
قال ترامب ما لم يقله رئيس أميركي لحليف من قبل. لم يكن انتقادًا دبلوماسيًا مُحكمًا على طريقة أيزنهاور، حين أجبر بريطانيا وفرنسا على الانسحاب من السويس عبر ضغط مؤسسي صارم وعقوبات اقتصادية خانقة. ولم يكن برودة أوباما الحسابية التي تُشعر المتلقي بالإهانة من دون أن تمنحه جملة واحدة يتشبّث بها. ما قاله ترامب لنتنياهو كان شيئًا آخر تمامًا: «أنت مجنون. الجميع يكرهك. كنت ستكون في السجن لولاي». جُمل بلغة الشارع، صدرت عن البيت الأبيض، وأُعلنت علنًا بعدما تسرّبت. هذه ليست دبلوماسية مشوّشة، بل مدرسة خطاب قائمة بذاتها تستحق أن تُقرأ بأدواتها الخاصة.
في علم الاتصال السياسي، ثمة مفهوم يُعرف بـ Coercive Transactional Leadership، أي الزعامة التعاملية القسرية، وهي نمط يقوم على إعادة صياغة العلاقة بين الطرفين من شراكة استراتيجية إلى مديونية شخصية. الحليف في هذا النموذج لا يملك حقوقًا، بل امتيازات قابلة للسحب، وعليه أن يُثبت في كل لحظة أنه يستحق استمرار الحماية. حين يُذكّر ترامب نتنياهو بالسجن الذي تفاداه، فهو لا يتحدث عن دولتين تربطهما معاهدات ومصالح مشتركة، بل عن طرف أنقذ طرفًا آخر، والدَّين مستحق.
هذا النمط لا ينشأ من فراغ. فترامب يحمل ثقافة التفاوض العقاري في نيويورك، حيث الإذلال المحسوب Calculated Humiliation ليس خروجًا على الأصول، بل أداة مشروعة لكسر الطرف الآخر وإجباره على الرضوخ قبل أن تبدأ الصفقة الحقيقية. ما يبدو للمراقب الخارجي غضبًا انفعاليًا هو، في منطق هذه المدرسة، رسالة سعر: أنت تعرف الآن كم تكلّفك الحماية، فاختر.
لكن ما يمنح هذه الحادثة بُعدها الاستثنائي ليس ترامب وحده. فقد وصل نتنياهو إلى هذه اللحظة وهو يرتدي ثوبًا مُبلّلًا سلفًا في عيون الرأي العام العالمي، قبل أن تُنطق كلمة واحدة من البيت الأبيض. المحكمة الجنائية الدولية أصدرت بحقه مذكرة توقيف، وهو حدث غير مسبوق لرئيس حكومة دولة غربية التوجّه، وجعل عشرات الدول ملزمة نظريًا باعتقاله لو وطئ أراضيها. والشارع الغربي الشاب، الذي كانت إسرائيل تستمد منه تاريخيًا جزءًا من شرعيتها الأخلاقية، أدار ظهره. كما أنّ أزمة الإصلاح القضائي الداخلية كشفت أمام الكاميرات صورة رجل يهدم المؤسسة القانونية لدرء الملاحقة عن نفسه، وهو بالضبط السياق الذي استدعاه ترامب حين قال: «كنت ستكون في السجن».
ما فعله ترامب، إذًا، ليس اختراعًا للصورة، بل منحها ختم الرئاسة الأميركية. فالرأي العام العالمي كان يقول هذا منذ سنوات، همسًا ثم جهرًا. أما ترامب فقاله بالأحرف الكبيرة من داخل البيت الأبيض. وهنا تكمن المفارقة الأشد مرارة في المشهد: نتنياهو بنى استراتيجيته الدفاعية بالكامل على فكرة أنّ الغطاء الأميركي يكفيه درعًا في مواجهة أي إجماع دولي. طالما واشنطن معه، لا يهم ما يقوله الباقون. لكن حين يصبح صاحب ذلك الغطاء نفسه من يقول «الجميع يكرهك»، تنهار الاستراتيجية من الداخل، لأن الدرع تحوّل إلى مصدر الجرح.
في الأدب السياسي، يُوصف هذا النمط من الخطاب بـ Delegitimization Discourse، أي خطاب نزع الشرعية، وهو عادةً سلاح الخصوم لا الرعاة. وحين ينتقل هذا الخطاب إلى فم الحليف الأقوى، يكتسب وزنًا لا يملكه أي إجماع دولي منفردًا، لأنه يأتي من المرجعية التي كانت توفر الاستثناء. والاستثناء، حين يتكلم بلغة الاتهام، يصبح أقسى من الأحكام.




