الاحدثالشرق الاوسط
وليد جنبلاط في دمشق: من يقرع الجرس هذه المرة؟ | بقلم فاروق غانم خداج

في لحظة إقليمية تتسم بإعادة تشكّل الخرائط السياسية أكثر مما تتسم بالاستقرار، تأتي زيارة رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي وليد جنبلاط إلى دمشق بوصفها إشارة قابلة لقراءات متعددة، لا حدثاً معزولاً. فهي لا تُفهم كزيارة بروتوكولية عابرة، بل كحلقة جديدة في مسار طويل ومعقّد من العلاقة بين الزعامة الجنبلاطية وسوريا، حيث تتداخل السياسة بالتاريخ، الضرورة بالهواجس، والموقف بالمرونة.
منذ البداية، لا يمكن التعامل مع هذه الزيارة خارج طبيعة وليد جنبلاط نفسه، فهو ليس فاعلاً سياسياً تقليدياً، بل لاعب يتحرك على تخوم التناقضات، ويعيد تموضعه باستمرار وفق التحولات الداخلية والإقليمية. لذلك، فإن أي حركة له باتجاه دمشق لا تُقرأ كقرار لحظي، بل كاختبار دقيق للاتجاه العام، ومحاولة لالتقاط الإشارات قبل أن تتبلور التحولات النهائية.
لكن الجديد في هذه المرحلة لا يتعلق فقط بجنبلاط، بل بسوريا نفسها. فدمشق اليوم ليست هي دمشق السابقة التي حكمتها معادلات الصراع الحاد والمواجهة المفتوحة، بل هي ساحة تعيد صياغة موقعها في الإقليم ضمن تحولات أوسع في النظام العربي. هذا التحول يضع اللاعبين اللبنانيين أمام واقع جديد: لا يمكن تجاهل دمشق، لكن لا يمكن أيضاً العودة إليها بالمنطق القديم نفسه.
وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى التحول العربي الأوسع تجاه سوريا، كما تجلّى في قمة الرياض 2023 وإعادة مقعد دمشق إلى الجامعة العربية، وهو ما يعكس براغماتية عربية جديدة تتجاوز منطق القطيعة إلى منطق إدارة المصالح.
من هنا، يمكن قراءة الزيارة عبر أكثر من طبقة مترابطة.
الطبقة الأولى هي الطبقة الشخصية–السياسية. فقد اعتاد جنبلاط استخدام الغطاء الاجتماعي أو العائلي أو غير الرسمي كوسيلة للتحرك في الملفات الثقيلة. فزياراته السابقة إلى دمشق غالباً ما حملت طابعاً غير سياسي مباشر، وهو ما يمنحه مساحة مناورة واختبار للمزاج السياسي قبل تثبيت أي خطوة أعمق. هنا يصبح “الشخصي” جزءاً من أدوات السياسة، لا نقيضاً لها.
الطبقة الثانية هي الطبقة الإقليمية. فالحركة العربية تجاه سوريا خلال السنوات الأخيرة أعادت إدماج دمشق تدريجياً في النظام العربي، ولو بصيغة مختلفة عن الماضي. هذا الواقع الجديد لا يعني انحيازاً، بل إدارة مخاطر: دمشق موجودة، لكن ضمن توازنات مختلفة وأكثر حذراً. وبالتالي تبدو زيارة جنبلاط كتكيف مع موجة قائمة لا كصناعة لها.
الطبقة الثالثة هي الطبقة اللبنانية الداخلية. فجنبلاط يتحرك دائماً ضمن توازنات دقيقة داخل المشهد اللبناني، حيث تتقاطع الاعتبارات الطائفية والسياسية والجغرافية. وهو يدرك أن أي انفتاح غير محسوب على دمشق أو أي قطيعة معها ينعكس مباشرة على موقعه داخل الجبل وفي المعادلة الوطنية، ما يجعل خطواته محسوبة وتدريجية.
ولكن يمكن إضافة طبقة رابعة أكثر حساسية: الطبقة الاجتماعية–الحدودية، حيث تتجاوز العلاقة الدرزية السياسة إلى الواقع اليومي. فشبكة القرى والعائلات والمصاهرات والحركة عبر الحدود تجعل من العلاقة اللبنانية–السورية علاقة حياة يومية، لا مجرد قرار سياسي، ما يمنح أي تحول بعدها الإنساني المباشر.
ضمن هذا الإطار، يبرز البعد الدرزي الإقليمي. فجنبلاط يدرك أن الطائفة الدرزية في سوريا تدخل مرحلة إعادة تعريف موقعها في ظل التحولات الكبرى التي تشهدها البلاد. وهنا قد تحمل الزيارة رسالة غير معلنة مفادها أن هناك من يراقب التوازنات ويحاول حماية هامش استقرار للطائفة في مرحلة انتقالية ضبابية، دون الدخول في التزامات سياسية صريحة.
كما لا يمكن إغفال ملف النازحين السوريين في لبنان، وهو من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، ولا يمكن معالجته من دون تواصل مباشر أو غير مباشر مع دمشق، ما يجعل جنبلاط بحكم موقعه الوسطي مرشحاً دائماً للعب دور الوسيط غير المعلن في أي تسوية مستقبلية.
لكن السؤال الجوهري يبقى: ماذا يريد جنبلاط من دمشق تحديداً؟
يمكن تلخيص ذلك في ثلاث نقاط أساسية:
الحفاظ على قنوات تواصل لبنانية–سورية مفتوحة.
تأمين نوع من الاستقرار والاطمئنان للبيئة الدرزية على جانبي الحدود.
البقاء لاعباً محورياً في أي إعادة تشكيل إقليمية مقبلة، لا متلقياً لها فقط.
وفي خلفية هذا كله، تبقى سوريا نفسها في حالة تحوّل عميق، لا يمكن وصفه بالعودة إلى ما كان، بل بإعادة إنتاج جديدة لدورها وموقعها، ربما بصيغة أكثر براغماتية، تجعل العلاقات معها علاقات مصالح متبادلة لا اصطفافات نهائية.
من هنا، تبدو زيارة جنبلاط أقرب إلى “اختبار ميزان” منها إلى “تغيير مسار”. فهو لا يقرع باب دمشق ليعلن تحولاً، بل ليقيس حرارة المرحلة وحدود الممكن والمستحيل في لحظة إقليمية مفتوحة على الاحتمالات.
ومع ذلك، تبقى الإشارة الأهم أن “جرس دمشق” الذي يقرعه جنبلاط هذه المرة ليس إعلان عودة أو قطيعة، بل اختبار لحدود مرحلة جديدة تتشكل ببطء.
وإذا كان جنبلاط يقرع الجرس اليوم، فإن دمشق بدورها تنتظر لترى ما إذا كان خلف الجرس من يصغي أم مجرد عابر يختبر الصوت.
في النهاية، إنها جزء من سياسة لبنانية–سورية لا تعرف القطيعة، بل إعادة تشكيل العلاقات بأدوات جديدة، حيث الثابت الوحيد هو الحركة المستمرة والأسئلة الأكثر حضوراً من الأجوبة.




