لماذا نبكي على المهاجر؟ الهجرة في العالم فرصة… وفي لبنان جرحٌ جماعي لا يندمل | كتبت عبير درويش

في معظم دول العالم، ينظر إلى الهجرة باعتبارها خياراً طبيعياً في حياة الأفراد الساعين إلى تحسين أوضاعهم المهنية والاقتصادية والعلمية. ملايين الشباب الأوروبيين والآسيويين والأميركيين ينتقلون سنوياً من بلدانهم إلى مدن ودول أخرى بحثاً عن فرص أفضل، دون أن تتحول مغادرتهم إلى قضية وطنية أو مأساة اجتماعية.
لكن في لبنان تبدو الصورة مختلفة تماماً.
فكل موجة هجرة جديدة تتحول إلى حدث وطني، وكل طائرة تقلع محملة بالشباب تحمل معها قصصاً من الحزن والقلق والأسئلة. تودع العائلات أبناءها بالدموع، وتزدحم وسائل التواصل الاجتماعي برسائل الوداع، فيما يتكرر الحديث عن “نزيف الأدمغة” و”خسارة مستقبل الوطن”.
فلماذا تأخذ الهجرة في لبنان هذا البعد العاطفي والاجتماعي العميق؟ وهل هي فعلاً ظاهرة مرضية ومؤشر على فشل الدولة، أم أنها سلوك طبيعي وصحي يحدث في كل المجتمعات الحديثة؟
الهجرة ليست ظاهرة لبنانية
يؤكد خبراء الهجرة أن انتقال البشر بين الدول بحثاً عن فرص أفضل ليس أمراً استثنائياً، بل أحد أبرز ملامح العالم المعاصر.
يقول أستاذ علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية: “في عصر العولمة أصبح التنقل جزءاً من الحياة المهنية الطبيعية. الطبيب والمهندس والباحث والطالب ينتقلون حيث توجد الفرص الأفضل، وهذا يحدث في كندا وألمانيا والهند والصين كما يحدث في لبنان”.
ويضيف: “من الخطأ النظر إلى كل مهاجر على أنه شخص هرب من وطنه. كثيرون يهاجرون لاكتساب خبرات جديدة ثم يعودون لاحقاً إلى بلدانهم أو يحافظون على ارتباط اقتصادي وثقافي معها”.
وتشير تقارير دولية إلى أن مئات الملايين من الأشخاص يعيشون خارج بلدانهم الأصلية، وأن الاقتصادات الحديثة تعتمد بدرجات متفاوتة على حركة الكفاءات ورؤوس الأموال والعمالة بين الدول.
لماذا تبدو الهجرة أكثر إيلاماً في لبنان؟
بالرغم من أن الظاهرة عالمية، يرى علماء الاجتماع أن خصوصية المجتمع اللبناني تمنح الهجرة بعداً عاطفياً مختلفاً.
فاللبناني يعيش ضمن شبكة اجتماعية وعائلية كثيفة مقارنة بالعديد من المجتمعات الغربية. العائلة الممتدة لا تزال تلعب دوراً محورياً في الحياة اليومية، والعلاقات الأسرية تتجاوز غالباً حدود الأسرة النووية.
تقول أخصائية علم النفس الاجتماعي: “في لبنان لا يغادر فرد واحد فقط، بل تشعر العائلة كلها بأنها فقدت جزءاً منها. العلاقة بين الأبناء والأهل والأقارب أكثر التصاقاً من مجتمعات كثيرة أخرى، لذلك تبدو الهجرة وكأنها اقتلاع عاطفي وليس مجرد انتقال جغرافي”.
ويضاف إلى ذلك عامل آخر يتمثل في تكرار الأزمات اللبنانية.
ففي دول كثيرة يهاجر الشباب بدافع الطموح واكتساب الخبرات، بينما يشعر عدد كبير من اللبنانيين أنهم يهاجرون اضطراراً بسبب الانهيار الاقتصادي وضعف فرص العمل وعدم الاستقرار السياسي والأمني.
ويقول باحث في الشؤون الاجتماعية: “المشكلة ليست في الهجرة نفسها، بل في شعور الناس بأن أبناءهم لا يغادرون لأنهم يريدون ذلك فقط، بل لأن الظروف دفعتهم إليه”.
