الصورة الكبيرةقراءات معمقة

القبيلة الرقمية والبداوة العالمية في ظل الليبرالية الحديثة وعولمة التيه الإرتحالي | بقلم حيدر المنصوري

الجزء الأول: مأزق الدولة الهجينة حين تسكن سيكولوجية الارتحال داخل جدران المؤسسات

لا تُبنى الدول بالخرسانة والتكنولوجيا والتشريعات وحدها، بل بالذهنية التي تدير تلك الموارد وتفهم معنى الزمن. وفي كثير من المجتمعات الناشئة، نعيش اليوم صراعاً صامتاً ومدمراً بين شكل الدولة الحديثة وجوهر عقلية قديمة يمكن تسميتها بـ العقلية الهجينة، وهي الحالة التي يرتدي فيها المرتحل بذهنيته الصدامية واللحظية بدلة المؤسسات، ليحول الحق إلى مكرمة، والوظيفة إلى فيء.

 

تاريخياً، قامت سيكولوجية الارتحال على عدم اليقين تجاه المكان والمورد. فالعشب والماء قد ينفدان، والمكان مؤقت. هذا النمط التاريخي ولّد استجابة نفسية تركز على الاستهلاك الفوري واقتناص الغنيمة.

 

حين تُنقل هذه السيكولوجية إلى أروقة الدولة الحديثة، نجد المسؤول لا يتعامل مع ميزانية وزارته كبذرة للاستثمار بعيد المدى، بل كـ صيد يجب توزيعه على الأتباع (الزبائن) لضمان الولاء اللحظي. هنا يموت الاستثمار –الذي يتطلب تأجيل الإشباع اللحظي– ويحضر الاستهلاك الشره للموارد. ويتحول المورد كـ صيد لا كـ بذرة. عندما تعجز الدولة عن فرض مفهوم المواطنة المتساوية، تظهر الزبائنية (Clientelism) كحل ترقيعي. في هذا النموذج، لا يحصل المواطن على حقوقه، لأن القانون يكفلها، بل لأن لديه وسيطاً أو سمساراً في مركز القوة. هذا التحول يقتل مفهوم الدولة ككيان معنوي محايد، ويحولها إلى مجموعة من الإقطاعيات الإدارية؛ حيث يُنظر للمنصب العام كـ فيء أو غنيمة استحقها الفرد بناءً على ولائه القبلي أو الحزبي، وليس ككفاءة لخدمة الصالح العام.

 

في العقلية الهجينة، تظهر السلوكيات القبلية والبداوة القائمة على عقلية الإرتحال بوضوح داخل المؤسسات. يتم استبدال معايير الكفاءة بـ الفزعة الوظيفية، وتتحول البيروقراطية إلى أداة لإمتصاص الأنصار بدلاً من تقديم الخدمات. الأخطر في هذا المسار هو تحول الدولة إلى راعية للعطايا، حيث يشعر المواطن بالامتنان (المكرمة) تجاه مسؤول يمنحه ما هو حق أصيل له من مال عام، مما يعطل حس المساءلة ويؤبد الإتكالية.

 

ولكي تتمكن الدولة من الانتقال من الارتحال الذهني إلى الاستقرار المؤسسي لابد لها من تجاوز هذه الأزمة، إذ لا يكمن الحل في رقمنة الخدمات أو تعديل القوانين فحسب، لأنه سيؤدي لرقمنة القبيلة بمفاهيمها البدوية.

 

بل في ثورة ثقافية تنقلنا من سيكولوجية الارتحال البدوية (عقلية الغنيمة والاستهلاك) إلى سيكولوجية الاستقرار (عقلية التراكم والاستثمار). بناء الدولة الحقيقي يبدأ حين يدرك المسؤول والمواطن معاً أن المورد العام ليس فيئاً يُقتسم، بل هو رأس مال وطني ينمو بالعدالة والمؤسسات العابرة للأشخاص، ليكون حقاً مستداماً للأجيال، لا عطية عابرة للزبائن المخلصة -نفاقاً- للمسؤول.

 

جوهر الأزمة البنيوية في كثير من النظم السياسية حين تتحول الدولة من راعية للحقوق إلى موزعة للعطايا. تعمد لخصخصة العام في ظل الزبائنية، ويتم التعامل مع موارد الدولة كـملك خاص للنظام أو الحزب، تُمنح لمن يثبت الولاء، مما يلغي معيار الكفاءة والعدالة.

هذا يعزز تفتيت المجتمع. فالزبائنية تعزز الانتماءات الضيقة (قبلية، طائفية، مناطقية) لأن المواطن يدرك أن المجموعة هي بوابته الوحيدة للوصول إلى المورد، وليس القانون. ويتحول الولاء من الحق إلى المنّة، الأخطر هو الجانب النفسي، حيث يشعر المواطن بالامتنان (المكرمة) تجاه مسؤول هو في الأصل يؤدي واجباً بمال عام، مما يعطل حس المحاسبة والمساءلة. وهذا يعزز استدامة الضعف، فالسلطة في هذا النموذج لا ترغب في تمكين المواطن اقتصادياً أو قانونياً، لأن استقلالية المواطن تعني انتهاء حاجته للسمسار (الموظف). هذا التشويه يحول العلاقة السياسية من عقد مدني قائم على الواجب والحق، إلى عقد تجاري قائم على الخدمة مقابل الصوت الإنتخابي. ففي الدولة الهجينة يتم استعارة شكل المؤسسات الحديثة (وزارات، برلمانات، رتب عسكرية) لكن بمضمون تقليدي قائم على منطق الغنيمة. هذا الانتقال من الوظيفة كخدمة إلى المنصب كفيء يُنتج عدة كوارث إدارية: أولها موت الجدارة (Meritocracy): حين يصبح المنصب مكافأة على الولاء، يتم استبعاد الكفاءات التي لا تملك ظهراً سياسياً، مما يؤدي إلى ترهل المؤسسات وفشلها الوظيفي. وثانيها تضخم البيروقراطية حيث تتحول الوظيفة العامة إلى أداة لامتصاص البطالة بين الأنصار فقط (الزبائن الجدد)، مما يغرق ميزانية الدولة في رواتب مقابل إنتاجية صفرية. كتشجيع الدولة مزارعيها وفلاحيها وصناعييها على ترك أراضيهم ومزارعهم ومصانعهم والإلتحاق بالجيش والشرطة، لتحويلهم من عناصر مستقرة ومنتجة في الاقتصاد إلى عالة عليه. وهذا يؤدي لشرعنة الفساد، فصاحب الفيء لا يرى في أخذ المال العام سرقة، بل يراه استحقاقاً لمكانته أو نضاله أو قربه من مركز القرار، مما يجعل الرقابة القانونية عليه شبه مستحيلة. والأخطر هو تآكل الانتماء الوطني حين يشعر المواطن أنه خارج الدائرة بالاغتراب تجاه دولته، فهي في نظره ليست مؤسسة تحميه، بل شركة يملكها المحظوظون. في هذا النموذج، لا تُقاس قوة المسؤول بمدى التزامه بالقانون، بل بمدى قدرته على تنفيع جماعته، مما يحول الوزارة أو الدائرة إلى إقطاعية إدارية. في العقلية الهجينة، لا تختفي القبيلة، بل ترتدي بدلة وربطة عنق وتمارس نشاطها من داخل المكاتب المكيفة. تظهر السلوكيات القبلية داخل المؤسسة الحديثة من خلال عدة آليات أولها: العصبية الإدارية (Sub-Loyalty): حين يتحول القسم أو المديرية إلى حمى للمسؤول. يتم تعيين الأقارب أو أبناء المنطقة في المراكز الحساسة، ليس بدافع الفساد المالي المباشر دائماً، بل لتشكيل درع بشري يحمي المسؤول ويضمن ولاء الفريق له قبل ولائهم للقانون.

 

وثانيها يطبق الموظفون منطق الفزعة الوظيفية (انصر أخاك) داخل المعاملات الرسمية. يتم تسهيل إجراءات أبناء الجماعة وتعطيل معاملات الغرباء (الأغيار)، مما يحول الإجراء الإداري من حق قانوني إلى خدمة شخصية. وثالثها إعادة تعريف التراتبية، رغم وجود هيكل تنظيمي (مدير، رئيس قسم)، إلا أن القرار الفعلي قد يصدر بناءً على المكانة الاجتماعية خارج الدوام.

 

فقد يترأس موظف صغير اجتماعاً فعلياً لأن مكانته الاجتماعية أو القبلية أعلى من مديره المباشر. ورابعها يُنظر لميزانية المؤسسة أو مواردها (سيارات، انتدابات، مكافآت) كحق مشاع للمقربين، (منطق الخاوة والغنيمة) أي محاولة لضبط هذه الموارد تُفسر كـ عداء شخصي أو استهداف للمجموعة، وليس كإصلاح إداري.

 

وخامسها تعزيز التستر الجماعي حين تسود ثقافة ستر العيوب داخل الدائرة الضيقة؛ حيث يُعتبر الإبلاغ عن فساد زميل من الرهط خيانة للأمانة والقيم، مما يجعل الرقابة الداخلية مشلولة تماماً. هذا التداخل يخلق مؤسسات ذات واجهة مدنية وعمق بدائي، حيث تُستخدم الأدوات الحديثة لتعزيز مكاسب ما قبل الدولة، وتتحول الدولة إلى قبيلة رقمية.

 

سيادة عقلية الغنيمة والاستهلاك مقابل سيكولوجيا الاستقرار وعقلية التراكم والاستثمار.
في علم الاجتماع السياسي والأنثروبولوجيا خاصة في دراسات مثل العصبية لابن خلدون في مقدمته الشهيرة أو كتب وتحليلات ومقالات الدكتور خلدون حسن النقيب. حيث يتم مقارنة العقلية البدوية (التي تعتمد على القرابة والولاء الشخصي) بـ العقلية الحضرية التي تعتمد على المؤسسات، الفكرة، والقانون العام.

وبالاستعانة بهما لابد لنا من تفكيك هذه الفكرة ومتابعة تطورها فالولاء في العقلية البدوية تكون العشيرة مقابل الدولة. العقل البدوي عقل العصبية، الولاء فيه عمودي وشخصي لشيخ العشيرة، وأفقي لأفراد العشيرة. وهي وسيلة الحماية والأمن، لذا يتم تقبل القائد لضمان التماسك. بينما العقل الحضري عقل الدولة، الولاء للمؤسسة والقانون (الدولة) والفكرة المجردة (مثل الوطنية أو الحقوق)، هنا، يُقبل القائد أو يُرفض بناءً على التزامه بهذه الفكرة، لا لشخصه.

وهنا لابد من تحليل سيكولوجية الاستقرار مقابل سيكولوجية الارتحال، وكيف تنعكس هذه الثقافة على مفهوم بناء الدولة وإدارة الموارد. جوهر الفارق بين عقلية الاستهلاك وعقلية الاستثمار تضعنا أمام جذر الإشكالية التنموية؛ فالفارق بين الاستقرار والارتحال ليس جغرافياً فحسب، بل هو نمط إدراكي سلوكي نفسي يحدد كيف يرى الإنسان الزمن والموارد.

تفكيك هذه الثنائية وانعكاسها على عقلية الاستثمار مقابل الاستهلاك يقودنا إلى سيكولوجية الارتحال الرعوية البدوية. عقلية الغنيمة والاستهلاك، في ثقافة الارتحال التاريخية، المورد (الكلأ والماء) عابر ومؤقت، مما يولد استجابة نفسية تركز على الآن الزمنية. عقلية الاستهلاك تركز على أن المورد قد يختفي أو تضطر للرحيل عنه، فإن المنطق السليم -حسب هذه العقلية- هو استهلاكه فوراً. ينعكس هذا في إدارة الدولة على شكل تبديد الفوائض المالية في مظاهر استهلاكية أو مشاريع سريعة لا تبني إنتاجاً مستداماً. فتتحول إدارة الموارد حيث يُنظر للمورد كـصيد يجب اقتناصه. في المؤسسة الحديثة، يترجم هذا إلى تضخيم الرواتب والمكافآت بدلاً من توجيه الأموال للبحث والتطوير، لأن المستقبل غير مضمون في المخيال الجمعي البدوي.
بخلاف ذلك نجد سيكولوجية الاستقرار حيث عقلية التراكم والاستثمار، فالاستقرار (المرتبط تاريخياً بالزراعة ثم الصناعة) يقوم على مفهوم الديمومة والانتظار والصبر. عقلية الاستثمار تتواجد لدى المزارع حين يضع البذرة اليوم ليحصد بعد أشهر، هذا ينمي مهارة تأجيل الإشباع الآني أثناء بناء الدولة. تعني هذه العقلية التضحية بالرفاهية اللحظية من أجل بناء بنية تحتية أو تعليم سيجني ثمارها الجيل القادم. بناء الدولة، يتطلب الاستقرار، يتطلب مؤسسات عابرة للأشخاص. فبينما يعتمد الارتحال على قوة القائد المتقلبة، يعتمد الاستقرار على قوة النظام الثابتة، لأن الأرض تقتضي قوانين ملكية وحقوقاً طويلة الأمد. في الدولة المرتحلة (ذهنياً) يتم التعامل مع الميزانية كأنها عطية سنوية يجب إنفاقها بالكامل قبل أن تسحب، مما يقتل فكرة الادخار السيادي أو الاستثمار النوعي. بينما في الدولة المستقرة (ذهنياً) المورد هو رأس مال، والوظيفة العامة هي تنمية لهذا الرأس مال، وليست مجرد قناة لتوزيعه. سيكولوجية الارتحال تخاف من الغد فـتأكله اليوم، بينما سيكولوجية الاستقرار تؤمن بالغد وتنتمي للمكان فـتزرع له اليوم لتحصده غدا.

في دولنا الأزمة تكمن في وجود بدواة بداخل مدن. أي أننا نملك ناطحات سحاب (عمران مادي حضري)، لكن العقل الذي يديرها ما زال يتعامل مع ميزانية الدولة كـ عشب ومع المنصب كـ بئر ماء، إذا نضب هذا المورد، لا يفكر في استصلاحه أو بناء بديل، بل يبحث عن رحلة أخرى هجرة الأموال، تحويل الولاء، أو حتى تدمير المؤسسة للبحث عن غيرها. كما يذكر بن خلدون، إن البدو أبعد الناس عن سياسة الُملك (أي قدرة على الحكم)، لأنهم أكثر عيثاً في السوائم، وأقل قبولاً للانقياد، إلا إذا أحدث فيهم الدين صبغة تقيد طموحهم.

فالفجوة بين النمط والروح، هو حالة التمدن الزائف، حيث نستهلك منتجات المدنية ناطحات سحاب، تكنولوجيا، هيكليات إدارية بعقلية الانتجاع (البحث عن المرعى). فعقلية البدوي دائما ما تنظر للميزانية كالعشب والمنصب كبئر الماء. وهذا يعزز عدم الشعور بالمسؤولية تجاه الأصل، في سيكولوجية الارتحال، المرعى ليس ملكك، أنت مستخدم له فقط. لذا عندما تُدار المؤسسة بعقلية البئر، لا يهتم المسؤول بصيانتها أو تطويرها (استصلاحها)، بل باستنزافها إلى أقصى حد (الرعي الجائر)، لأنه يدرك في لا وعيه أن المورد سينضب أو أنه سيغادر المنصب يوماً ما. وخيار الرحيل بدل الإصلاح جاهز عندما تهتز المؤسسة أو ينضب المورد، فلن نجد ثقافة الترميم، بل نجد الهجرة. إما هجرة الكفاءات، أو تهريب الأموال للخارج، أو حتى الانقلاب على المؤسسة نفسها. هذا هو الارتحال السياسي الذي يدمر تراكم الدولة. ابن خلدون يرى أن البدو لديهم طاقة هائلة للتغيير (العصبية)، لكنها طاقة هادمة للمؤسسات المستقرة لأنها لا تقبل الانقياد للقانون المجرد. فعقلية البدوي تقول في اللاوعي نحن نعيش في مدن، لكننا لم نسكن (الدولة) بعد، تُعد هذه المفارقة التي يذكرها بن خلدون —العصبية كقوة بناء وقوة هدم في آن واحد— المدخل الأكثر عمقاً لفهم تعثر الدولة الحديثة في المجتمعات ذات الجذور الرعوية. فابن خلدون يرى في العصبية المحرك التاريخي الذي ينقل الجماعة من البداوة إلى المُلك، لكنه في الوقت ذاته يصفها بـ الوحش الذي قد يأكل القفص (الدولة) الذي يُحبس فيه.

العصبية كطاقة بناء، المحرك البدائي حيث يرى ابن خلدون -وقد ذكر ذلك الجاحظ أيضا حين مدح الأتراك السلاجقة أيام الدولة العباسية- أن الدولة لا تقوم إلا بـ العصبية، وهي الرابطة النفسية والاجتماعية التي تمنح المجموعة القدرة على الغلبة والمطالبة بالملك. في مرحلة التأسيس، تكون هذه الطاقة بناءة لأنها توجد انضباطاً ذاتياً وتماسكاً صلباً يتفوق على أهل المدن المترفين. تمنح الجماعة هدفاً مشتركاً يتجاوز مصلحة الفرد لصالح بقاء الرهط. تمثل الشرعية الواقعية التي تفرض الاستقرار في بيئة فوضوية قبل قيام المؤسسات.

العصبية كطاقة هدم، هي معضلة القانون المجرد، حين تتحول هذه الطاقة إلى معول هدم بمجرد استقرار الدولة وتحولها إلى مؤسسة، وذلك لسببين جوهريين، رفض الانقياد للقانون، فالبدوي بطبعه (حسب بن خلدون) يأنف من الخضوع لسلطة خارجية أو مجرّدة (القانون). هو ينقاد فقط لشيخ القبيلة أو من يمثل عصبته. لذا عندما تتحول الدولة إلى قوانين ومؤسسات تطبق على الجميع بالتساوي، يرى البدوي في هذا التساوي إهانة لمكانته أو قيداً على حريته في الحركة والنهب. عقلية العيث في السوائم، حين ينظر البدوي للموارد (الخراج، بيت المال، الوظيفة كأنها سوائم (إبل مشاعة) أو غنائم حرب. الدولة المستقرة تتطلب تراكماً وحماية للملكية العامة، بينما عقلية العصبية تتطلب توزيعاً فورياً للمكاسب على الأتباع لضمان استمرار ولائهم.

الصبغة التي تُقيّد الطموح، هي الانتقال من العصبية إلى المؤسسة يؤكد ابن خلدون أن هذه الطاقة الهادمة لا يمكن كبحها بمجرد الترهيب أو الجدران، بل تحتاج إلى صبغة (وازع ديني أو أيديولوجي). في عصرنا الحالي، يمكن استبدال الدين بـ عقيدة الدولة أو المواطنة الدستورية، حيث الدين عند بن خلدون هو جعل البدوي ينقاد لغير عصبته (لله أو للخليفة)، مما يكسر احتكار القبيلة للولاء. في الدولة الحديثة، الدستور والوعي بالحقوق هما الصبغة التي يجب أن تقنع البدوي المعاصر بأن خضوعه للقانون ليس ضعفاً، بل هو الضمان الوحيد لاستدامة المورد (البئر) بدلاً من استنزافه والارتحال عنه.

إن الأزمة في الدولة الهجينة هي أننا أخذنا قشرة المُلك (المؤسسات) وتركنا روح العصبية تعمل داخلها دون صبغة تقيدها. والنتيجة هي عمران مادي يسكنه خراب مؤسسي، حيث تُستخدم أدوات الدولة الحديثة لخدمة منطق الغزو والغنيمة القديم، مما يؤدي في النهاية إلى ما سماه بن خلدون الهرِم (أي يهرم) أو سقوط الدولة نتيجة فقدان العدل.

 

العقل البدوي: فلسفة الاقتناص والارتهان للطبيعة
العقل البدوي يعتمد عقلية البحث عن الموارد، فالاستقرار لديه مشروط فهو يستقر فقط حيثما وجد الماء والكلأ العشب الارتباط بالموارد. حياتهم تنقل وعدم استقرار، لا يرتبطون بالأرض ارتباط المزارع. يعيش عقلية الضرورة. حيث يقتصر عيشهم على الضروريات السكن، المأكل، الملابس. الشعور بالخطر لديه يكمن في جفاف الماء وموت العشب، أي فقدان المورد الطبيعي للحياة . القيم القبلية والعصبية لديه هي الأساس، ويعتمدون على منطق القوة.

على العكس من ذلك العقل الحضري حيث عقلية الإنتاج والإدارة هي الراسخة فهو لا ينتظر الموارد، بل يسعى لتحويل الجفاف إلى زرع وماء، ويبني الحضارة، ويحول الضروريات إلى كماليات. يعزز الاستقرار الدائم حيث يعتمد على التوطن، وتنمية الزراعة، والصناعة، والتجارة. يعتمد عقلية التنمية حيث يركز على الإنتاج، والتعاون، والتخطيط المستقبلي. الشعور بالخطر لديه يكمن في فقدان الأمن والنظام والخوف من الفوضى، لأن فقدانهما تهدد إستثماراته. القيم لديه هي الميل إلى الهدوء، والترف، والاعتماد على سلطة قانونية (حكومة) بدلاً من القبيلة. البدوي يتأقلم مع الطبيعة ويتحرك معها، بينما الحضري يُكيّف الطبيعة ويستقر ليحكمها.

العقل البدوي يعتمد على الاستجابة المباشرة للطبيعة. هو عقل ذكي جدًا في رصد الفرص، لكنه لا يسعى لتغيير قوانين البيئة، بل يتكيف معها. يتركز الاهتمام لديه على الهندام الشخصي (الجسد والملبس) وسيارة فارهة (أداة الركوب) كأداة للتواصل الاجتماعي وإثبات الوجاهة. الاعتناء بالمظهر هنا هي الأنا المتجذرة وهي خط الدفاع الأول عن الانطباع الذي يتركه الفرد أمام الآخرين لتحقيق الوجاهة الاجتماعية من وجهة نظره، بغض النظر عن قذارة المكان الذي يعيش فيه (الشارع، الحي، المدينة)، فهو لا يشعر بانها قد تلحق ضرراً بوجاهته لأنه سيكولوجياً لا ينتمي للمكان، فهو يعتمد الاستقرار المشروط. فالاستقرار بالنسبة للعقل البدوي ليس مكانيًا بقدر ما هو مورداتي أي معتمد على توفر الموارد. هو يستقر حيث يوجد الرزق الجاهز (الكلأ والماء). مفهوم الخطر بالنسبة له هو النضوب، وبما أنه لا يملك أدوات الصناعة أو التخزين الطويل، فإن جفاف الماء يعني بالنسبة له الموت أو الرحيل، مما يجعل حياته في حالة قلق مستمر وحركة دائمة (الارتحال). ردود الفعل لديه هي الهروب من الجفاف والبحث عن واحة أخرى.

 

العقل الحضري: فلسفة التطويع ومواجهة الندرة
العقل الحضري هو عقل تراكمي، هو لا يقبل بما تمنحه الطبيعة فقط، بل يسعى لإجبار الطبيعة على العطاء عبر الأدوات والتقنية. ولذلك يمتلك عقلية الإبداع والتطوير، يسعى لتحويل النقص إلى وفرة. الحضارة تبدأ عندما يتوقف الإنسان عن البحث عن الماء ويبدأ في حفر الآبار أو بناء السدود. العقل الحضري يرى في الجفاف تحديًا هندسيًا وليس قدراً حتمياً للرحيل. مفهوم الخطر لديهم مختلف فالخطر الأكبر هنا ليس الجفاف (لأنه يملك مخزوناً وحلولاً)، بل هو فقدان النظام، أو غياب الأمان. لأن البناء الحضري يحتاج إلى زمن طويل وتراكم، وأي اختلال في الأمن يعني هدم ما بناه في سنوات خلال لحظات. ردة الفعل لديه الابتكار والتحصين.

العقل البدوي عقل تكتيكي يبرع في البقاء حياً وسط الظروف القاسية، بينما العقل الحضري عقل استراتيجي يبرع في خلق ظروف حياة مستقرة رغم قسوة الطبيعة. يظل الأمان هو الماء الذي يشربه العقل الحضري؛ فإذا فقد الأمان، جفت الحضارة تماماً كما يجف العشب في البادية.

 

مفهوم الدولة الريعية وأثره على العقلية الهجينة:
ديناميكية التغيير في البادية، تنظر إلى السلطة كشيء يُؤخذ بـ العصبية والقوة. بينما الحضر، ينظرون إلى السلطة كمؤسسة تُدار بالعقد الاجتماعي والقوانين. وهاتان نظرتان مختلفتان للتنظيم الاجتماعي والفكري. ومع ذلك، في العالم المعاصر، تداخلت هذه المفاهيم، حيث تحولت العشائر إلى مكونات داخل الدولة، وتبنت الحواضر بعض مفاهيم الولاء القبلي، مما خلق عقليات هجينة ترفع ولاء الدم فوق ولاء المؤسسة. وهنا يبرز جوهر الصراعات البنيوية في المجتمعات التي تمر بمراحل انتقالية بين البداوة والحداثة.

 

تأميم القبيلة: ترسيخ القبيلة كأساس للعقد الاجتماعي في دولنا العربية.
في العصر الحديث، لعب المال (خاصة في الدول النفطية) دوراً في تجميد هذا التحول. بدلاً من أن تذوب القبيلة في الدولة، قامت الدولة أحياناً بـ تأميم القبيلة واستخدامها كأداة للضبط الاجتماعي، مما خلق ما يسمى القبيلة السياسية. وذلك لتعزيز مفهوم سيكولوجية القائد الضرورة لتقديس الفرد (الزعيم) على حساب المؤسسة. ففي العقل البدوي، القائد هو حامي الحمى، وغيابه يعني الشتات، وهذا ما سعى القادة السياسيون إلى استحضاره لدى مجتمعاهم البدوية للحفاظ على مراكزهم، كما يشير الدكتور خلدون النقيب. بينما في العقل الحضري، القائد هو موظف لدى العقد الاجتماعي، وغيابه يعني تداول السلطة. والإشكالية هنا عندما تضعف الدولة المؤسساتية، يرتد الحاضر (المدني) إلى عصبية بديلة (حزبية، طائفية، أو مناطقية) تعمل بنفس آليات القبيلة.

الصراع بين الحق و المكرمة. في النظام المؤسسي الحداثي، المواطن يحصل على خدماته كـحق يكفله القانون. في العقلية البدوية المتجذرة ، الفرد يحصل على العطاء كـمكرمة، أو عطاء من الشيخ/القائد/ الرئيس، مما يعزز الولاء الشخصي بدلاً من المواطنة. وقد حدث أن قام رئيس حزب يرفع شعار دولة القانون بتوزيع مسدسات كهدية لضمان ولاء الشيوخ له. وهذا يضرب أساس الولاء للدولة في مقتل، وهو جوهر أزمة المواطنة في المجتمعات الانتقالية، حيث يجد الفرد صعوبة في الثقة بالقانون العام ويفضل الاحتماء بالانتماءات الأولية. وهناك نماذج معاصرة يمكن دراستها بتفصيل أكثر للمقارنة التاريخية. يمكن دراسة نماذج (مثل تجربة التحديث في تركيا، اليابان، أو الدول العربية) وكيف تعاملت مع العصبية أثناء بناء الدولة الحديثة ومقارنة كيف نجحت في اليابان بينما لم تحقق في تركيا النجاح المطلوب في مجتمع أساسه قائم على البداوة وتقديس شيخ القبيلة/القائد الضرورة، وفشله الكامل في الدول العربية. فإن الانتقال من المكرمة إلى الحق ليس مجرد تغيير في المصطلحات، بل هو زلزال في البنية الذهنية والسياسية. تبرز هنا ثنائية العمران البدوي والعمران الحضري لابن خلدون، ورؤية الدكتور خلدون النقيب حول الدولة التسلطية وعلاقتها بالبنى التقليدية. ولكي نتعمق في هذا البحث لابد لنا من العودة ل:

 

تحليل العقلية الهجينة: كيف تظهر السلوكيات القبلية داخل المؤسسات الحديثة؟
هذا المسار هو المختبر الذي نرى فيه كيف تُهضم الحداثة (كقشرة) داخل معدة التقليدية (كجوهر). نحن هنا نتحدث عن ظاهرة القبيلة البيروقراطية، حيث يتم استعمار الهيكل المؤسسي الحديث بأدوات ما قبل الحداثة. بدءاً بخصخصة المؤسسة كغنيمة. في الفكر المؤسسي، الوظيفة العامة هي تكليف لخدمة الصالح العام. أما في العقلية الهجينة، يُنظر للمنصب كـ فيء أو غنيمة استحقها الفرد بناءً على ولائه أو انتمائه. خطورة المظهر البيروقراطي حين يبدء في تعيين الأقارب أو أبناء العصبية أو الحزب أو المذهب في مفاصل المؤسسة (المحسوبية). هنا تبدء الدولة العميقة في التشكل حول مفهوم الولاء لشيخ القبيلة أو المذهب أو رئيس الحزب. التبرير القيمي جاهز حيث لا يُنظر لهذا الفعل كفساد، بل كـصلة رحم أو شهامة وقيم الفزعة، وهنا تكمن الخطورة، حيث يصبح تحطيم القانون واجباً أخلاقياً في نظر الفرد تجاه جماعته. وهنا تتحول الانتخابات كـ عرض قوة لا خيار سياسي. في المجتمعات الانتقالية، تتحول صناديق الاقتراع من أداة للمفاضلة بين البرامج السياسية إلى أداة لـ إحصاء الرؤوس، الموالية وتأكيد لتفوق زعيم هذه القبيلة على تلك. بدلاً من أن يبحث المواطن عمن يمثله فكرياً، يبحث عمن يمثله بيولوجياً أ عشائريا أو مناطقياً. هنا تتحول البرلمانات إلى مجالس شيوخ ببدلات رسمية، حيث يتم التفاوض على الحصص والمكاسب الفئوية لكل قبيلة وشيخها، بدلاً من تشريع القوانين العامة. ولقد كان الإنجليز أكثر من إستغل هذه النقطة حين أسسوا مجلس الأعيان في العراق وبعض الدول الأخرى، مستفيدين من خبرتهم في مجلس اللوردات. عندما تعجز الدولة عن تقديم الحق بشكل متساوٍ، تظهر الزبائنية (Clientelism) كبديل العقد الاجتماعي. الدولة (أو القائد) تقدم العطايا والمكاسب لمجموعات معينة مقابل الولاء السياسي. هذا يحول المواطن إلى زبون بدون حقوق والمسؤول إلى سمسار للقوة، مما يقتل مفهوم المواطنة المتساوية، ويؤبد الاعتماد على المكرمة. الإنسان في هذه المجتمعات يعيش بازدواجية حادة. خارجياً، يتحدث بلغة الديمقراطية، الشفافية والحوكمة. بينما داخلياً يتحرك بدافع العصبية، الثأر السياسي، والفزعة. هذه الازدواجية تجعل المؤسسات مجرد ديكور تخفي وراءها موازين قوى تقليدية صرفة.

 

الإشكالية في الدولة الهجينة:
الأزمة تكمن في وجود بدواة بداخل مدن، أي أننا نملك ناطحات سحاب (عمران مادي حضري)، لكن العقل الذي يديرها ما زال يتعامل مع ميزانية الدولة كـ عشب، ومع المنصب كـ بئر ماء، إذا نضب هذا المورد، لا يفكر في استصلاحه، أو بناء بديل، بل يبحث عن رحلة أخرى (هجرة الأموال، تحويل الولاء، أو حتى تدمير المؤسسة للبحث عن غيرها) إبن خلدون وصفهم (إن البدو أبعد الناس عن سياسة المُلك، لأنهم أكثر عيثاً في السوائم، وأقل قبولاً للانقياد، إلا إذا أحدث فيهم الدين صبغة تقيد طموحهم.

وهنا يبرز الفارق الجوهري بين الولاء العاطفي والولاء الوظيفي، وبين التبعِيّة والمواطنة. ولتمييز الفارق لابد لنا من مناقشة لماذا تفشل الأنظمة التسلطية في بناء اقتصاديات معرفية، ولماذا تبرع فقط في التحشيد لا في الابتكار. العقل القبلي يقايض الأمن مقابل الطاعة، ففي البيئة القبلية، الفرد لا يرى نفسه كياناً مستقلاً، بل هو جزء من كل. المقايضة لديه حين يقدم الشيخ (القائد) الحماية، الكرامة الفئوية، وتوزيع الغنائم، وفي المقابل، يقدم الفرد السمع والطاعة. ففي سيكولوجية الدكتاتورية، الدكتاتور هنا ليس ظالماً بالضرورة في نظر العقل القبلي، بل هو رب الأسرة الكبير، غيابه أو ضعف سطوته يعني الفوضى وتجرؤ القبائل الأخرى. لذا، التعددية أو الاختلاف مع القائد يُنظر إليه كـ خيانة للكيان وليس كـ رأي مخالف. على النقيض من ذلك نجد العقل الحضري يركز على الإبداع كثمرة للحرية. فالعقل الحضري يدرك أن العمران (بالمعنى المادي والفكري) لا يقوم على القوة البدنية، بل على تراكم العقول. الدولة المبدعة في نظره هي التي توفر المناخ لا الأوامر، المواطن الحضري يلتف حول الفكرة، الدستور، القانون، المشروع النهضوي، لأنها الضمانة الوحيدة التي تحمي حقه في التفكير والإبداع الذي يخلق الإنتاج، فلا يستطيع العقل البدوي أن يعيش في بيئة يقمع فيها التفكير الحر والإبداع. ولذلك تجد لديه حساسية تجاه التسلط، فالقائد المتسلط في العقل الحضري هو عائق” أمام التدفق الحر للأفكار. التسلط يقتل التنافسية، وبدون تنافسية يموت الإبداع، وعندما يموت الإبداع ينهار الاقتصاد الحضري الذي يعتمد على التجديد لا على مجرد الرعي أو الريع.

معضلة هروب العقول ونزيفها في المجتمعات الانتقالية، فالمبدع (الذي يحمل عقلاً حضرياً) يشعر بالاختناق في بيئة تدار بعقلية الشيخ والمريد. هو يدرك أن الدولة المبدعة هي التي تحترم استقلاليته، بينما الدولة التسلطية تريده مجرد ترس في آلة الولاء.

إن العيش داخل عقلية الريع يقضي على الإبداع ويحبس الشعوب داخل هذه السيكولوجيا لأنه يركز انفصال القيمة عن الجهد وتكون معتمدة على عقلية العثور لا الصنع. في سيكولوجيا الارتحال، أنت لا تزرع العشب بل تعثر عليه. في الاقتصاد الريعي، الدولة لا تنتج الثروة بل تستخرجها. والشعوب الريعية تطالب بتوزيعها بدل إستثمارها، هذا يرسخ في الوعي الجمعي أن الرزق هو ضربة حظ أو عطية من السلطة، وليس نتيجة تراكم معرفي وعمل دؤوب. هذا يقتل عقلية الاستثمار (الزراعية) التي تقوم على الصبر والتخطيط. في الاقتصاد الإنتاجي، يتركز الناس حيث توجد المصانع والمزارع. أما في الاقتصاد الريعي، فيحدث ارتحال ذهني ومكاني نحو المركز (السلطة الموزعة للريع). المواطن هنا يمارس الانتجاع السياسي فهو يرتحل بولائه حيثما وجد بئر النفط أو صنبور المِنَح، تماماً كما كان يرتحل البدوي خلف المطر.

ابن خلدون أشار إلى أن الصبغة من أجل تقيد الطموح البدوي؛ واليوم، الصبغة الحضارية هي التي تقيد النزعة الزبائنية. عندما يشعر الفرد أن كرامته مستمدة من تحضّر مجتمعه وقوة مؤسساته، وليس من عطايا سيده، تنتهي صلاحية السمسار السياسي. بناء الدولة في فكر ابن خلدون، البدوي يمتلك العصبية (القوة والتماسك)، لكنه يفتقد للوازع الذي يجعله يخضع لنظام عام. هنا يأتي دور الصبغة التي كانت في عصره صبغة دينية، لتقوم بعملية تحويل كيميائي للشخصية البدوية عبر كسر أنانية القبيلة لصالح الكل، الصبغة تجعل البدوي ينقاد لهدف يتجاوز مصلحة قبيلته الضيقة. هي التي تحول المقاتل من أجل الغنيمة إلى جندي من أجل الفكرة. بدون هذه الصبغة، يظل الطموح البدوي شخصياً أو فئوياً، مما يؤدي لتآكل الدولة من الداخل بمجرد قيامها. خلق الوازع الداخلي بدلاً من الخوف الخارجي، المشكلة في العقلية الزبائنية أو الارتحالية هي أنها لا تحترم القانون إلا خوفاً من العقاب (الوازع السلطاني). أما الصبغة، فهي تخلق وازعاً داخلياً (أخلاقياً/حضارياً) يجعل الإنسان يحترم الأرض والحق العام حتى في غياب الرقيب. هذا هو جوهر الانقياد الذي ذكره بن خلدون أي قبول سلطة القانون المجرد. وتحويل النهب إلى تنمية، بدون الصبغة، يرى البدوي في موارد المدينة عشباً يستهلكه ثم يرحل. الصبغة تمنحه رؤية زمنية جديدة؛ فيصبح الطموح هو الاستخلاف والإعمار. بدلاً من أن يكون الطموح هو كم سأخذ من الدولة، يصبح ماذا سأبني ليبقى. فالصبغة الحديثة في الدولة كقيمة حضارية، إذا طبقنا فكرة إبن خلدون اليوم، فإن الصبغة التي نحتاجها هي الوعي الحضاري بالانتماء، وهي التي تحول المواطن من مرتحل يبحث عن مصلحته في الخارج، إلى مستقر يرى أن كرامته مرتبطة باستصلاح أرضه. هذه الصبغة هي التي تجعل المهندس أو الطبيب أو المسؤول يرى في وظيفته رسالة لبناء وطن، لا وسيلة لجمع غنائم الرحيل. وتهريب الأموال للخارج، وإستثمارها خارج بيئته ووطنه. الصبغة من وجهة نظر إبن خلدون هي الرابط الأخلاقي الذي يحول الفوضى إلى نظام. وبدون هذه الصبغة الحضارية، ستظل ناطحات السحاب مجرد خيام إسمنتية، وسيظل المسؤول مجرد رئيس قبيلة يوزع الفيء. وتحويل الزمن الحضاري في عقلية المزارع المستقر في أرضه وهو بناء ما لا نراه إلى أكبر انتصار على سيكولوجية الارتحال هو البدء بمشاريع لا نرى ثمارها فوراً. وهو شبيه بعبادة إله لا تراه ولكن تؤمن به، مقابل عبادة الصنم الماثل امامك. البدوي لا يزرع شجرة زيتون لأنها تأخذ سنوات، بل يبحث عن عشب نبت بالأمس. الهوية الحضارية هي التي تدفع الإنسان لغرس الزيتونة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، مؤمناً بأن استقراره هو في بقاء الأثر وليس في سرعة الظفر. فإعادة الارتباط بالأرض هو فعل سياسي بامتياز، لأنه يُنهي حالة التيه التي تفرضها الليبرالية الجديدة والأنظمة الزبونية. الإنسان المرتبط بأرضه هو إنسان صعب الانقياد وصعب التهجير، وهو الوحيد القادر على بناء دولة الحق بدلاً من دولة المكرمة.

 

العبادة والتوحيد: التعددية مقابل الشمولية بين الإرتحال والإستقرار.
المجتمعات الصحراوية القديمة كانت تميل إلى تعدد الآلهة (آلهة لكل قبيلة)، لأن كل قبيلة تريد إلهاً يحميها في صراعاتها، وهو انعكاس لانقسام العشائر. على النقيض، يميل الفكر الحضري (المدني) إلى التوحيد أو الآلهة الكونية، لأن الدولة تحتاج إلى إطار عقائدي موحد يجمع أفراداً من أصول مختلفة تحت سقف واحد. وهنا لابد لنا من مناقشة الدين وأنطولوجيا الإله والنظرة لها من كلا العقليتين وعلاقتها بالبنية السياسية، والفرق بين الدين كعصبية و الدين كدولة. وسر ظهور تعددية آلهة الشتات في مقابل وحدانية الاستقرار

الإله المحمول، حارس القبيلة المترحل:
في العقل البدوي، الحاجة للأمان تسبق الحاجة للتنظيم. وبما أن القبيلة في ارتحال مستمر، فهي بحاجة إلى إله خفيف الحمل، إله خاص بها، يرحل مع خيامها، يحمي غزوها، ويبرر تفوقها على القبائل الأخرى. وظيفة هذا الإله ليس كونياً، بل هو عضو شرفي في القبيلة، هو رمز للهوية أكثر من كونه مصدراً للتشريع العام. تعدد الآلهة هنا يعكس تشظي السلطة، فلكل قبيلة حقها المطلق في الحقيقة والقوة، مما يجعل الصراع هو الحالة الطبيعية بين هذه الآلهة (القبائل)

الإله المستقر: مهندس العمران وتوحيد الكلمة:
العقل الحضري، عندما فكر في العبادة، كان يفكر في الاستمرار. بناء الدولة يتطلب قانوناً واحداً، والقانون الواحد يتطلب مصدراً واحداً للشرعية. وظيفة الإله الحضري هو خالق الكون ومانع الفوضى. هو الذي يجمع الشتات تحت سقف معبد ثابت، ويحول الأفراد من أبناء قبيلة إلى رعايا إله أو مواطنين في مدينة. التوحيد هنا كأداة سياسية أساسية إذ لم يكن توحيد الآلهة مجرد ترف فكري، بل كان ضرورة اجتماعية لإنهاء حروب الكل ضد الكل البدوية وصَهرِها في بوتقة المصلحة العامة. وهذا هو سر الخلاف بين صنم القبيلة ومؤسسة الدين. أزمة الحداثة لدينا في مجتمعاتنا لم تنتهي حتى عندما اعتنق العقل البدوي، الأديان التوحيدية الكبرى، فإنه غالباً ما قام بـ قَبْلَنَة (Tribalization) هذا الدين. أي أنه حول الإله الواحد الكوني إلى إله حزبي أو إله طائفي يخص فئته فقط، وكأنه استعاد صنم القبيلة القديم لكن باسم جديد. ووضع صفات خاصة للإله الذي يميزه عن غيره في القبائل الأخرى بدل تقليلها لتجمعه مع غيره في جسد الدولة الواحدة. في مصر القديمة أو بابل، كان توحيد الإله (مثل آمون أو مردوخ) يسير جنباً إلى جنب مع توحيد الأقاليم تحت سلطة المركز. بينما في البداوة ظلت العصبية هي المحرك، حتى لو استعارت شعارات دينية، يظل الماء والعشب (الغنائم والمناصب) هي القبلة الحقيقية. العقل الحضري يبحث عن المركز ليثبت الأرض تحت قدميه، بينما العقل البدوي يبحث عن التعدد ليبرر ارتحاله وتملصه من أي قيد مؤسسي جامع.

التحوّل الرقمي والحوكمة الإلكترونية:
تتعالى الأصوات الداعية لإعتماد التحوّل الرقمي والحوكمة الإلكترونية، للتخلص من هذه العقلية الهجينة -التي ذكرتها- فالمطالبون بها يعتقدون أنها يمكن أن تساهم في كسرها عبر تحييد العنصر البشري (الذي يحمل العصبية)، متناسين أن تغيير المجتمع لا يتم بالخوارزميات, فالعصبية قادرة على اختراق الخوارزميات وتطويع التكنولوجيا لخدمة الولاءات القديمة فالخوارزمية أداة، والعصبية ثقافة. عندما تحاول فرض الرقمنة على بنية اجتماعية تقليدية دون تغيير في البرمجيات الثقافية للإنسان، فإننا لا نحدث تغييراً، بل نحدث تحديثاً للوسائل وتثبيتاً للمقاصد. فالخوارزمية في نهاية المطاف هي مرآة لمن يغذيها بالبيانات ومن يضع لها معايير التفضيل. الخوارزميات ستقوم بأتمتة المحسوبية، إذا كان الموظف فاسداً بدافع الولاء القبلي، فإن التكنولوجيا قد تحوله إلى فاسد ذكي. يمكن تطويع المعايير التقنية لتناسب فئة معينة، أو خلق ثغرات قانونية رقمية تخدم ذات العصبية القديمة، لكن بلمسة عصرية. التكنولوجيا لا تخلق الثقة. جوهر الانتقال من البداوة إلى الحداثة هو الانتقال من ثقة الأشخاص (أثق بك لأنك ابني أو أخي) إلى ثقة المؤسسة (أثق بالقانون مهما كان المنفذ). الخوارزمية قد تضمن دقة المعاملة، لكنها لا تزرع في وجدان الفرد الإيمان بأن الجميع متساوون أمام الشاشة. وهنا يظهر صراع القيمة والآلة، فتغيير المجتمع هو عملية صراع قيم. الخوارزمية صماء قيمياً، هي تهتم بالكفاءة (Efficiency)، بينما المجتمع الانتقالي مهتم بـ العدالة التوزيعية للفئات. عندما تتعارض كفاءة الآلة مع مصلحة الجماعة، غالباً ما يتم تعطيل الآلة أو الالتفاف عليها بضغوط اجتماعية وسياسية. تجارب التحديث التي نجحت (كاليابان وسنغافورة مثلاً) لم تلغِ التقاليد، بل أعادت صياغة الولاء ليكون للدولة بدلاً من العشيرة أو الطائفة. أما محاولة القفز فوق الواقع الاجتماعي بالحلول التقنية البحتة، فهي تشبه وضع محرك فيراري على عربة يجرها خيل، سرعة المحرك لن تفيد إذا كان الخيال يصر على السير في الدروب القديمة. ونعود إلى المفارقة الأساسية من بحثنا، سيكولوجية الاستقرار مقابل سيكولوجية الارتحال، وكيف تنعكس هذه الثقافة على مفهوم بناء الدولة وإدارة الموارد. عقلية الاستهلاك ذات الجذور البدوية مقابل عقلية الاستثمار. العقل البدوي يعتمد ثقافة الاستجابة للوفرة. العقل البدوي، تاريخياً، لا يملك ترف صناعة البيئة، بل هو خبير في التكيف معها. المصدر لديه الماء والعشب وهما عطايا الطبيعة أو مكرمات إلهية. ردة فعله في سلوكه السياسي يبدء عندما تجف الآبار، سواء كانت نفطاً، أو مناصب، أو نفوذاً، يرحل الولاء بحثاً عن كلاً جديد. هذا ما يجعل الولاء في المجتمعات الانتقالية ولاءً نفعيا.

وتغيير الولاءات ونقض العهود لا يعتبر خيانة لديه، بل إعادة صياغة للأولويات (قلوبهم معك وسيوفهم عليك) و مرتبطاً باستمرار تدفق العطايا، لا بالانتماء للمكان أو المؤسسة. الزمن لديه يعيش في الآن (لحظة الوفرة)، لأن المستقبل غير مضمون والبيئة قاسية. بينما العقل الحضري، يسير وفق ثقافة صناعة الاستدامة الحضرية التي هي في جوهرها هندسة البقاء والثقة و الإعتماد بالآخر والثقة بالمستقبل، لتأكيد الأمان وليست مجرد سكن في المدن. المصادر لديه كالماء يُجلب بالقنوات، والعشب يُزرع بالجهد. الوجود هنا فعل إرادي وليس استجابة للصدفة. السلوك السياسي مرتبط بما أنه استثمر في الأرض وبنى العمران، فهو مستعد للدفاع عن القانون الذي يحمي ملكيته وجهده. الاستقرار هنا يخلق تراكماً (معرفياً، ماليًا، ومؤسساتياً). الزمن لديه مختلف فهو يعيش في الغد، لأن الحفاظ على المورد يتطلب تخطيطاً طويلاً.

دور الدكتاتوريات في تعزيز سيكولوجيا الإرتحال:
تلعب الدكتاتوريات دور المحفز الأكبر لسيادة سيكولوجية الارتحال، فهي لا تكتفي بهدر الموارد، بل تدمر مفهوم الاستقرار النفسي والمادي للمواطن، وتحوله إلى لاجئ دائم سواء في الداخل أو الخارج
تؤكد الدكتاتوريات هذه العقلية عبر عدة آليات: تحويل الوطن إلى إقطاعية اللا-انتماء. في النظام الدكتاتوري، تُختزل الدولة في شخص أو أسرة. يشعر المواطن (وخاصة الكفاءات) بأنه لا يملك شيئاً في هذا الوطن. فالعقارات، الوظائف، وحتى الحقوق الأساسية هي منح يمكن سحبها في أي لحظة. هذا الشعور -بمؤقتية الامتلاك- يدفع الفرد لعدم الاستثمار في الأرض (مادياً أو عاطفياً) وتبني عقلية المرتحل الذي يجمع ما خف حمله وغلا ثمنه انتظاراً للحظة الهروب.

الدكتاتورية عدو طبيعي لـ الكفاءة لأن الكفاءة تمنح صاحبها استقلالاً ذاتياً، بينما الدكتاتور يريد ولاءً مطلقاً. عندما يرى العالم أو المهندس أن السمسار أو المنافق هو من يتصدر المشهد ويتحكم في الموارد (عقلية الفيء)، يدرك أن بئر العلم الخاص به لا قيمة له في هذا المرعى. هنا يصبح الارتحال هو الحل العقلاني الوحيد للحفاظ على الكرامة المهنية.

الاستقرار يتطلب قانوناً متوقعاً. في الدكتاتورية، مزاج الحاكم هو القانون. هذا يجعل المستقبل ضبابياً وغير آمن. سيكولوجية الارتحال تزدهر في بيئات عدم اليقين؛ فالمواطن يعيش بعقلية البدوي الذي يتوجس غدر الطبيعة، لكن الغدر هنا يأتي من السلطة. تمارس الدكتاتوريات نوعاً من “التطهير المعرفي، عبر التهجير القسري للعقول، فهي تدفع الكفاءات دفعاً نحو الهجرة لأنها تخشى وعيهم. هذا الهروب ليس مجرد انتقال مكاني، بل هو نزيف للصبغة الحضارية التي تحدثنا عنها. وبخروج الكفاءات، تخلو الساحة لـ العقلية الهجينة (بدواة المدن) التي تكتفي بالاستهلاك والولاء، مما يؤبد تخلف الدولة. عندما تتعامل الدكتاتورية مع الشعب كـ رعية يُستخلص منها الولاء دون تقديم حقوق أو حماية، فإنها ترسخ مفهوم الدولة الغازية، المواطن هنا يشعر أنه في حالة غزو دائم من سلطته، فيتعامل مع الدولة بمنطق النجاة، وهي أصل سيكولوجية الارتحال.

الدكتاتورية تحول الوطن من مستقر حضاري إلى منطقة عبور. الكفاءات هم أول من يرحل لأن لديهم أجنحة العلم والمهارة، وما يتبقى هو مجتمع مفرغ من طاقته الإصلاحية، غارق في الزبائنية والانتظار السلبي. فالدكتاتوريات هي التي أعادت إنتاج البداوة في العصر الحديث عبر تدمير مؤسسات الدولة وتحويلها إلى مجرد أدوات قمع لخدمة المستبد، وإقناع العقل المهاجر بالعودة للاستصلاح يكون شبه مستحيل إذا كانت الجذور قد قُطعت تماماً وخصوصا في بيئات الليبرالية الجديدة السلطوية (Authoritarian Neoliberalism)، وهو مصطلح أكاديمي يفسر كيف تترابط الدكتاتوريات مع الأجندات الاقتصادية العالمية لتسهيل استنزاف الموارد البشرية والمالية من المجتمعات النامية لصالح مراكز رأس المال العالمي. تعمل الدكتاتوريات كأداة لتنفيذ هذا المخطط من خلال الآليات التالية، تهريب الأموال (Capital Flight) تفتقر الأنظمة الاستبدادية غالباً للمؤسسات الرقابية، مما يسمح للنخب الحاكمة والمرتبطين بها بتهريب مبالغ ضخمة من الأموال (التي هي في الأصل فيء أو غنائم من الموارد العامة إلى الملاذات الضريبية والبنوك العالمية. هذا لا يخدم فقط ثراء الحاكم، بل يغذي النظام المالي العالمي بسيولة ضخمة تُسحب من شرايين التنمية المحلية. تهجير العقول Brain Drain كصمام أمان: بالنسبة للدكتاتور، تمثل الكفاءات الواعية خطراً سياسياً محتملاً. لذا، فإن سياسات التهميش والقمع والزبائنية تدفع هؤلاء دفعاً نحو الهجرة. بالنسبة للمراكز العالمية، تعتبر هذه هبة جاهزة من الموارد البشرية المؤهلة التي لم تتكلف سنتًا واحدًا في تعليمها، مما يعزز إنتاجية رأس المال العالمي على حساب إفقار المجتمعات الأصلية معرفياً. خصخصة الدولة وتفتيت المجتمع، تُسهل الدكتاتوريات سياسات الليبرالية الجديدة الأكثر قسوة (مثل التقشف الشديد وخصخصة الأصول الوطنية بأسعار بخسة) لأنها تملك القدرة على قمع أي ممانعة شعبية لهذه الإجراءات. هذا يحول الدولة من راعية لمصالح المواطنين إلى ضامن لعقود الشركات الكبرى واستمرارية تدفق الموارد للخارج. الشرعية الخارجية مقابل التسهيلات: غالباً ما تحصل هذه الأنظمة على دعم (أو غض طرف) دولي طالما أنها تضمن استمرار تدفق الموارد، حماية الاستثمارات الأجنبية، ومنع نشوء أي نموذج وطني إنتاجي قد ينافس الأسواق العالمية. بهذا المعنى، تصبح الدكتاتورية هي الأداة الأكبر في نظام الارتحال العالمي؛ فهي تهدم البيت الوطني (المؤسسات) لكي تبيع أنقاضه (الأموال والعقول) في سوق المراعي العالمية.

العقد الاجتماعي الضريبي:
الذي يمثل أساس الديمقراطية والرقابة في العالم الحديث. القاعدة الأساسية التي بنيت عليها الديمقراطيات هي لا تمثيل بلا ضرائب وإشراف على إدارة الميزانيات (No Taxation Without Representation). غياب الوعي الضريبي يعني غياب العقد الاجتماعي. في المجتمعات المستقرة (الزراعية/الصناعية)، يدفع المواطن الضرائب، أما في الدولة الريعية، الدولة هي التي تدفع للمواطن. في الدول التي تعتمد على الضرائب، يدفع المواطن إحساسا منه بالإنتماء للوطن، حيث يشعر المواطن بأنه يموّل الدولة من عرق جبينه، مما يمنح لنفسه قدرة على المساءلة ويجعله شريكاً يراقب البناء ويحرص على الاستصلاح، يمنحه شرعية أخلاقية وقانونية للمطالبة بمحاسبة المسؤول عن كل قرش يُنفق. أما في الدول النفطية (الريعية)، فإن الميزانية تسقط من الأعلى كالمطر، مما يخلق شعوراً لدى المواطن بأنه ضيف على مائدة الدولة، ولدى المسؤول بأنه صاحب الفضل، وليس مالكاً لها. وعندما تهتز أسعار المورد، تنتابه سيكولوجيا الذعر والارتحال (الهجرة أو سحب الاستثمارات) بدلاً من المواجهة والإصلاح. الدول الريعية تحويل الثروة إلى فيء حزبي وعشائري. عندما تغيب الضريبة، ينكسر الرابط بين أداء الدولة ورضا المواطن. وبدلاً من أن يسعى المسؤول لنيل رضا المكلفين بالضريبة عبر الكفاءة، يسعى لإرضاء قواعده الولائية (الحزب أو العشيرة) عبر توزيع ريع الثروات الطبيعية كأعطيات. هنا يتحول النفط من ثروة وطنية عابرة للأجيال إلى غنيمة (فيء) تُقسم بين مراكز القوى لضمان بقائها. ينقلب المواطن إلى مستهلك مقابل المواطن المراقب. فالغياب الضريبي يحوّل المواطن إلى مستهلك للخدمات ينتظر نصيبه من الريع. هذا الوضع يخلق عجزاً رقابياً، لأن المواطن يخشى أن تؤدي مطالبته بالمحاسبة إلى قطع المكرمة أو العطية التي يحصل عليها. السلطة هنا لا تُحاسب لأنها لا تأخذ من المواطن، بل تعطيه، مما يجعل الصمت ثمن الرفاه المؤقت واستدامة لسيكولوجية الارتحال، بما أن الثروة طبيعية وليست نتاج بناء إنساني وتراكمي (صناعة أو زراعة)، فإن المسؤول والمواطن يعيشان في قلق دائم من نضوب البئر. هذا القلق يعزز سيكولوجية الارتحال، المسؤول يهرّب الأموال للخارج كـ تأمين للمستقبل، والمواطن يبحث عن جنسية بديلة أو وطن آخر، لأن الارتباط بالأرض هنا ارتباط بـ المصدر المالي لا بـالمشروع الحضاري. إذ بدون نظام ضريبي شفاف (حتى لو كان رمزياً)، يظل المال العام بعيدا عن الرقابة الشعبية، ويظل المسؤول وصياً يتصرف في الثروة بمنطق الغنيمة. الحل يتطلب تحويل المواطن من مستلم شيكات إلى ممول للدولة، لكي يسترد حقه في قول أين ذهبت أموالي؟.

العقد الاجتماعي الموازي:
حيث يدفع المواطن فعلياً ما يفوق نسب الضرائب العالمية، لكنه يدفعها كـ أتاوات ورشاوى غير رسمية لمجرد الحصول على حقوقه الأساسية. هذا النظام الضريبي غير الرسمي هو الأسوأ على الإطلاق الان المال يذهب لـ السمسار (جيب الموظف) لا لخزينة الدولة. في نظام الضرائب الرسمي، تتدفق الأموال إلى خزينة عامة يمكن (من الناحية النظرية على الأقل) أن تبني مدارس ومستشفيات. أما في نظام الرشوة، فإن المال يتدفق مباشرة إلى جيب السمسار الإداري أو الموظف، مما يعزز رؤية المسؤول للمنصب كـ بئر خاص وللمواطن كـ صيد. ويتعزز مفهوم الدفع بلا محاسبة، عندما يدفع المواطن رشوة، فإنه يفقد الحق في الشكوى من جودة الخدمة؛ لأنه يدفع مقابل خدمة شخصية وليس مقابل حق قانوني. بينما تخلق الضريبة الرسمية التزاماً قانونياً وأخلاقياً على المسؤول بالإنجاز، وعلى المواطن بالمراقبة والمساءلة. وهنا يظهر فخ الكفاءة الزائفة، حيث يعتقد الكثيرون أن الرشوة أسرع أو أكثر كفاءة لتخليص المعاملات، لكن هذا وهم ارتحالي. ففي المدى البعيد، تفوق تكلفة الفساد البنيوي (بنية تحتية متهالكة، تعليم فاشل، قضاء للبيع) أي نسبة ضرائب رسمية. المواطن هنا يدفع ضريبة فساد باهظة مقابل صفر من الأمان المستقبلي. الانتقال من دولة الريع والرشوة إلى دولة الضريبة والإنتاج، يتطلب ثورة وعي قبل التغيير القانوني. يجب أن يدرك الناس أن الرشوة التي يدفعونها للموظف الفاسد هي ذاتها السلاسل التي تبقيهم محبوسين في عصور التيه، وتمنع ولادة دولة الحقوق الحقيقية. الزمن الريعي هو لحظة دائمة بلا مستقبل. الريع يحبس المجتمع في الآن. الميزانية السنوية هي موسم المطر، والهدف هو إنفاقها قبل أن تنتهي. هذا يمنع نشوء التفكير الاستراتيجي، لأن المستقبل مرتبط بسعر سلعة في سوق عالمية لا نتحكم بها، مما يعزز الشعور بعدم اليقين، وهي السمة الأساسية لـ سيكولوجيا المرتحل. الاقتصاد الريعي حوّل المدينة الحديثة، إلى مجرد مخيم إسمنتي كبير. السكان مستقرون في البيوت، لكن عقولهم في حالة ارتحال دائم؛ يبحثون عن الغنيمة السريعة، ويفتقرون لروح الاستصلاح التي تحول المؤسسة إلى كيان عابر للأجيال. إن الثقافة المتجذرة في سيكولوجية الارتحال لا ترى في الأزمة دافعاً لـ الإصلاح (البقاء وترميم البيت)، بل تحفز لديها آلية الخروج وترك المكان. عندما يجف البئر (المورد)، لا يرى العقل البدوي سبباً للحفر أعمق أو بناء محطة تحلية؛ بل يلتفت إلى الأفق بحثاً عن مرعى جديد. ويتجلى ذلك في المجتمعات الهجينة المعاصرة بعدة طرق منها استراتيجية الخروج وترك الأرض بدلاً من المعارضة
في العلوم السياسية (نظرية ألبرت هيرشمان)، يستجيب المواطنون للتدهور إما عبر المعارضة/التصويت (الاحتجاج والإصلاح) أو الخروج (الرحيل). في المجتمعات ذات العقلية الزراعية/المستقرة، يستخدم الناس التصويت لأن الأرض هي أصلهم الوحيد. في المجتمعات ذات العقلية الارتحالية، يكون الخروج هو الحل التلقائي. وهذا يفسر هروب رؤوس الأموال وهجرة العقول الكثيفة عند أول بادرة لعدم استقرار اقتصادي في الدول الريعية. النخب والكفاءات ينقلون خيامهم إلى لندن أو دبي أو إسطنبول بدلاً من استصلاح الأرض في أوطانهم. وهنا تتفتت المصلحة العامة، بما أن المرتحل لا يشعر برباط عضوي أو روحي مع المؤسسة (المرعى الحديث)، فإن الصدمة تؤدي إلى سلوك افتراسي. إذا كان المورد في طريقه للنفاد، يكون المنطق دعني أستولي على البقايا الأخيرة قبل الآخرين. وهذا يعجل بانهيار الدولة أثناء الأزمات، حيث يتحول زبائن النظام إلى نهّابين لجثته. فعقدة انتظار المطر، غالباً ما تنتج الصدمات في هذه المجتمعات حالة من الشلل القدري. فبدلاً من الابتكار، نجد انتظاراً جماعياً لـ معجزة أو ارتفاع أسعار (المطر الحديث). تُعتبر الصدمة فصلاً سيئاً يجب تحمله أو الهروب منه، وليست فشلاً هيكلياً يجب تصحيحه. والصدمة هنا تزيد من حدة الأزمة، إذا حاولت الدولة فرض ضرائب أو تقشف (الصبغة المدنية أو العقد الاجتماعي) أثناء الصدمة، يرى العقل الارتحالي في ذلك نوعاً من العدوان أو الخاوة. وبما أنه لم يكن هناك شعور عميق بملكية الدولة، فلا يشعر المواطن بأي التزام لإنقاذها. إذا كانت الصدمات لا تجدي نفعاً، فإن الاستقرار يجب أن يكون نفسياً وهيكلياً قبل وقوع الأزمة. وهذا يعني خلق حصص ملكية عبر منح الناس ملكية حقيقية (وليس مجرد أعطيات) في البنية التحتية والاقتصاد، بحيث يصبح الرحيل خسارة شخصية. إبن خلدون يقترح إيجاد الصبغة الدينية ومعادلها الحديث ربما هوية وطنية قائمة على الإنتاج تجعل النزوع للارتحال أقل جاذبية من الرغبة في الإعمار.

حيدر المنصوري، خبير في الاتصالات والتكنولوجيا

حيدر المنصوري خبير في الاتصالات والتكنولوجيا، شغل منصبًا إداريًا في إحدى كبرى شركات الاتصالات في العراق، ويمتلك خبرة في إدارة العمليات وتطوير البنية الرقمية. يعمل حاليًا مستشارًا في القطاع، مقدمًا رؤى استراتيجية حول التحول الرقمي والأسواق. كما يهتم بالجغرافيا الجيو-استراتيجية وتأثيرها على القرارات السياسية، وله مقالات وبحوث في هذا المجال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى