الاحدثفلسطين

الكاتب السياسي مجدي منصور يكتب عن: الدلالة الاستراتيجية لعملية طوفان الأقصى

كيف يمكن مواءمة التكتيكات مع الإستراتيجية؟

تابعت كما تابع غيرى العملية الأخيرة لحركة حماس، وكان انطباعي الأول على رؤية المشاهد المتتابعة عبر الفضائيات هو «الانبهار» بحجم العملية وبقدرة حركة حماس على التخطيط والتنفيذ لمثل تلك العملية الكبيرة بذلك النجاح الساحق، والانبهار مرجعه:

  • أننا أمام أكبر هجوم فلسطيني وعربي داخل فلسطين المحتلة سنة 1948 منذ إنشاء “إسرائيل”؛ أدى خلال بضع ساعات إلى احتلال نحو 20 مستوطنة ونقطة استيطانية و11 موقعاً عسكرياً، بما في ذلك مقر قيادة “فرقة غزة” التي تتبع جيش الاحتلال.

  • ونحن أمام أكبر عدد من القتلى الصهاينة في كل الحروب التي خاضها الفلسطينيون بعد 1948.

  • ونحن أمام أكبر عدد من الأسرى الصهاينة تأسره المقاومة في تاريخها، حيث يزيد عن 150 أسيراً العديد منهم ضباط كبار في الجيش الإسرائيلي.

  • ونحن أيضاً أمام أكبر مفاجأة عسكرية استراتيجية وأكبر فشل للأنظمة الأمنية في تاريخ “إسرائيل”، رافقتها أسوأ حالة ارتباك وأسوأ مظهر مهين لمنظومة الحكم الإسرائيلية.

وكانت ردة فعل حكومة الاحتلال الإسرائيلي على العملية بدا وكأن المستحيل انقض فجأة من قلب المجهول، وظهرت ردود فعل عصبية و متشنجة تتلخص في المزج بين «الصدمة» (من وقوع العملية) و«الحسرة» على (نتائج العملية) ، والتي أحدثت عدداً من النتائج فهمها الاحتلال وإن لم يعترف بها، وكان أهم ما فهمه:

  • سقوط الرادع الإسرائيلي ليس أمام حماس وحدها بل أمام العالم بأسره.
  • فقدان ثقة المواطن الإسرائيلي بقدرة جيشه (وهو عمود الدولة) على حماية أمنه.
  • فشل المشروع الصهيوني في تطويع الإنسان الفلسطيني.
  • فشل “إسرائيل” في تقديم نفسها كشرطي دائم للمنطقة.
  • سقوط فرضية إمكانية إغلاق الملف الفلسطيني بينما تتم عملية التطبيع مع البلدان العربية والإسلامية.

والغريب أن سبب هذا الانكسار الإسرائيلي الذي حدث أمام حركة حماس في 7 أكتوبر2023، هو نفس السبب الذى أدى لفشل إسرائيل الذريع في 6 أكتوبر1973 أمام جيوش مصر وسوريا.

الا وهو رسم صورة معينة لوضع أمنى في مخيلة مؤسسة الأمن الإسرائيلية ورفض كل ما سواها حتى ولو كانت هناك معلومات أو مؤشرات تخالف أو حتى تتصادم مع تلك الصورة.

ففي حرب أكتوبر يقول تقرير أجرنات (وهي اللجنة القضائية التي شكلتها الحكومة الإسرائيلية بقيادة القاضي شمعون أجرنات، للتحقيق في القصور الذى شاب أداء الجيش والحكومة في حرب أكتوبر):

(إن أحد أهم الأسباب التي أدت إلى مفاجأة الحرب بالنسبة لإسرائيل من قبل كلاً من مصر وسورية، يعود إلى التمسك الصارم في المخابرات الحربية الإسرائيلية (أمان) و (يقودها وقتها الجنرال إيلي زاعيرا) بما كانوا يسمونه “النظرية”، والتي كانت ترى أن مصر لن تشن الحرب على إسرائيل إلا ولو ضمنت لنفسها أولاً قدرة جوية على مهاجمة إسرائيل في العمق، ولا سيما مهاجمة المطارات الإسرائيلية الرئيسية من أجل تحييد سلاح الجو الإسرائيلي. وأن سوريا بدورها لن تشن هجوماً كبيراً على إسرائيل سوى بالتزامن مع هجوم مصري.

وقد ثبت أن تلك النظرية كانت وهماً بنته المخابرات العسكرية الإسرائيلية (أمان) ورفضت أن تصدق غيره رغم وجود إشارات وتحذيرات جاءتها، ولكنها أشاحت بوجها عنها ثقةً منها في نظريتها المزعومة!

وفى 7 أكتوبر2023  وقع الجهاز الأمني الإسرائيلي في نفس الخطأ، فقد   بنى سيناريو في الفترة الأخيرة ، واعتاد على تصديقه (رغم وجود إشارات تشكك، وتحذيرات تُكذب تلك الصورة الزائفة) حتى وقعت الواقعة ، وملامح ذلك السيناريو المتخيل من قبل مؤسسة الأمن الإسرائيلي يتلخص في:

  • اعتياد الإسرائيليون أن يكونوا قادرين على معرفة ما يفعله الفلسطينيون بالتفصيل، من خلال وسائل التجسس الإلكترونية المتطورة لديهم.
  • لقد بنوا جداراً ذكياً مكلفاً للغاية بين غزة والمجتمعات الواقعة على الجانب الإسرائيلي من الحدود.
  • لقد كانوا واثقين من أن حماس قد تم ردعها عن شن هجوم كبير: فلن يجرؤوا على شن أي هجوم عليهم.
  • لأنهم من جانب سوف يُسحقون من جانب القوة الإسرائيلية، ومن جانب أخر، لأن الفلسطينيين سوف ينقلبون ضد حماس لأنها ستتسبب في حرب أخرى.

ومع كل هذا وذاك كان الإسرائيليون يعتقدون أن حماس أصبحت في وضع مختلف الآن: فهي تركز على وقف إطلاق النار طويل الأمد، حيث يستفيد كل جانب من ترتيبات “عش ودع غيرك يعيش”.

كما ويذهب نحو 000 19 عامل فلسطيني إلى إسرائيل كل يوم من غزة، وهذا يعود بالنفع على الاقتصاد ويدر إيرادات ضريبية لهم.

لكن عصر يوم 7 أكتوبر اتضح أن هذا كله كان وهماً كبيراً عاشت فيه مؤسسة الأمن الإسرائيلية ، وذلك سبب خداعاً كبيراً للكافة في إسرائيل (عسكريين ومدنيين ، جنرالات وسياسيين) ، ولذلك يشعر كافة الإسرائيليون بالصدمة.

وظهرت بعدها أسئلة محرجة ومؤلمة لمؤسسة الأمن وللجيش وللقيادة السياسية مثل:

  • كيف تمكن مجموعة من مقاتلين حماس من تحقيق هذا الهدف؟!

كيف تمكنوا من التغلب على مجتمع الاستخبارات الإسرائيلي القوي وقوات النخبة الإسرائيلية؟!

وبعدها تتابعت الأحداث، وضاع وسط زحام المشاهد، وطوفان الصور، وشلالات التصريحات سؤال بديهي ومنطقي وطبيعي وهو:

ما هو الهدف الاستراتيجي لتلك العملية، ولماذا الأن؟

والغريب أن ذلك السؤال كان أول ما طرحته مراكز الدراسات الاستراتيجية والإعلام الغربي، في حين سقط من عقل مؤسسات البحث و الإعلام العربى!

وكانت إجابة المراقبين في الغرب على السؤال تبدأ عند: استغلال حماس للوضع الداخلي الإسرائيلي المتفسخ، وتنتهى عند قتل عملية التطبيع المنتظرة بين السعودية وإسرائيل.

وكانت البداية والنهاية بالنسبة لي «غير مقنعة»، لأن تلك العملية أدت «لتوحيد» الإسرائيليين بدلاً من «تشتيتهم» لمواجهة خطر حماس الذى رأوه بأعينهم صوت وصورة على شاشات الفضائيات، كما أن تلك العملية في أفضل الأحوال قد «تؤجل» عملية التطبيع بين السعودية وإسرائيل ولكن لن «تلغيها» لأن الموضوع باختصار هو خلق هو نظام إقليمي جديد تدخل فيه إسرائيل بسلاسة و نعومة لتوازن القوة الإيرانية في المنطقة العربية بعد شحوب الدور المصري الذى ما زال تائه في العراء الموحش بعد الانقلاب على مشروع مصر الناصرية.

وعُدت مرة أخرى انتظر بصبر، وأسأل بعمق، وأتابع باهتمام مجرى الحوادث لأرى أين سيصب؟

وخرج أبو عبيدة (الناطق باسم حماس) ليقول: «أن تلك العملية من أجل الدفاع عن أهلنا، ورفع الحصار عن غزة».

واستمعت للتصريحات ودققت ومن ثم اندهشت وتعجبت، لأن العملية بهذا المعنى قد تكون عقلانية، بمعنى أنها تفعل شيئاً من أجل هدف محدد، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن تصرفها ذلك له معنى استراتيجي، أو أنه فعل تكتيكي خالي من أي مدلول استراتيجي. وذلك مخالف لعلم الاستراتيجية ذاته وشروح شيوخه الكبار (من نابليون لفولر لكلاوزفيتز)!

وبين التساؤل والحيرة والاندهاش والتعجب، قررت فحص الموقف بعيداً عن تصريحات حماس الخالية من أي مدلول استراتيجي، وتصريحات إسرائيل المعبأة بنار الغضب ونوازع الانتقام والمنذرة بالثبور وعظائم الأمور.

وبعد دراسة للصورة والتدقيق في المواقف، وجدت أن الهدف الاستراتيجي الذى تحقق من عملية حماس (طوفان الأقصى) و فهمته إسرائيل ونتنياهو تحديداً، ولكنه غاب مع الأسف عن عقل حماس وقيادتها وعن لسان ناطقها الرسمي هو:

سقوط خطة نتنياهو بالفصل بين فلسطينيين غزة وفلسطينيين الضفة، واستخدام حماس أداة لإضعاف منظمة التحرير الفلسطينية وطموحاتها الوطنية في إقامة الدولة الفلسطينية.

وهذا في اعتقادي هو جوهر العمل الاستراتيجي الذي أحدثته حماس بعمليتها فجر يوم 7 أكتوبر.

 

سقوط إستراتيجية شارون وعقيدة نتنياهو

في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، قدم نتنياهو خريطة «الشرق الأوسط الجديد»، التي تُصور دولة إسرائيل الممتدة من نهر الأردن إلى البحر الأبيض المتوسط وبناء «ممر السلام والازدهار» مع جيرانها في جميع أنحاء المنطقة، بما في ذلك المملكة العربية السعودية.

ويضيف نتنياهو: «إن الدولة الفلسطينية، أو حتى مجموعة الجيوب المتقلصة التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية ظاهرياً، لا تظهر على الخريطة كما ترون».

ومنذ انتخابه رئيسًا للوزراء لأول مرة عام 1996، حاول نتنياهو تجنب أي مفاوضات مع القيادة الفلسطينية، وبدلاً من ذلك اختار تجاوزها وتجاهلها وإخراجها خارج المشهد ، فهو يرى أن إسرائيل لا تحتاج إلى السلام مع الفلسطينيين لتزدهر، كما ادعى مراراً وتكراراً ، فهو يرى: «أن قوتها العسكرية والاقتصادية والسياسية تكفي من دونها».

وللحقيقة فإن إسرائيل شهدت خلال سنوات حكمه، خاصة بين عامي 2009 و2019، ازدهاراً اقتصادياً وتحسن في مكانتها الدولية، وذلك كله قدمه نتنياهو للناخب الإسرائيلي كدليل على أنه يسير في الطريق الصحيح.

كما عززت اتفاقيات إبراهيم الموقعة مع البحرين والإمارات العربية المتحدة، وبعد ذلك أيضًا مع السودان والمغرب، هذا الاعتقاد بشكل قاطع.

وكان نتنياهو قد كتب في مقال نشرته صحيفة هآرتس قبل الانتخابات الأخيرة:

«على مدى السنوات الـ 25 الماضية، قيل لنا مرارا وتكراراً أن السلام مع الدول العربية الأخرى لن يأتي إلا بعد أن نحل الصراع مع الفلسطينيين».

وتابع نتنياهو:

«خلافاً للموقف السائد، أعتقد أن الطريق إلى السلام لا يمر عبر رام الله، بل يتجاوزها، فبدلاً من الذيل الفلسطيني الذي يهز العالم العربي، قلت إن السلام يجب أن يبدأ بالدول العربية، الذي من شأنه أن يعزل العناد الفلسطيني».

ولقد كان من المفترض أن يكون اتفاق السلام مع المملكة العربية السعودية بمثابة تتويج لكعكة «السلام مقابل السلام» التي أمضى نتنياهو سنوات في إعدادها والترويج لها.

وللحق فلم يخترع نتنياهو سياسة الفصل بين غزة والضفة الغربية، ولا استخدام حماس أداة لإضعاف منظمة التحرير الفلسطينية وطموحاتها الوطنية في إقامة الدولة الفلسطينية. وكانت خطة “الانفصال” عن غزة التي طرحها رئيس الوزراء آنذاك آرييل شارون في عام 2005 مبنية على هذا المنطق.

فشارون الذي لم يوافق على اتفاقية أوسلو، ولم يقتنع في أي وقت من الأوقات بوجود سلطة وطنية فلسطينية، وهو يعتبر هذه السلطة كما قال:

«هذه السُلطة الفلسطينية اختراع من اختراعات حزب العمل، وعرفات نفسه كاد أن يذهب إلى النسيان بعد أن أخرجته من بيروت (يقصد غزو إسرائيل للبنان 1981 وكان شارون وقتها وزير الدفاع في حكومة بيجن) لولا اعتراف إسرائيل في أوسلو بمنظمته الإرهابية، وتلك تقليعة من تقاليع شيمون بيريز!»

وكان “دوف فايسغلاس” (مستشار شارون وقتها) قد أوضح الهدف السياسي لفك الارتباط في ذلك الوقت بقوله:

«إن هذه الحزمة برمتها، والتي تسمى الدولة الفلسطينية، قد سقطت من جدول الأعمال لفترة غير محددة من الزمن”. وأضاف أن “الخطة توفر المبررات المطلوبة حتى لا تكون هناك عملية سياسية مع الفلسطينيين».

  • وكان شارون قد لمح مبكراً أن هناك انقساماً مؤسسياً وسياسياً، وفكرياً ، (ذات أبعاد إقليمية) بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس، وهذا يعود لتضارب في الرؤى وتضارب في المصالح، بل وحتى تضارب في الأمزجة الشخصية بين الرجال.

 

  • وكان شارون يرى كذلك أن هناك نفوراً مؤدى حتماً لصداماً بين دعاة العمل القومي (حركة فتح) وحملة اللواء الإسلامي (حركة حماس) وذلك عائد لاختلاف و تضارب المرجعية.

  • وبعد أن استولت حماس على قطاع غزة بانقلاب دموي ، أصبحت حماس كياناً حاكماً في قطاع غزة ، ولكن كانت هناك دائماً درجة من التناقض التي تمسكت بها حماس، واعترض عليها الجميع (على المستوى الاقليمي والدولي) حيث أرادت قيادة حماس أن تُصبح أقل من سلطة حاكمة وأكثر من كونها حركة مقاومة مسلحة.
  • وعلى الجانب الأخر، كان أمل وتقدير السلطة الفلسطينية (وحركة فتح في قلبها) وقيادتها التي تتابع من رام الله (أبو مازن)، أن «سيطرة» حماس على القطاع ربما ليس سيئاً في كل جوانبه، لأن الحركة التي انتقلت لتصبح «سلطة» ستضطر لترك «منطق البندقية» والتعامل «بمنطق السياسة».

 

  • والسياسة ستحتم عليها إن كانت تريد الاستمرار في حكم غزة من التعامل و«التنسيق الأمني» مع سلطة وكيان الاحتلال الإسرائيلي لأنها ستكون «مسئولة» عن «أمن المستعمرات» خارج القطاع ، و لكي لا يموت القطاع بالحصار أو يركع على ركبتيه من أثر الجوع ، وبهذا «تتساوى الرؤوس» بين المنظمة التي وقعت أوسلو وأخواتها ، وتنسق أمنياً مع الاحتلال ، وحماس التي على وشك ترك البندقية ، وخلع ثوب المناضلين لارتداء بدلة السياسيين!
  • ولكن حماس التي كانت ترى أهداف فتح والسلطة، تمسكت بالحسنيين «الحكم والنضال»! ، وذلك وضع على كاهلها أعباء حصار محلى وإقليمي ودولي.

وهنا تدخل نتنياهو ليستغل ذلك الوضع فلم يكتفى بتبني طريقة فكر شارون، بل «طورها» أيضاً «بالحفاظ على حكم حماس» في غزة ، وهو بذلك يستعير أسلوب «المنشار» في الطلوع والنزول.

  • فهو في «الطلوع» يستعمل حماس كأداة «لتعزيز الفصل» بين القطاع والضفة الغربية.

  • وهو في «النزول» يستعمل وجود حماس كمبرر «لحصار القطاع» ولتعبئة الإسرائيليين خلفه لمواجهة اليمين الإسلامي الممثل في شكل وتقاطيع حركة حماس!

وفي عام (2018) على سبيل المثال، وافق نتنياهو على أن تقوم قطر بتحويل ملايين الدولارات سنوياً لتمويل حكومة حماس في غزة، وهو ما يجسد التعليق الذي أدلى به “بتسلئيل سموتريتش” في عام 2015 (الذى كان آنذاك عضواً هامشياً في الكنيست، واليوم هو وزير المالية) بقوله:

«أن السلطة الفلسطينية عبئاً وحماس ذخراً».

وكانت وزيرة الإعلام الإسرائيلية (المستقيلة) “غاليت ديستل عطبريان ” كتبت، وكأنها تقرأ من كتاب مفتوح  في مايو2019 ، (ووقتها لم تكن قد دخلت الحكومة، لكنها كانت معروفة بأنها من المؤيدين البارزين لنتنياهو):

«أن نتنياهو يريد أن تقف حماس على قدميها وهو مستعد لدفع ثمن لا يمكن تصوره تقريباً مقابل ذلك: إصابة نصف البلاد بالشلل، وإصابة الأطفال والآباء بصدمات نفسية، وقصف المنازل، وقتل الناس».

وتضيف عطبريان:

 

«“السؤال هو لماذا؟” وتابعت: “لأنه إذا انهارت حماس، فقد يسيطر أبو مازن على القطاع، و إذا سيطر على القطاع، فستكون هناك أصوات من اليسار ستشجع المفاوضات والحل السياسي والدولة الفلسطينية، أيضاً في يهودا والسامرة [الضفة الغربية] … وهذا هو السبب الحقيقي وراء عدم قيام نتنياهو بإزالة زعيم حماس، هذه هي الحقيقة ، وكل شيء آخر هو هراء».

لكن الغريب والعجيب أن نتنياهو نفسه قد اعترف بالفعل قبل شهرين من إدلاء عطبريان بتصريحاتها تلك، عندما أعلن في اجتماع عام لليكود أن:

«كل من يريد إحباط إقامة دولة فلسطينية يحتاج إلى دعم وتعزيز حماس، وهذا جزء من استراتيجيتنا لعزل الفلسطينيين في غزة عن الفلسطينيين في يهودا والسامرة (يقصد الضفة الغربية)».

ويمكن القول باطمئنان أن تعزيز سياج غزة كان وجهاً آخر لاستراتيجية نتنياهو في الفصل بين فلسطينيين غزة وفلسطينيين الضفة. وأوضح نتنياهو عندما أعلن عن بدء العمل في عام 2019 لإضافة حاجز تحت الأرض أنه سيكلف الدولة في نهاية المطاف أكثر من 3(مليارات شيكل)، وقال: «الجدار سيمنع الإرهابيين من التسلل إلى أراضينا».

وبعد ذلك بعامين، كتب الصحفي الإسرائيلي “رون بن يشاي” في موقع واي نت أن الهدف النهائي للسياج، الذي كان يعتبر حاجزاً لا يمكن للإرهابيين اختراقه، هو:

«منع الاتصال بين حماس في غزة والسلطة الفلسطينية في يهودا والسامرة».

وفي صباح يوم السبت 7 اكتوبر، تم «هدم» هذا السياج الذي قيل عنه أنه ذكي!، ومعه «استراتيجية» شارون و«عقيدة» نتنياهو التي اعتمدها الأمريكان والعديد من الدول العربية (لن أذكر أسماء دول على الرغم من أن الإسرائيليين ذكروا!)، والتي تقول أنه من الممكن تحقيق السلام في الشرق الأوسط بدون الفلسطينيين عن طريق تقسيمهم ومنع اتصالهم.

وفى الوقت الذي عبر فيه مئات المسلحين الحدود متغلبين على كل العوائق التكنولوجية التي كانت موضوعة في طريقهم من أجل منع اتصالهم بفلسطينيين الضفة من جانب، ومن أجل طمأنة الجمهور الإسرائيلي من جانب أخر، قام هؤلاء الرجال باحتلال مواقع الجيش الإسرائيلي والتسلل إلى العشرات من المستعمرات الإسرائيلية على بعد 18 ميلاً.

وفى تلك اللحظة تحديداً، وسواء كانت حماس (تدري أو لا تدري – تفهم أو تجهل) تُعلن بأكثر الطرق وضوحاً وإيلاماً وإهانةً للجانب الإسرائيلي أن:

 

  • الصراع الذي يهدد حياة الإسرائيليين اليوم مع الفلسطينيين هو صراع مستمر إلى أخر المدى ولن يمنعه عائق حتى لو سُمي بالذكي!
  • وأن الفلسطينيين لا يمكن تجاوزهم عبر التفاهم مع الرياض أو أبو ظبي أو المنامة دونهم.
  • وأن أي ظن بأن المليونين فلسطيني المسجونين والمحاصرين في غزة سوف يختفون إذا قامت إسرائيل ببناء سياج محكم ومزود بأحدث الأجهزة الإلكترونية هو في أفضل الظروف سراب يحسبة الظمأن ماء.

لقد أثبتت تلك العملية للقيادة الإسرائيلية (سياسيين وعسكريين) أن كل تلك الرؤى و الأفكار والخطط هي مجرد خيوط دخان تكاثفت في الهواء وكونت سحابة من الوهم ، وهذا الوهم يتبدد الآن أمام أعين من صنعوه ، ولكنه يتبدد بطريقة «قاسية على المستوى المعنوي» ، و«مؤلمة على المستوى البشرى» ، و«مهينة على مستوى الكبرياء والكرامة».

وربما يمكن لأعضاء حزب الليكود (مثل وزيرة الاعلام المستقيلة غاليت عطبريان)  ، أن تفعل مع “بنيامين نتنياهو” اليوم كما فعل أعضاء حزب العمل مع زعيم الحزب وقتها “إيهود باراك” في الماضي القريب ، حينما وقف أحد شباب حزب العمل الإسرائيلي وقتها (حاييم رامون) في عهد رئيس الوزراء الأسبق “ايهود باراك” وبعد خسارته الانتخابات أمام حزب الليكود ورئيسه وقتها “أرئيل شارون”، حينما وقف في اجتماع تقيمي لموقف حزب العمل بعد الانتخابات قائلاً لباراك:

«إن كل ما فاعلته طوال رئاستك للوزارة، هو أنك وقفت في مكان أعلى من الحزب ثم فتحت سوستة بنطالك (وصف يصعب كتابته على روق ، وإن كانت جريدة الاندبندنت البريطانية كتبته في وقتها!) ، وقلت لنا هذا هو المطر فازرعوا واحصدوا واشكروا الرب الذى أفاض عليكم نعمه ، ثم اكتشفنا بعدها (الكارثة)!»

 

مجدي منصور, محامي مصري وكاتب سياسي

مجدي منصور كاتب سياسي مصري له العديد من المقالات والدراسات المنشورة بكبرى المواقع ك (ساسة بوست - نون بوست - هاف بوست- عربي بوست - روافد بوست).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى