الاحدثمراجعة كتب

أثر العرب في الحضارة الأوروبية – عباس محمود العقاد: بين الطاولة والزمان | بقلم فاروق غانم خداج

حملتُ كتاب أثر العرب في الحضارة الأوروبية للمفكر والأديب عباس محمود العقاد من مكتبتي، ولم أكن أحمل كتابًا بقدر ما كنت أحمل زمنًا كاملًا انطوى بين دفتيه، زمنًا ينهض كلما فُتحت صفحة، ويستعيد صوته كلما هدأ الليل. كان اسمه مألوفًا في ذهني، لكن الاسمُ شيءٌ، وأن تضع يدك على الغلافِ شيءٌ آخر؛ فبينهما مسافةٌ من التجربةِ لا يختصرها السماعُ، ولا تُغني عنها الذاكرةُ.

وضعته على طاولتي الخشبية كمن يضع ضيفًا قديمًا في بيتٍ يعرفه ولا يعرفه في آنٍ. لم أكن أتهيأ للقراءة بوصفها فعلًا عابرًا، بل بوصفها دخولًا في محاكمةٍ فكريةٍ طويلةٍ، يتصدرها العقاد لا كراوٍ للتاريخ، بل كمحاورٍ له، يجرّه إلى ساحةِ العقلِ، ويطالبه بأن يبرّر نفسه قبل أن يُروى.

في الليلةِ الأولى، كان الصمتُ أكثرَ من مجرد غيابِ صوتٍ؛ كان حالةً كاملةً من الانكشافِ الداخليِّ. قرأتُ فشعرتُ أن العقاد في هذا الكتاب لا يسرد تاريخ العرب، بل يعيد ترتيب علاقةِ الإنسانِ بالتاريخِ نفسه. لا يقبل أن تكون الحضارةُ حكايةَ خطٍّ مستقيمٍ تبدأ من مكانٍ وتنتهي عند آخر، بل يراها كتيارٍ يتنقّل بين الأممِ، يعلو حينًا ويخفت حينًا، لكنه لا ينقطعُ.

ومن هنا يبدأ اعتراضُه الضمنيُّ على كلِّ قراءةٍ تختزل أوروبا في “بدايتها الخاصة”، أو تختزل العرب في دورِ الوسيطِ الصامتِ. فالحضارةُ عنده ليست ملكًا، بل حركةُ عقلٍ، تتبادل فيها الأممُ أدوارَ البناءِ لا أدوارَ التلقي فقط.


في الليلةِ الثانية، اتسعت الرؤيةُ. لم يعد الكتابُ نصًّا، بل صار خريطةً فكريةً تمتد من اليونانِ إلى العالمِ الإسلاميِّ ثم إلى أوروبا، كما يعرض العقاد في هذا العمل الذي يتتبع حركة المعرفة عبر التاريخ. هنا يظهر أثرُ الفلسفةِ اليونانيةِ كما عند أرسطو وأفلاطون، لكن ليس بوصفها نصوصًا ثابتةً، بل بوصفها مادةً أعاد العقلُ الإسلاميُّ معالجتها.

وهنا تتجلى الفكرةُ المركزيةُ في مشروعِ العقاد: أن العربَ لم يكونوا ناقلين للمعرفةِ، بل كانوا مرحلةً من مراحلِ تشكّلِها. لقد أخذوا الفكرةَ، ثم أداروها في مختبرِ العقلِ، فخرجت بصياغةٍ جديدةٍ، أكثرَ تركيبًا، وأكثرَ قدرةً على الانتقالِ.

ومن هذا الفهم ينفتح البابُ على أسماءٍ كبرى، لا بوصفها أفرادًا، بل بوصفها علاماتٍ على لحظةٍ حضاريةٍ. يظهر ابن سينا لا كطبيبٍ فحسب، بل كمشروعٍ فكريٍّ يرى الإنسانَ في امتدادِ الجسدِ والعقلِ معًا، حتى صار كتابُه “القانون في الطب” مرجعًا طويلَ العمرِ في جامعاتِ أوروبا لقرونٍ. ويظهر ابن رشد بوصفه العقلَ الذي عبر من الفلسفةِ الإسلاميةِ إلى الفكرِ اللاتينيِّ، حتى صار في أوروبا اسمًا للفلسفةِ الشارحةِ، لا مجرد اسمٍ لفيلسوفٍ.

لكن اللحظةَ الأعمقَ في الكتاب تبدأ حين يصل العقاد إلى المكانِ الذي تكثفت فيه التجربةُ: الأندلس. ليست الأندلسُ عنده جغرافيا، بل حالةٌ من التعايشِ بين العلمِ والفكرِ واللغةِ والاختلافِ. هناك لم تكن المعرفةُ محصورةً في طبقةٍ أو دينٍ أو لغةٍ، بل كانت حركةً يوميةً تتنقل بين المراكزِ وتتشكل من التفاعلِ.

ومن تلك البيئةِ، كما يوضح العقاد، تسربت العلومُ إلى أوروبا عبر الترجمةِ، لكن الترجمةَ هنا ليست نقلَ كلماتٍ، بل نقلَ أنماطِ تفكيرٍ. لم يكن الأوروبيُّ يقرأ نصًّا عربيًّا فقط، بل كان يتعلم طريقةً أخرى في النظرِ إلى العالمِ.

وفي هذا السياقِ، يعيد العقاد ضبط ميزانِ الروايةِ التاريخيةِ التي تميل أحيانًا إلى جعل النهضةِ الأوروبيةِ انبثاقًا داخليًا خالصًا. هو لا ينفي أوروبا، ولا يمجّد غيرها، بل يضعها داخل شبكةِ التأثيرِ المتبادلِ، حيث لا تبدأ حضارةٌ من فراغٍ، ولا تنمو بمعزلٍ عن ما قبلها.

في الليلةِ الثالثةِ، لم أعد أقرأ الكتابَ، بل كنت أقرأ نفسي من خلاله. كان الليلُ أهدأَ من المعتادِ، وكأن الزمنَ نفسه توقف قليلًا ليمنح الفكرةَ حقَّها في التكوينِ. شعرت أن العقاد لا يدافع عن العربِ بقدر ما يدافع عن فكرةٍ أعمق: أن الحقيقةَ التاريخيةَ لا تُبنى على الامتيازِ، بل على التداخلِ.

وما يميز هذا الكتابَ أنه لا يقع في خطابةِ الانتصارِ، ولا في انفعالِ الدفاعِ، بل يبقى داخل حدودِ العقلِ، حتى حين يقترب من القضايا الحساسةِ في التاريخِ. لذلك جاء نصه أشبه ببناءٍ متدرجٍ، ينتقل من الفكرةِ إلى الدليلِ، ومن الدليلِ إلى إعادةِ صياغةِ الفهمِ العامِّ للحضارةِ.

ومع كلِّ هذا، لم يكن جوهرُ الكتاب في “إثبات أثر العرب” فقط، بل في إعادة تعريف معنى “الأثر” ذاته. فالأثرُ عند العقاد ليس انتقالَ فكرةٍ، بل إعادةَ إنتاجِها داخل سياقٍ جديدٍ، بحيث تصبح جزءًا من بنيته الداخليةِ. وهكذا، لا يعود العربُ هامشًا في التاريخِ الأوروبيِّ، بل يصبحون أحد روافدِه التكوينيةِ.

وحين وصلتُ إلى الصفحةِ الأخيرةِ، لم أشعر أن الكتابَ انتهى، بل شعرت أنني خرجتُ من امتحانٍ هادئٍ لكنه عميقٌ، امتحانٍ لا يسأل عن المعلوماتِ، بل عن طريقةِ النظرِ إلى العالمِ. أغلقتُ الغلافَ، لكن الفكرةَ بقيت مفتوحةً.

وغادرتُ الطاولةَ، لكن الطاولةَ لم تغادرني. صار الكتابُ خلفي كظلٍّ لا يُرى لكنه يُحسُّ، وظلّ السؤالُ يرافقني بهدوءٍ لا يطلب جوابًا سريعًا:

هل الحضارةُ ما نرثه كما يُقال لنا… أم ما نكتشف أننا كنا شركاءَ فيه دون أن ندري؟

وهكذا، بقي الكتابُ على طاولتي بعد أن أُغلق، لكنه لم يعد كتابًا. صار سؤالًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى