الاحدثدولي

أشرف مروان اللُغز المحير.. أسئلة حاضرة وإجابات مفقودة ؟! (1) | كتب مجدي منصور

للاشتراك بالنشرة البريدية اضغط هنا

من هو أشرف مروان؟

أشرف مروان .. من هو أشرف مروان؟ 

هل هو ملاك حميم أم شيطان رجيم؟ 

هل هو وطني شريف أم خائن وضيع؟

 طاهر برئ أم مُلوث مُدان؟ 

ولعل مروان يصدق عليه ما قاله ونستون تشرشل (رئيس وزراء بريطانيا الأسبق) عن الاتحاد السوفيتي السابق حينما وصفها بأنها « سر محاط بالغموض وملفوف بالألغاز».

فمُنذ زواجه بنجلة الزعيم القومي العربي جمال عبد الناصر(منى) رغم رفض الزعيم له في البداية ، ثم صعود مروان السياسي في عهد أنور السادات بعد ما سُمىَ بأحداث (15 مايو 1971) ، ثم ابتعاده عن بؤرة الضوء السياسية ، ودخوله بعدها لعالم البيزنس من أوسع أبوابه (تجارة السلاح) ، ثم تكشُف علاقته بالموساد الإسرائيلي وتحذيره كعميل لهم من قيام مصر وسوريا بشن حرب ضدهم في 6 أكتوبر1973، وحتى موته المفاجئ الغامض الذى تُحيطه الشبهات والتكهنات من كل جانب.

ومرةً أخرى يعود السؤال من جديد كصدى صوت في مكان مفتوح: 

من هو أشرف مروان؟

إن الإجابة على هذا السؤال دفعتني للبحث عن ما كُتب عن الرجل في بواكير حياته وهو قليل للغاية ، وكنت وأنا أكتب ذلك الموضوع متعدد الأجزاء أستعين بمقولة مؤسس جريدة نيويورك تايمز “أرثر سالزبورجر”:

«إن رأى أي إنسان في أي قضية لا يمكن أن يكون أفضل من نوع المعلومات التي تقدم إليه في شأنها».

إنني في موضوعي اعتمدت على عدد من الشهادات التي قيلت في الفترة الأخيرة على المستوى المحلي والدولي ، بالإضافة لتقرير لجنة أجرنات التي شكلتها الحكومة الإسرائيلية بقيادة “شمعون أجرنات” فور توقف الحرب من أجل معرفة القصور الذي شاب أداء كل من القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية في تلك الحرب.

ولقد أعُطيت تلك اللجنة كل الصلاحيات ومُكنت من الاطلاع على كل الملفات حتى السرية جداً منها ، بما فيها تقارير أجهزة المخابرات (العامة “الموساد” والحربية “أمان”) ، ثم إنها استجوبت الجميع ، الوزراء السياسيين (جولدا مائير، وموشي ديان ، أبا إيبان ، إسرائيل جاليلي وغيرهم)، والجنرالات العسكريين (إريك شارون ، إيلي زعيرا، بنيامين بيليد ، تال وغيرهم.(

ولقد ظل تقرير تلك اللجنة من يومها 1974 وحتى وقت قريب في طي الكتمان وممنوع نشره حتى سمحت الحكومة الإسرائيلية بنشر أجزاء منه بعد مراجعة الرقيب العسكري ، الذي قام بحذف الكثير من الفقرات.

ولكن د. إبراهيم البحراوي استطاع تكوين فريق عمل واستطاع تجميع التقرير وترجمته ونشره من خلال المركز القومي للترجمة وقد نشروا حتى الآن أربع أجزاء. ، وكان من ضمن ما نُشر هي شهادة الجنرال دافيد أليعازر (رئيس هيئة الأركان وقتها) وشهادة الجنرال إيلي زعيرا (رئيس المخابرات العسكرية “أمان”.) 

وفى كل الأجزاء لا تخلوا شهادة لأحد العسكريين أو السياسيين أمام اللجنة إلا وذُكر فيها اسم “أشرف مروان” ودوره عدة مرات وليس مرة واحدة

يتبقى لي ملاحظة أخيرة : وهى أن مراجع الموضوع ستذكر إما في صُلبه وإما في نهايته.

 

(1)

البداية صدمة المفاجأة!

في منتصف رمضان عام 2002 صدر كتاب لمؤرخ بريطاني يهودي يدعى “أهارون بيرجمان” يكشف في كتاب بعنوان     (تاريخ إسرائيل) عن جاسوس مصري نجح الموساد في تجنيده يوصف بـالعريس أو الصهر وهو زوج ابنة جمال عبدالناصر ومساعد أنور السادات.

ولم يذكر الكتاب الاسم صراحة – ولكن كان واضحاً أن المقصود هو أشرف مروان. وتحولت القصة بعدها من رواية مجهولة إلى فضيحة مؤلمة لثلاثة نظم سياسية.. نظام عبد الناصر بالنسب ، ونظام السادات بالتواطؤ، ونظام مبارك بالتجاهل.

وخرج كثير من رجال عبدالناصر يتحدثون:

أنكر السيد “أمين هويدي” الذي أشرف على المخابرات العامة بعد هزيمة يونيو 1967 «أن يكون للجهاز دور في دفع مروان للعمل مع الموساد ليكون جزءاً من خطة خداع إسرائيل قبل عبور القناة ، كما أشيع دفاعا عنه فلم يمكث مروان سوى شهور قليلة في الجهاز قبل أن ُينقل إلى سكرتارية عبدالناصر للمعلومات تحت رئاسة سامى شرف».

وقال السيد “سامى شرف) “وزير شئون المعلومات في عهد عبدالناصر) جُملة حاسمة: «لو أن عبد الناصر علم بما فعل مروان لأطلق عليه الرصاص».  

وحاولت “منى عبد الناصر” (نجلة عبد الناصر وزوجة مروان) إقناعه بالقول: «أن والدها كان على علم بذهاب زوجها مروان للعمل مع المخابرات الإسرائيلية في لندن».

 

لكنه رفض ، فأتت برد فعل غير لائق.

وخرجت الحكومة المصرية بعد وفاة مروان ببيان ينفي الرواية الإسرائيلية ومعها تصريح من الرئيس الأسبق “حسنى مبارك ” يقول:

«أن المشير أحمد اسماعيل (وزير الدفاع المصري وقت حرب أكتوبر) أخبره أن مروان قام بأعمال مجيدة في تلك الحرب».

ولكنه لم يقل ما هي تلك الأعمال المجيدة؟! ولا ما هي طبيعتها؟!، هذا بفرض صحة الرواية!   

وخرج بعدها اللواء “عبد السلام المحجوب (وكيل جهاز المخابرات العامة الأسبق) يقول:

«أنه كان ضابط المخابرات المصري الذي كان يقف وراء تدريب وتشغيل أشرف مروان عند دفعه لخداع الإسرائيليين حين أبلغهم أن الحرب ستقوم في السادسة مساء وقامت في الثانية ظهراً، وكان السادات على حد قول المحجوب يحتاج للساعات الست ما بين بدء الهجوم وتعبئة الاحتياطي الإسرائيلي لضمان نجاح العبور».

و شهادة المحجوب هي الشهادة الوحيدة التي تبرئ مروان وتثبت أنه لم يكن جاسوساً خالصاً وإنما كان عميلاً مزدوجاً.

ومن يومها انقسم المصريون عامةً و الناصريون خاصةً لفريقين

فريق يدين الرجل بدون مناقشة ، وفريق يُبرئ الرجل بدون تروى.

فالفريق الذى يدين مروان يستند لكلام مدير الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية “إيلي زعيرا”.

بينما الفريق الذى يبرئه يستند للنفي الرسمي المصري للرواية الإسرائيلية ، كما أنهم يرون في إدانة مروان إدانة ولو بالشبهة لجمال عبد الناصر بطبيعة النسب!

ولكن كلا الطرفين الذين برأوه نسوا أو تناسوا أن مصر و(الحقيقة) أكبر من كل حكامها ولو كان بعظمة جمال عبد الناصر ، كما أن إدانة مروان استناداً للرواية الإسرائيلية وحدها هو خفة وتسرع لا مبرر لها.

(2)

موسى صبري .. شهادة ساداتية بحق كبير العائلة المروانية!

كتب الصحفي المعروف موسى صبري (رئيس تحرير جريدة الأخبار في عهد الرئيس السادات) في كتابه (السادات الحقيقة والأسطورة) فصل من فصول كتابه عن أشرف مروان ، وذلك الكتاب كان رداً على كتاب (خريف الغضب) الذى كتبه الأستاذ محمد حسنين هيكل ، إن أهمية شهادة موسى صبري من وجهة نظري تنبع من عدة اعتبارات:

الأول- إن تلك الشهادة كُتبت قبل أن يثور ويظهر موضوع عمالة مروان للموساد الإسرائيلي بسنوات طويلة (الكتاب نُشر في أوائل الثمانينات) ومن ثم فلا يستطيع أحد أن يقول أن موسى صبري كتب ذلك الفصل عن أشرف مروان تحت تأثير تأييده أو رفضه لموضوع عمالة مروان لإسرائيل

الثاني أن تلك الشهادة كُتبت في حياة أشرف مروان ولم يستطيع الرد عليها بتكذيبها أو بنفيها (بكلمة أو حتى حرف) أو حتى بالتشكيك في بعضها

وذلك له معانى ويعكس دلالات ويثير الظنون ويولد أسئلة.

الثالث- أن الرجل الذى كتب ذلك (موسى صبري) من أشد أنصار الرئيس السادات ، وأحد رموز تلك الحقبة ، وهو من أشد كارهي الزعيم جمال عبدالناصر وبالتالي لا يمكن اتهامه بأنه حانق على مروان لوقوفه مع السادات في مرحلة 15 مايو 1971 وما بعدها

يقول موسى صبري:    

كان أشرف مروان لصيق الصلة رسمياً وعائلياً بالسادات منذ ليلة 15 مايو 1971 ، وأصبح مدير مكتب الرئيس للمعلومات ، ورسوله الخاص إلى الرؤساء العرب ، ثم رئيساً لمجلس إدارة هيئة التصنيع العربية بمرتب ضخم ، واشتغل بأعمال تجارية واسعة النطاق ، ثم بدأ كما تردد في تجارة السلاح.

حتى أن عثمان أحمد عثمان (رئيس شركة المقاولون العرب ، ووزير الإسكان في عهد السادات ، ونسيبه ، وصديقه ومن أقرب المقربين إليه) قال أن رجال المال يقدرون ثروة أشرف مروان بأكثر من 300 مليون جنيه (في ذلك الوقت).

كان أشرف مروان يستخدم طائرة خاصة منذ سنوات في تنقلاته ، وأصبح نشاطه المالي موزعاً بين إنجلترا وفرنسا وإسبانيا. وكان مصطفى أمين (الكاتب الصحفي وأدين هو الآخر في قضية عمالة للأمريكان! في عهد الزعيم جمال عبد الناصر) يطلق عليه «الطفل المعجزة» الذى يسافر في طائرة خاصة ويسهر في محلات البلاي بوي بأوروبا!

ولم يكن أحد يتوقع أن يحتل هذا الشاب أي موقع بجوار أنور السادات ، وقد كان يعمل في حياة جمال عبد الناصر مساعداً محدود الاختصاص لسامى شرف (مدير مكتب عبد الناصر للمعلومات ، ووزير شئون رئاسة الجمهورية فيما بعد) وقيل أن عبد الناصر كان لا يثق في قدراته ، وكان عمله مع سامى شرف هامشياً ، لمجرد أنه زوج السيدة منى كريمة عبد الناصر.

بل قيل أنه كان يرتعش إذا ما وقف أمام عبد الناصر ، ولا يستطيع أن يتحدث معه دون أن يتلعثم ، وخاصةً أن لسانه ثقيل بالخلقة.

ثم كان ما حدث في ليلة 14 مايو 1971 ، عندما ذهب إلى بيت الرئيس السادات بعد لحظات من إذاعة نشرة الحادية عشرة من المساء ومعه استقالات مراكز القوة

وعمل بعدها في مكتب الرئيس السادات ، وكان في أول الأمر يريد أن يمارس كل اختصاصات سامى شرف ، ولكن الرئيس السادات قال له:

«لسه بدرى يا أشرف .. لما تتمرن على العمل» . وبدأ يعمل ، واستطاع أن يحوز على ثقة السادات ، وتوسعت اختصاصاته ، ووجد من بين موظفي مكتب الرئيس من يرفض هذا التوسع ومن يشكك في تصرفاته ، وبرز في ذلك اثنان من المكتب.

وحاول أحد الاثنين أن يتعقب أشرف مروان في كل تصرفاته لكى يصل إلى وثيقة أو دليل يثبت ضده عملاً غير مشروع.

وقد حاول ذلك بحكم منصبه الأمني في مكتب الرئيس. وكان يجاهر بعدائه لأشرف مروان ، وبأنه يستغل موقعه الرسمي بجوار الرئيس ويُسئ لسمعة السادات.

وقد وصل نفوذ أشرف مروان إلى أصغر التفصيلات حتى أنه كان يختار المضيفات في طائرة الرئيس. وعندما استقال أحد الطيارين أسند إليه أشرف وظيفة هامة في هيئة التصنيع الحربى ، وأصبح الطيار الخاص لطائرة مروان الخاصة.

وقد حصل على هذه الطائرة كهدية لهيئة التصنيع من إحدى الدول العربية وكان يستخدمها في التنقلات المتعلقة بعمله في هيئة التصنيع ، وفى تنقلاته الخاصة.

وقد اشتدت الحملة ضد أشرف مروان من بعض أصحاب المواقع في رئاسة الجمهورية الذين كانوا يرون أن عمله في مكتب الرئيس يسئ للسادات ، وانتشرت شائعات تقول أن الرئيس وأسرته كانوا يشاركون مروان في مشروعاته التجارية.

واستطاع مروان أن ينتصر على كل من كانوا يطالبون بخروجه ، وكان مروان إذا وقع في خطأ جسيم اكتُشف ، فإنه كان يسرع إلى الرئيس ويعتذر ويعترف بالخطأ ، وإذا نُسب إليه خطأ غير مؤكد كان يقدم الأدلة للرئيس على براءته ، وكان يهاجم خصومه بأنهم يحقدون عليه لنجاحه وهو لا يزال شاباً في سن مبكرة.

وفى عام 1971 تقدمت شكوى ضد أشرف مروان ، بأنه حصل على عمولة في صفقة سيارات لرئاسة الجمهورية. وأحال محمد أحمد وزير شئون رئاسة الجمهورية في ذلك الوقت بعد 15 مايو هذه الشكوى إلى المستشار محمد أبو علم المنتدب بالرئاسة طالباً منه تحقيقها

وروى أبو علم لي (أي لموسى صبري) أن أشرف مروان اتهم موظفاً كبيراً بالرئاسة بأنه هو الذى حصل على العمولة.

وانتهى التحقيق على تبرئة الموظف الكبير وعلى عدم وجود دليل قاطع يدين مروان. وقدم المستشار أبو علم تقريره عن التحقيق الذى أجراه الى السيد محمد حافظ إسماعيل (مستشار الرئيس للأمن القومي وقتها) الذى رفعه بدوره للرئيس ، ولم يُتخذ أي اجراء ضد أشرف مروان لعدم ثبوت التهمة ضده. 

وهذا ما عزز الاقتناع لدى السادات بأن ما يوجه ضد أشرف مروان من اتهامات هو من قبيل التشهير به لقربه من الرئيس.

وقد اقترب أشرف مروان أكثر بمرور الوقت من الرئيس السادات وخاصةً بعد أن اتخذت أسرة عبدالناصر (أرملته وكريمتها هدى و زوجها حاتم صادق) موقفاً معادياً من الرئيس السادات لغير سبب مفهوم) وكان محمد حسنين هيكل (الكاتب الصحفي الكبير و رئيس مجلس إدارة وتحرير الأهرام الأسبق) يساندهم.

وكان أشرف مروان يروى للسادات أنه يعانى من اضطهاد باقي الأسرة له ، لأنه يعمل معه ، وكان ينقل إليه قصصاً عديدة بعضها حقيقي وبعضها مبالغات عن عداء أسرة عبد الناصر له.

ثم جاءت العلاقة مع ليبيا فرصة كبرى أمام أشرف مروان لكى يدعم موقفه في مكتب الرئيس السادات. لقد أنشأ علاقات شخصية وثيقة مع عدد من أعضاء مجلس قيادة الثورة ، وفى مقدمتهم عبد السلام جلود الذى كان يحضر إلى القاهرة هرباً من القيود التي فرضها القذافي على شُرب الخمور.

وكان يقضى لياليه في القاهرة سعيداً بكل ما يشتهى ، وكان أشرف مروان هو صديقه الأقرب ، ومن هنا تعمقت الروابط الشخصية بينهما ، وساعد تقارب السن بين قيادات لبيا وأشرف مروان على سرعة التفاهم ، ولذلك فقد كان السادات يوفده لمهام كثيرة إلى ليبيا ، وكان يؤديها بنجاح.

وخلال ذلك أيضاً نشأت روابط صداقة بين أشرف مروان والبليونير السعودي “كمال أدهم” (كان مديراً للمخابرات السعودية طوال عهد الملك فيصل) ، وتطورت هذه الصداقة لأمور تجارية ، وبدأ مروان يعرف معنى الثروة.

لقد تجمع لديه أول مبلغ من المال واشترى باسم زوجته قطعة أرض في منطقة الأهرام  ثم باع هذه الأرض بثمن مرتفع ، واشترى قطعة أرض أخرى أكبر حجماً ، واتضح بعد ذلك أن المشتري من زوجته هو كمال أدهم ، وطبيعي أن كل ذلك كان يتم بصفة صورية حتى يكون مورد ثمن الأرض مشروعاً على الأوراق الرسمية.

وأثار جلال الحمامصى موضوع هذه الأرض في مقال بالأخبار مع موضوع الملايين العشرة التي نسب إلى جمال عبد الناصر الاستيلاء عليها ، وأمر أنور السادات بأن يحقق المدعي الاشتراكي في هذا الاتهام.

وسُئل أشرف مروان في التحقيق الرسمي عن مصدر الأموال التي اشترى بها أرض الهرم باسم زوجته.

وأجاب بأن المشتري الثاني للأرض من زوجته هو كمال أدهم ، وأن الأموال التي اشترى بها قطعة الأرض الأولى باسم زوجته مصدرها ثمن بيع سيارات تلقتها زوجته هدية من إحدى الدول العربية بوصفها كريمة عبدالناصر.

وكانت لأشرف مروان صفتان في التعامل مع السادات صفة عائلية كزوج لكريمة جمال عبدالناصر ، وصفته الرسمية في مكتب الرئيس التي تطورت ، وأصبح له اختصاص سياسي وكان يقوم بتكليف من الرئيس بكل الاتصالات العربية ، مما أثار حفيظة إسماعيل فهمى (وزير الخارجية وقتها) لاختلاط  الاختصاص

 تعليق:

لعل العلاقة السيئة بين أشرف مروان اسماعيل فهمى تبدو في “خازوق في صيغة برقية أرسلها أشرف مروان من السعودية ضد إسماعيل فهمي! في 15 مارس 1975، والبرقية تقول:

سري جداً

طلب كمال أدهم (مدير المخابرات السعودية وقتها)، والأمير تركي الفيصل (مدير المخابرات السعودية الذى خلف كمال أدهم)، والسيد أحمد عبد الوهاب إبلاغ الرئيس السادات الموضوع التالي مع رجائهم الشديد عدم التحدث مع أي مسئول سعودي أو مصري في هذا الموضوع ، وأن الذي جعلهم يتحدثون في هذا الموضوع هو حرصهم على المستوى الممتاز الذي وصلت إليه العلاقات بين البلدين:

ويضيف مروان في برقيته:

إن بعض الشخصيات المصرية المسئولة تناولت الأمراء السعوديين، ومنهم الأمير فهد(ولى العهد وقتها والملك فيما بعد) والأمير سلطان (وزير الدفاع السعودي وولي العهد فيما بعد) بالتجريح، وأنهما لا يفعلان أي شيء إلا إذا كان لهما مصلحة فيه والحصول على العمولات!

و دللوا على ذلك بما ردده كثير من المسئولين المصريين حول عقد البترول الأخير بين المملكة ومصر، وأن هناك عمولة كبيرة أخذها الدكتور رشاد فرعون والأمير فهد .(الملك فيما بعد) .

  ثم يقوم أشرف مروان بوضع «الخازوق» أسفل إسماعيل فهمى بإضافاته:

«وكذلك الملاحظات التي لا لزوم لها التي يذكرها السيد إسماعيل فهمي للسيد فؤاد ناظر (سفير السعودية في مصر) ، وطلبوا مني إبلاغ السيد الرئيس بزيادة الاتصالات»!!.

(انتهى التعليق). 

عودة لشهادة موسى صبري

لكن وقائع عديدة تراكمت أمام الرئيس السادات وبعدها قرر إبعاده عن رئاسة الجمهورية ونقله إلى هيئة التصنيع الحربى رئيساً لمجلس إدارتها ، وقد كان هذا المنصب الجديد لأشرف مروان بترشيح من الدول العربية المساهمة في هذه الهيئة ، واعتبر السادات ذلك محققاً لهدفين :

الأول – ابعاد أشرف مروان من رئاسة الجمهورية.

والثاني – الاستفادة منه في هيئة التصنيع العربية لأن المساهمين فيها هم الذين اختاروه. 

ولم يشأ السادات أن يكون إبعاد أشرف مروان في شكل طرد له ، ولذلك كرمه بمنحه وساماً تقديراً للخدمات التي أداها للدولة في حرب أكتوبر.

وقد نوقش السادات من عدد من الأشخاص المقربين إليه في وضع أشرف مروان وإساءته إليه ، وكانت تناثرت قصص عديدة حول أموال باهظة خسرها أشرف مروان على مائدة القمار في « البلاي بوى» بلندن ، وعن شقة خاصة يملكها في العاصمة البريطانية ، وعن علاقاته التجارية بالبليونير “كمال أدهم” ، وكان كمال أدهم وكيلاً لشركة طيران بوينج في الشرق الأوسط (أي أنه كان يتقاضى عمولة عن كل طائرة بوينج تُباع في المنطقة) وكان مروان يقوم بتسهيل عدد من الأمور له.

ونوقش السادات من عديدين في وضع أشرف مروان قبل إبعاده ، فقد سأله “محمود أبو وافية ” لماذا تتمسك يا ريس بأشرف مروان”؟

وأجابه السادات: «بأن أشرف مروان يقوم بخدمات للبلد لا تسمح كرامتي أن أقوم بها».

وسأله محمود أبو وافية: «زي إيه»؟

وأجاب السادات: « لم أكن أعرف مثلاً أن أحد المقربين إلى (فلان) وذكر اسم ملك عربي ، يتقاضى “رشوة” ، وهذا الرجل يساعدنا فيما نطلبه من هذا الملك وعلاقة أشرف مروان به تُسهل ذلك».

تعليق:

لعل ذلك الواقع عن الرشاوى وعمولات صفقات التسليح يظهر في محضر رسمي و يستوقف النظر في تلك الفترة أن دخول “أشرف مروان” في قضايا التسليح ، كان ظاهراً على مستوى القمة.

فقد حضر اجتماعاً رسمياً للرئيس «السادات» مع وزير الخارجية الأمريكية «هنري كيسنجر»، وكان الاجتماع في بيت الرئيس “السادات” في الجيزة يوم 10 أكتوبر 1974.

وتروى وثيقة رسمية من الوثائق السرية لوزارة الخارجية عنوانها

«مذكرة عن مناقشة»     

أن الاجتماع حضره من الجانب المصري مع الرئيس “السادات” كل من “إسماعيل فهمى” (وزير الخارجية) و”محمود عبدالغفار” (وكيل الوزارة) والدكتور “أشرف مروان” (الذى وصفته الوثيقة الأمريكية ب (مساعد الرئيس للاتصالات الخارجية).

ومن الجانب الأمريكي الدكتور “هنري كيسنجر”، و”چوزيف سيسكو”، والسفير “هيرمان ايلتس” (سفير الولايات المتحدة في القاهرة)، و”بيتر رودمان” (من هيئة الأمن القومي الأمريكي .(

وتحت عنوان فرعي يقول:

«الأسلحة السعودية إلى مصر»

يتضح (من المناقشة) أن السعودية عقدت صفقة أسلحة أمريكية لمصر بقيمة 70 مليون دولار، وأن هناك وفداً سعودياً يتعاون حول الصفقة موجود في واشنطن.

وفى الصفحة الثالثة من محضر المناقشة ، تقول المذكرة 

حوار جانبي يدور باللغة العربية بين الرئيس “السادات” وأشرف مروان

ثم تُستأنف المناقشة مسارها على النحو التالي:

 “السادات”: «نحن نتحدث مع السعوديين عن صفقة السلاح (التي يمولونها)، وأنت قلت لي اننا سوف نتحدث مع الملك في هذا الموضوع ، وأعتقد أن الصفقة يمكن توقيعها قبل شهر ديسمبر، ونحن على استعداد للتوقيع أيضاً في حدود سبعة ملايين دولار هذه السنة».

ليرد عليه كيسنجر شاكياً من سوء خُلُق السعوديين قائلاً:

كيسنجر”: «إننا نجد صعوبة كبيرة مع السعوديين، ولا نستطيع أن ندفعهم إلى عمل شيء، وقد أزعجوا سفيرنا البروتستانتي المتدين، لأن كل ما يطلبونه هو “البنات” و”المال” GIRLS AND MONEY، ولم يسألوا أنفسهم بعد ماذا عليهم هم أن يفعلوا؟!، وهم يغطون على كل شيء، وسوف أثير هذا الموضوع مع الملك».

وهنا تدخَّل “أشرف مروان” في المناقشة قائلاً:

مروان”: «إن الملك سوف يُحيل الموضوع إلى “سلطان” (يقصد الأمير “سلطان” وزير الدفاع وولي العهد فيما بعد) ، و”سلطان “ليس سعيداً بمسألة الذخيرة التي يُقال لهم الآن إن تسليمها سوف يكون بعد أربعة عشر شهرا».

ليرد عليه كيسنجر موجهاً حديثه لسيسكو

كيسنجر (موجها الحديث إلى «چوزيف سيسكو»): «“چو”.. اهتم بهذا الموضوع».

ثم يعلق مروان بطلب يضعه في قالب سؤال قائلاً:

“مروان”: «ألا يمكن قصر موضوع السلاح على شركات ، دون تدخل للحكومة» ، (أي يجرى التفاوض بين السعوديين وبين الشركات الأمريكية مباشرة بدون تدخُّل رسمي).

ليرد عليه سيسكو:

“سيسكو” «تلك مسألة صعبة لأن الأمر يحتاج إلى تصريح من الحكومة الأمريكية ببيع السلاح».

ويعاود مروان الإلحاح في اخراج وزارة الخارجية من الموضوع قائلاً:

“مروان”: «لكن نحن لا نريد أن يكون لوزارة الخارجية دور في موضوعات السلاح».

ويفهم كيسنجر غرض مروان الحقيقي من الموضوع وهو بالطبع “العمولات” ، ليرد عليه كيسنجر بوضوح قائلاً:

كيسنجر”: «عليكم أن تعرفوا أن وزارة الدفاع يتعين عليها في مسألة السلاح أن تتعامل على أساس أسعار مقررة ثابتة» !!

عودة لشهادة (موسى صبري(  

وذات يوم فاتحت الرئيس في موضوع أشرف مروان ، وقلت له : « إن الشعب يرفضه ، فلماذا تتمسك به؟»

فقال السادات: «أنا لا أقبل أن أمد يدى إلى أي حاكم عربي ، ولكننا نتعرض لمآزق مالية خطيرة ، وأشرف يقوم بهذه المهمة».

كما قال السادات: «أن تقارب سن أشرف مروان مع أعمار القيادات الليبية ، يُسهل أمور كثيرة في التفاهم بين مصر ولبيا».

وقال السادات أيضاً: «بأن أشرف مروان “قدم خدمات ممتازة في موضوع الأسلحة ، واستطاع بجهده الشخصي بعلاقته الشخصية أن يذلل كثيراً من العقبات مع المصانع الفرنسية».

(انتهى كلام موسى صبري).

وبعد كل هذا وذاك ، لا أعرف إن كانت اتضحت أجزاء من صورة أشرف مروان بعد تلك الجولة أم لا؟

ولكنى متأكد من أن السؤال سوف يظل مطروحاً: من هو أشرف مروان؟

ولعلنا نجد جُزأً من الإجابة في الجزء القادم.

المراجع:

1-   السادات الحقيقة والأسطورة – موسى صبري.

2-   مبارك من المنصة إلى الميدان – محمد حسنين هيكل.\

3-   المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل(2) – محمد حسنين هيكل. 

مجدي منصور, محامي مصري وكاتب سياسي

مجدي منصور كاتب سياسي مصري له العديد من المقالات والدراسات المنشورة بكبرى المواقع ك (ساسة بوست - نون بوست - هاف بوست- عربي بوست - روافد بوست).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى