لماذا نجح البلاشفة وفشلنا؟ تشريح ثورة يناير بمشرط لينين | بقلم الكاتب السياسي مجدي منصور


لقاء صدفة مع لينين: حين تتحدث المكتبة

لا أعرف لماذا قبل النوم بالأمس توجهت لمكتبتي وظللت أنظر للكتب فيها دون هدف محدد، فقط النظر للكُتب، وفجأة وقعت عيني على مجموعة كتب لفيلسوف الثورة ومنظرها وقائدها “فلاديمير إيلتش لينين”، وهي مجموعة حصلت عليها مجاناً من مكتبة مدرستي الإعدادية (ولتلك قصة تستحق أن أرويها في يوم من الأيام لأنها تُظهر بجلاء فكر الدولة البوليسية في وضع وتسيير السياسة التعليمية في مصر المُباركية)!
أمسكت بالكتُب ونظرت للعناوين (الدولة والثورة، ما العمل؟، مرض الطفولة اليساري، رسائل حول التكتيك، هل يحتفظ البلاشفة بالسلطة؟، خطوة للأمام، خطوتان للخلف) وغيرها.
أمسكت بكتاب (الدولة والثورة) وجدتني قد سجلت عليه أننى قرأته أربع مرات كانت الأولى وأنا في السنة الثانية من الثانوية العامة، وأخرها عام 2012، أي أننى أعود للكتاب قارئاً ودارساً منذ أخر مرة قرأته بعد أربعة عشر عاماً، وتلك قيمة الأفكار عندما تتخطى حدود الزمن!

وصية محمد عودة: التاريخ مفتاح فهم الفكر
في حافظة دروسي الثقافية و السياسية درس تعلمته من أ. “محمد عودة” (الكاتب والصحفي اليساري المعروف والشهير ب “غاندي الثقافة المصرية”) وكنا يومها في دورة تثقيفية في أحد الأحزاب اليسارية (قبل أن يسطوا عليه المُخبرين وكتبة التقارير والإمعات الفشلة معدومي القدرات الطامعون في عضوية المجالس المعينة من هذا الجهاز أو ذاك!، وقد فضح هؤلاء الصحفي المعروف أ. “عبد الله إمام” (رئيس تحرير جريدة العربي الأسبق والقيادي الناصري المعروف في كتابه: “حياتي في الصحافة”، وقد ذكر إمام رحمه الله نموذجين أطلق على أحدهما «السيراميكي» وكان ذلك الرجل وزيراً سابقاً!!، والنموذج الأخر أطلق عليه«البلاستيكى»!! وهو رجل تاريخه أمنى بامتياز في الدولة الناصرية والغريب أنه بدأ شاباً في مخابرات “صلاح نصر”(رئيس المخابرات العامة وقتها) وانتهى محترفاً في كتابة التقارير عن زملاءه في التنظيم الطليعي لمباحث “شعراوي جمعة”(وزير الداخلية وأمين التنظيم الطليعي وقتها)!

وأصبح بعد ذلك «أكاديمي» و«رجل أعمال» و«مليونير» في بدلة واحدة!، وقد أصبح هو ومصنعه القناة الخلفية التي تتلقى التمويلات لصالح الحزب (مع السيراميكي) من النظم القومية وقتها (نظام القذافي في ليبيا، وبعث صدام في العراق ومعهم بعث الأسد في سوريا حسب الظروف والاحتياجات!).
ولعل أهم ما في مذكرات إمام أن الرجل نشر ذلك الكلام في حياة أصحابها، وتحداهم أن ينكروا، ولم يستطيع أياً من الرجُلين (البلاستيكي أو السيراميكي) أن يُكذب كلام إمام أو يعترض أو ينبُذ ببنت شفه!
المهم، كانت نصيحة الأستاذ عودة لنا ونحن الشباب الصغار وهو المُعلِم الكبير:
«أول خطوة في قراءة أي كتاب أن تعرفوا الظرف التاريخي والاجتماعي الذي صاحب ظهور الكتاب كي تستطيعون أن تفهموا أفكاره».
وبتطبيق نصيحة عودة أقول:
أن الأجواء التي كُتب فيها كتاب “الدولة والثورة” تُعد من أكثر اللحظات حرجاً وكثافة في التاريخ السياسي الحديث. فكتاب لينين لم يكن مجرد «ترف فكري»، بل كان «دليل عمل» كُتب تحت ضغط أحداث عالمية ومحلية متسارعة.
الظرف التاريخي: كيف تحول الكتاب إلى «دليل عمل»؟
فقد كان هناك أولاً – جحيم الحرب العالمية الأولى

فقد عاصر لينين انهيار النظام العالمي القديم. حيث كانت الحرب العالمية الأولى تُمزق أوروبا، ورأى فيها لينين «حرباً إمبريالية» تُضحي بدماء العمال من أجل مصالح الرأسماليين. وهذا الواقع خلق حالة من اليأس العام والبحث عن بديل جذري للنظام الذي أنتج هذه المجازر.
وكان هناك ثانياً – انهيار الأممية الثانية (خيانة الاشتراكيين):

فقبل الحرب، كانت الأحزاب الاشتراكية في أوروبا تعاهدت على معارضة أي حرب بين الدول. لكن عند اندلاعها، صوتت معظم هذه الأحزاب (خاصة الحزب الاشتراكي الديمقراطي الألماني) لصالح ميزانيات الحرب في بلدانها. واعتبر لينين هذا «خيانة عظمى» للماركسية و«انتهازية» حولت الاشتراكيين إلى «خدم» للبرجوازية الوطنية.
وكان هناك ثالثاً – ثورة فبراير 1917 وسقوط القيصر

ففي فبراير 1917، اندلعت ثورة في روسيا أطاحت بالقيصر “نيقولا الثاني”. تشكلت بعدها «سلطة مزدوجة»:
- الحكومة المؤقتة: وتمثل البرجوازية وتسعى لاستمرار الحرب.
- السوفيتات (مجالس العمال والجنود): وتمثل الجماهير الثائرة لكنها كانت تفتقر لرؤية واضحة حول استلام السلطة.
وكان هناك رابعاً – «أيام يوليو» والاختباء في فنلندا

فبعد مظاهرات عارمة في يوليو 1917، شنت الحكومة المؤقتة حملة قمع ضد البولشفيك (أو البلاشفة وهم الفصيل الأكثر راديكالية وتنظيماً في الحركة الاشتراكية الروسية، وهم الذين قادوا ثورة أكتوبر عام 1917 وأسسوا الاتحاد السوفيتي). واضطر “لينين” للهرب والاختباء في كوخ في “رازليف” ثم في فنلندا. وفي هذا المخبأ، ووسط الغابات، وفي تلك اللحظة التي كان فيها مصير الثورة على المحك، كتب لينين مسودة أطروحته “الدولة والثورة”.
أهداف لينين الكبرى: استعادة الجوهر وتحطيم الدولة البرجوازية
وفى تلك الأجواء المشحونة بالخوف والقلق كتب لينين هذه الأطروحة، ولم يكن هدف لينين أكاديمياً، بل كان يرمي إلى تحقيق ثلاثة أهداف كبرى:
الهدف الأول – استعادة “الجوهر الثوري” للماركسية

فقد اعتقد لينين أن قادة الاشتراكية الدولية (مثل كارل كاوتسكي) قد «عقموا» الماركسية وحولوها إلى «عقيدة إصلاحية هادئة» تقبل ببقاء الدولة البرجوازية. وكان هو (أي لينين) يريد من خلال نصوص ماركس وإنجلز إثبات أن الثورة لا تعني «تحسين» الدولة بل «تحطيمها».
الهدف الثاني – التأسيس النظري لثورة أكتوبر

كان لينين يخطط «للاستيلاء» على السلطة، وكان يحتاج إلى رد على سؤال جوهري: ماذا سيفعل البولشفيك بجهاز الدولة في اليوم التالي للثورة؟
ولذلك فقد كان عليه أن يشرح للعمال والجنود أنهم لن يحلوا محل الوزراء والجنرالات فحسب، بل سيخلقون نظاماً جديداً (ديكتاتورية البروليتاريا) يمهد الطريق لإدارة المجتمع لنفسه.
الهدف الثالث – تصفية الحساب مع “الفوضويين” و”الإصلاحيين”

وفى ذلك الظرف الصعب خاض لينين حرباً على جبهتين نظريتين:
الجبهة الأولى- ضد الإصلاحيين: الذين أرادوا الوصول للحكم عبر البرلمان والانتخابات (وهو ما رآه لينين وهماً).
والجبهة الثانية- الفوضويين (الأناركيين): الذين أرادوا إلغاء الدولة فوراً دون مرحلة انتقالية. وقد أراد لينين من أطروحته إثبات ضرورة وجود «دولة انتقالية» لقمع المقاومة المضادة للثورة وتنظيم الاقتصاد قبل الوصول للمرحلة الشيوعية.
وفى اعتقادي كقارئ للتاريخ أن كتاب لينين كان بمثابة «المانيفستو العسكري» لثورة أكتوبر. فقد كتبه لينين ليكون السلاح الفكري الذي يبرر به «القفز» نحو السلطة و«كسر» شرعية الحكومة المؤقتة. والحقيقة بالنسبة للينين وقتها، أن الدولة كانت «جثة» يجب «دفنها» لبناء عالم جديد، ولم يكن هناك وقت للانتظار، فالتاريخ كان يتحرك أمامه بسرعة أكبر من سرعة الرصاص المنطلق على جبهات القتال.
تشريح يناير: أين أخطأنا وأصاب لينين؟

تركت الكتاب جانباً، وقلت لو طبقنا نظرية لينين في أطروحته “الدولة والثورة” على ثورة يناير 2011 سنجد:
- مفهوم “الدولة العميقة”

كان لينين يدرك أن الدولة ليست هي الرئيس أو الوزراء، بل هي «البيروقراطية والأمن». وهنا يجب التفصيل، فلينين في كتابه كان يرى وجوب «تحطيم» آلة الدولة وفى هذه الفقرة يُميز فيها لينين بين «المصلحين» و«الثوريين»، مؤكداً أن الاستيلاء على الدولة لا يكفي، بل يجب نسفها حين يقول:
«إن تحرير الطبقة المظلومة لا يمكن ليس بدون ثورة عنيفة فحسب، بل وأيضاً بدون تحطيم “جهاز سلطة الدولة” الذي أنشأته الطبقة السائدة».
وهم تغيير الوجوه وبقاء «العصب»

ولعل الدرس هنا هو أن تغيير الوجوه السياسية دون المساس بـ «عصب» الجهاز البيروقراطي والأمني يعني أن الدولة القديمة «ستعيد إنتاج نفسها»، وهو ما حدث في مصر تحت مسمى «الدولة العميقة».
2. خطر «العفوية» وغياب القيادة الحديدية

يؤكد لينين أن الجماهير وحدها «لا يمكنها بناء نظام جديد»؛ فهي قادرة على «الهدم» ولكن البناء يحتاج إلى «تنظيم حديدي». وهنا استفادت القوى المنظمة في مصر (مثل الإخوان المسلمين لاحقاً، أو مؤسسات الدولة) من تشتت القوى الثورية «العفوية» التي لم تقرأ نصيحة لينين بضرورة وجود مركز قيادي موحد.
3.”أوهام” الديمقراطية البرلمانية 
ينتقد لينين بشدة الاعتقاد بأن الانتخابات في ظل الدولة القديمة ستؤدي لتغيير حقيقي من وجهة نظره، بينما كانت انتخابات 2011-2012 في مصر «فخاً» استنزف الطاقة الثورية في صراعات صناديق الاقتراع، بينما ظلت موازين القوى الحقيقية (السلاح والمال والإدارة) في يد الدولة القديمة.
4.الرومانسية الثورية وحتمية الصدام

5.مفهوم الإيديولوجيا:

يرى لينين في أطروحته: رؤية طبقية واضحة (عمال وفلاحين ضد رأسماليين وإقطاع) والمعادلة هنا يجب ان تكون صفرية.
بينما في يناير: حدث تحالف واسع (غريب وعجيب) عابر للطبقات والأيدولوجيات (ليبراليين، إسلاميين، يساريين) بلا رؤية مشتركة أو تفاهمات على استراتيجيات لبناء المستقبل أو حتى الاتفاق على برنامج إصلاح اقتصادي موحد.
تركت القلم من يدي وقلت: إن كتاب “الدولة والثورة” يعلمنا أن الثورات لا تكتمل في الميادين فقط، بل تنتهي حين ينجح الثوار في بناء «جهاز دولة بديل» وقادر على إدارة شؤون الناس وتوفير احتياجاتهم، وحماية نفسه من الارتداد سواء من داخل الثورة نفسها أو من خارجها، وهذا ما فشلت فيه الثورة المصرية بينما نجحت فيه الثورة البلشيفية.
درس “كروميل”: مصير الأحلام التي لا تحميها القوة

وفى اعتقادي أن لينين وهو يكتُب أطروحته كان دائماً أمامه ما حدث من الثورة المضادة «لأوليفر كروميل» في بريطانيا.
فقد كان “كروميل” قد قاد أول ثورة في أوروبا ضد الملكية وهوى رأس الملك تحت أقدام الثورة، وانتصرت الثورة بصيحات وتضحيات الثوار، ولكن حين دارت العجلة ومات «كروميل» وانتصرت الثورة المضادة وعادت الملكية إلى انجلترا أصر ابن الملك العائد إلى العرش بعد انتكاسة الثورة على «محاكمة كروميل» وتشكلت محاكمة لكروميل سُميت «محكمة القرود» وقررت بأمر الملك الجديد تنفيذ حكم الاعدام في كروميل، ولكن كروميل كان قد مات.
وهكذا بأمر الملك الجديد حُفر قبر «كروميل» وأخرج هيكله العظمى وعلق من حبل مشنقة!
وكان ذلك نموذجاً على أفعال الثورة المضادة حين تنتصر على الثورة الأصيلة، وما أصعب وأقسى من أن تُغتال الأحلام النبيلة في ظلام المؤامرة القبيحة الدنيئة.
الخاتمة المرة: الثورة التي لا تكتمل هي انتحار مؤجل

وأخيراً – إن مشهد الهيكل العظمي لـ “كروميل” وهو يتأرجح على المشنقة بعد موته، ليس مجرد حكاية من غبار التاريخ، بل هو تجسيد لمصير كل من يجرؤ على إرباك نظام الدولة (بيروقراطية الأجهزة) دون أن يملك القدرة على استبدالها.
فالثورة المضادة لا تكتفي بالعودة، بل تعود بـ «أنياب» لتنتقم حتى من الأحلام التي لم تكتمل. لقد نجح البلاشفة لأنهم أدركوا أن السلطة لا تُهدى بل تُنتزع، وفشل ثوار يناير لأنهم بحثوا عن «شرعية» من خصومهم.
وتبقى الحقيقة المُرة: أن الثورات التي لا تكتمل، هي مجرد «انتحار مؤجل» في انتظار عودة الملك ممسكاً بحبل مشنقة ليعلق عليه جُثث الثوار وأحلامهم أيضاً.