بين “هجرة الفرصة” و”هجرة اليأس“
يفرق الخبراء بين نوعين من الهجرة.
الأولى هي “هجرة الفرصة”، حيث ينتقل الفرد إلى بلد آخر لتطوير مسيرته المهنية والعلمية رغم توفر حياة مستقرة نسبياً في وطنه.
أما الثانية فهي “هجرة اليأس”، عندما يشعر الفرد أن آفاق التقدم في بلده شبه معدومة.
ويرى متخصصون أن جزءاً كبيراً من الحسرة اللبنانية نابع من انتقال الهجرة خلال السنوات الأخيرة من كونها خياراً إلى كونها ضرورة بالنسبة لعدد متزايد من الشباب.
ويقول أحد الخبراء الاقتصاديين: “عندما يغادر أفضل الأطباء والمهندسين والباحثين لأنهم لا يجدون فرصاً مناسبة داخل البلد، يشعر المجتمع بأنه يخسر استثمارات بشرية ضخمة أنفق سنوات في تعليمها”.
هل الهجرة ظاهرة صحية؟
لا يقدم العلم جواباً واحداً على هذا السؤال.
فمن جهة، تعتبر الهجرة مؤشراً إيجابياً على قدرة الأفراد على الانفتاح واكتساب الخبرات والتفاعل مع أسواق العمل العالمية.
وقد استفاد لبنان تاريخياً من الانتشار اللبناني الواسع في العالم، سواء عبر التحويلات المالية أو الاستثمارات أو نقل الخبرات والمعارف.
ويقول خبير اقتصادي: “لو لم يكن هناك اغتراب لبناني واسع، لكان الاقتصاد اللبناني واجه صعوبات أكبر بكثير خلال العقود الماضية. التحويلات المالية للمغتربين شكلت دائماً ركيزة أساسية للاقتصاد”.
لكن من جهة أخرى، تتحول الهجرة إلى مشكلة عندما تفقد الدولة قدرتها على الاحتفاظ بكفاءاتها الأساسية.
فعندما تصبح الجامعات تخرّج اختصاصيين يعملون مباشرة في الخارج، وتخسر المستشفيات والمدارس والشركات كوادرها المؤهلة، تبدأ آثار ما يعرف بـ”نزيف الأدمغة” بالظهور على التنمية والإنتاجية والابتكار.
ماذا يقول الشباب؟
المفارقة أن معظم الشباب اللبنانيين لا ينظرون إلى الهجرة بوصفها قطيعة مع الوطن.
فالكثير منهم يعتبرونها مرحلة مهنية أو علمية قد تفتح الباب للعودة مستقبلاً إذا تحسنت الظروف.
تقول مهندسة شابة تعمل في إحدى دول الخليج: “لم أغادر لأنني لا أحب لبنان، بل لأنني أريد مستقبلاً أفضل. لو توفرت الفرص نفسها في بلدي لكنت فضلت البقاء قرب عائلتي”.
ويعكس هذا الرأي توجهاً متزايداً لدى جيل جديد يرى العالم مساحة مفتوحة للحياة والعمل، مع الاحتفاظ بروابطه الثقافية والعاطفية مع وطنه الأم.
بين الوجع والفرصة
في النهاية، قد لا تكون المشكلة الحقيقية في الهجرة بحد ذاتها، بل في الأسباب التي تدفع إليها.
فالهجرة كانت دائماً جزءاً من تاريخ اللبنانيين، بل ساهمت في بناء واحدة من أكبر شبكات الاغتراب في العالم. لكن الفرق بين الأمس واليوم أن اللبنانيين باتوا يخشون أن تتحول الهجرة من خيار للتطور إلى مسار إجباري للهروب من الأزمات.
ولهذا السبب لا تُستقبل الطائرة المغادرة في لبنان كما تُستقبل في كثير من الدول الأخرى. فخلف كل مسافر حكاية عائلة، وخلف كل حقيبة سؤال معلّق: هل هي رحلة بحث عن فرصة جديدة… أم خسارة جديدة لوطن لا يتوقف عن تصدير أبنائه؟
وربما لهذا السبب تحديداً، لا يبكي اللبناني على الهجرة نفسها، بل على الظروف التي جعلت البقاء يبدو أصعب من الرحيل.




