ازمة لبنانالاحدث

حين تنتهي الحربُ… ماذا يبقى للبنان؟ | بقلم د. مهى محمّد مراد

في كلِّ مرّةٍ تنتهي فيها الحرب، ينشغلُ العالمُ بحساباتِ السِّياسة، بينما ينشغلُ اللبنانيون بشيءٍ آخر تمامًا…
الأمُّ تسأل: هل سيعودُ أولادي إلى حياةٍ طبيعيّة؟والأبُ يُفكِّر بسُبل تأمين لقمة العيش من جديد.
والشابُّ يتساءل: هل سأبقى في وطني، أم أبحثُ عن مستقبلٍ في مكانٍ آخر؟
أمّا صاحبُ المتجر فيقفُ أمام بابِ رزقه متسائلًا: هل سيعودُ الناس من جديد ؟ وهل ستعودُ الحياة كما كانت؟
أمّا لبنان… فيحاولُ أن يُداوي جراحًا لم تلتئم بعد، لتأتي جراحٌ جديدةٌ قبل أن يُشفى من جراحه القديمة، فقد تختلفُ المواقفُ السِّياسية، وقد تختلفُ القراءات، وقد يرى كلُّ طرفٍ الأحداثَ من زاويته، لكن هناك حقيقة واضحة لا يستطيعُ أحدٌ إنكارها: الحربُ لا تتركُ مُنتصرين كما يتخيّلُ للبعض، بل تتركُ عائلاتٍ مكسورة، وأطفالًا خائفين، وبيوتًا مُهدَّمة، واقتصادًا يزدادُ ضعفًا، ووطنًا يحتاجُ سنواتٍ ليقفَ من جديد.
لقد أثبتَ التاريخُ أنَّ الأوطانَ لا تُبنى بالحروب أبدًا ، كما أنَّها لا تُحمى بالشعارات وحدها، فالقوّةُ الحقيقيّةُ لأيِّ دولةٍ تبدأُ حين تكونُ مؤسساتُها قوية، وقرارُها الوطنيُّ مستقلًّا، وشعبُها موحَّدًا حول مصلحةِ وطنه.
إنَّ لبنانَ لا يحتاجُ إلى أن يكونَ ساحةً تدورُ عليها صراعاتُ الآخرين، بل يحتاجُ إلى أن يكونَ وطنًا يعيشُ فيه أبناؤه بأمان، ويذهبُ فيه الطفلُ إلى مدرسته من دون خوف، ويستطيعُ الشابُّ أن يبني مستقبلَه من دون أن يحملَ حقيبتَه بحثًا عن وطنٍ آخر.
وبالتالي، فإنَّ السِّيادةَ ليست شعارًا يُرفعُ في الأزمات، بل مسؤوليّةٌ تُترجمُ كلَّ يومٍ في حمايةِ الدَّولة، وتعزيزِ مؤسساتها، وصونِ كرامةِ المواطن، واتخاذِ القرارِ الذي يضعُ مصلحةَ لبنانَ فوق كلِّ اعتبار.
ولذلك، فإنَّ المرحلةَ المقبلةَ يجبُ أن تكونَ مرحلةَ بناء، لا مرحلةَ انتظارٍ لحربٍ جديدة. مرحلةُ إعادةِ الثقةِ بالدَّولة، وإعادةِ الحياةِ إلى الاقتصاد، وإعادةِ الأملِ إلى الشباب، وإعادةِ الاطمئنانِ إلى كلِّ بيتٍ لبناني.
إنَّ اللبنانيين تعبوا من الخوف، وتعبوا من الانتظار، وتعبوا من أن يدفعوا ثمنَ أزماتٍ لا يريدونها.
إنَّهم يريدون وطنًا يحميهم، لا وطنًا يخافون عليه كلَّ يوم.
وحين تنتهي الحرب، لا ينبغي أن يكونَ السؤال: من ربح ومن خسر؟ بل ينبغي أن يكونَ السؤالُ الأهم…  كيف نحمي لبنانَ حتى لا يعيش أبناؤه على انتظارِ الحربِ التالية؟ فهذا هو الانتصارُ الحقيقي…أن ينتصرَ لبنان. وأن ينتصرَ المواطن اللبناني، وأن ينتصرَ السلامُ الذي يحفظُ الكرامة، والسِّيادة، والاستقرار، ويمنحُ الأجيالَ القادمةَ حقَّها في أن تعيشَ في وطنٍ آمن، ومستقبلٍ يستحقُّه كلُّ لبنانيّ.

د. مهى محمّد مراد

​ الدكتورة مهى محمد مراد تجمع بين التخصص الأكاديمي الدقيق والخبرة العملية الواسعة التي تمتد لأكثر من 15 عاماً. فهي حاصلة على درجة الدكتوراه في الترجمة وعلوم اللغة والتواصل، مما يمنحها خلفية بحثية ولغوية قوية. وتتقن الدكتورة مهى اللغات العربية والإنجليزية والفرنسية بمهارة عالية، مما يسهل تواصلها في الأوساط المتعددة الثقافات. ​تتنوع مسيرتها المهنية بين العمل كمعلقة صوتية ومؤدية دبلجة محترفة، وبين تقديم البرامج الإذاعية المباشرة وإدارة الحوارات. كما تمتلك خبرة تعليمية ثرية في تدريس اللغتين العربية والفرنسية وتطوير المهارات اللغوية للطلاب. وتتميز بقدرات قيادية وتنظيمية واضحة في إدارة المشاريع والتواصل الفعال ضمن فرق العمل المختلفة. وهي تسعى دائماً للمساهمة بخبراتها في تطوير مجالات اللسانيات والإنتاج الإعلامي والترجمة الاحترافية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى