحادة، والتناقضات المتشابكة، وغياب الرؤية الوطنية الجامعة، الأمر الذي أدخل البلاد في دوامة من الانهيارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتلاحقة.
فقد أصبحت السياسة في لبنان تُدار في كثير من الأحيان بمنطق ردود الأفعال والتسويات المؤقتة، لا وفق خطط استراتيجية واضحة أو مشاريع إنقاذ حقيقية، وبالتالي، فإنّ القرارات الأساسية ترتبط غالبًا بحسابات فئوية وطائفية ومصلحية، فيما يغيب التخطيط بعيد المدى القادر على معالجة جذور الأزمات، ومع كل استحقاق سياسي، يظهر حجم الارتباك داخل بنية النظام، حيث تتحول المؤسسات الدستورية إلى ساحات تعطيل متبادل بدل أن تكون أدوات لإدارة الدولة وحماية المجتمع.
وفي خضم هذا المشهد، برزت مغالطات سياسية وإعلامية ساهمت في تعميق الانقسام الشعبي وإرباك الوعي العام، فبدلًا من مصارحة اللبنانيين بحجم الأزمة وأسبابها الحقيقية، جرى في كثير من الأحيان اللجوء إلى خطاب شعبوي قائم على تبادل الاتهامات وصناعة الخصومات وتبرير الفشل، حيث تحولت اللغة السياسية إلى وسيلة للهروب من المسؤولية أكثر من كونها أداة لإنتاج الحلول، حتى بات المواطن اللبناني عاجزًا عن التمييز بين الوقائع الفعلية والمواقف الدعائية المتناقضة.
هذا الواقع أدى تدريجيًا إلى فقدان الثقة بالوظيفة السياسية نفسها، فالمواطن الذي شهد انهيار العملة، وتراجع الخدمات، وتفكك مؤسسات الدولة، لم يعد يرى في الطبقة السياسية سلطة قادرة على الإنقاذ أو حتى على إدارة الأزمة بحدها الأدنى من المسؤولية، ومع تكرار الوعود غير المنفذة، وتعطيل الاستحقاقات الدستورية، وتقديم المصالح الخاصة على المصلحة الوطنية، تآكلت المصداقية السياسية إلى مستويات غير مسبوقة، وأصبح الشعور العام أقرب إلى الإحباط الجماعي وفقدان الأمل.
ولعل أحد أبرز مظاهر الأزمة اللبنانية يتمثل في غياب البرنامج السياسي الوطني المؤثر، فمعظم القوى السياسية تتحرك ضمن حسابات آنية مرتبطة بتوازنات السلطة، بينما تغيب الرؤية الاقتصادية والاجتماعية المتكاملة القادرة على إخراج البلاد من أزماتها، فلا توجد حتى الآن خطة إصلاحية جامعة تحظى بإجماع وطني فعلي، بل مجرد مشاريع متفرقة تتعثر أمام تضارب المصالح والانقسامات الحادة، وهكذا بقي لبنان يدور في حلقة مفرغة من إدارة الأزمات بدل معالجتها.
أما على مستوى الإدارة العامة، فقد انعكست الفوضى السياسية بصورة مباشرة على مؤسسات الدولة، حيث أدى تضارب الصلاحيات والمحاصصة الطائفية والحزبية إلى شلل إداري واسع، فبدلًا من أن تقوم المؤسسات على الكفاءة والاختصاص، أصبحت في كثير من الأحيان خاضعة للتوازنات السياسية وتقاسم النفوذ، ما أضعف فعاليتها وأفقدها قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية للمواطنين، كما أن تعدد مراكز القرار وغياب المحاسبة الحقيقية خلقا بيئة خصبة للهدر والفساد والتعطيل المستمر.
إن خطورة الفوضى السياسية في لبنان لا تكمن فقط في الانهيار الاقتصادي أو التعثر المؤسسي، بل في تهديدها لفكرة الدولة الجامعة نفسها، فعندما يشعر المواطن أن انتماءه الطائفي أو الحزبي يوفر له الحماية أكثر من الدولة، تتراجع الهوية الوطنية لمصلحة الانقسامات الضيقة، ويصبح الاستقرار هشًا وقابلًا للاهتزاز مع كل أزمة داخلية أو تطور إقليمي.
ومع ذلك، فإن الخروج من هذا الواقع ليس مستحيلًا، لكنه يتطلب إرادة سياسية حقيقية تعيد الاعتبار لمفهوم الدولة والمؤسسات والقانون، فلبنان لا يحتاج فقط إلى حلول مالية أو تسويات ظرفية، بل إلى إعادة بناء الثقة بين السلطة والمجتمع، وإطلاق مشروع وطني قائم على الشفافية والمحاسبة والكفاءة، بعيدًا من منطق المحاصصة وتعطيل المؤسسات.
لقد أثبتت التجارب أن الدول لا تنهار فقط بسبب الأزمات الاقتصادية، بل عندما تفقد السياسة معناها الأخلاقي والوطني، وتتحول السلطة إلى مساحة لإدارة المصالح والصراعات بدلًا من إدارة الدولة، وما يواجهه لبنان اليوم هو في جوهره أزمة ثقافة سياسية قبل أن يكون أزمة حكم، الأمر الذي يجعل الإصلاح الحقيقي مرتبطًا بإعادة إنتاج وعي وطني جديد يؤمن بالدولة المدنية العادلة، لا بدولة التسويات المؤقتة والانقسامات الدائمة.



