أمندولي

هل تمتلك الصين قوات بحرية سرية؟

مترجم عن فورين بوليسي

لا شك أن مثل هذا السؤال وغيره يعتبر من أكثر الأمور المثيرة للجدل، والتي شغلت البال الأمريكي وبخاصة خلال السنوات الأخيرة حيث تصاعدت وتيرة الخلاف بين كل من واشنطن وبكين، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى التسليم بأن قوارب الصيد في بحر الصين الجنوبي ما هي إلا بمثابة ميليشيا بحرية سرية تابعة للقوات البحرية الصينية.
وبالإشارة إلى جزر سبراتلي المتنازع عليها والتي تمكنت الصين خلال الخمس سنوات الأخيرة من فرض سيطرتها على أهم النقاط الحيوية بها، فإنه من الملاحظ أن جميع الزوارق البحرية التي تجوب المنطقة الواقعة في نطاق تلك الجزر، تابعة لدولة الصين، بل إن هناك العديد من المؤشرات التي تبرهن على تبعيتها في الأساس للميليشيات البحرية الصينية، ويبرهن ذلك على الاتجاه الجديد الذي باتت تسلكه السلطات العسكرية الصينية من أجل بسط نفوذها على تلك البقعة الهامة من بحر الصين الجنوبي.
وفي الوقت الذي تشكك فيه الولايات المتحدة الأمريكية في الأنشطة البحرية الصينية في جزر سبراتلي، حيث تعتبرها بمثابة عمليات عسكرية متنكرة في زي عمليات صيد عادية، يظهر فريق محدود من الخبراء والمحللين وبخاصة التابعين منهم للمؤسسات الإعلامية في بكين، ليحاولوا نفي المزاعم الأمريكية والتأكيد على أن ما تمارسه القوارب الصينية من تحركات هي أنشطة بحرية طبيعية ولا يتعلق الأمر بالمسائل الأمنية على الإطلاق.
ويمكن الجزم حقيقة بأن الأنشطة الغامضة التي تمارسها الزوراق الصينية في بحر الصين الجنوبي تهدف في الأساس إلى منح القوات العسكرية الصينية المزيد من النفوذ في المنطقة، مما جعل الأمر يزداد تعقيدا في ظل وجود العديد من الأطراف المطالبة بحقوقها في تلك الجزر، والمتمثلة في كل من الفلبين وماليزيا وفيتنام وتايوان، إلى جانب الولايات المتحدة بالطبع.
ولعل محاولات الصين لإخفاء أنشطة الميلشيات البحرية التابعة لها، تبدو نوعا من الهراء، فالمادة 36 من قانون الخدمة العسكرية في الصين والصادر عام 1984 والذي تمت مراجعته عام 1998 ينص على “بقاء الميليشيات العسكرية في حالة استنفار دائم وإمكانية استدعائها لمساندة القوات المسلحة في تنفيذ عمليات عسكرية في حالة الحرب، والمساهمة في الحفاظ على السلم العام على أرض الوطن”، وبالتالي فإن الميليشيات العسكرية تعد جزءا لا ينفصل عن كيان جيش التحرير الشعبي في الصين، ومن الطبيعي في تلك الحالة أن تحاول الصين استخدامها في أغراض عسكرية تتعلق بالأمن القومي للدولة وبخاصة في بحر الصين الجنوبي باعتباره من أهم النقاط الملاحية المستهدفة في العالم.
وقد أظهرت البيانات الصادرة عن معهد الدراسات الدولية والاستراتيجية، أن العدد الأكبر من الزوارق البحرية الموجودة في نطاق جزر سبراتلي، تابعة لأسطول الصيد الصيني، حيث يتراوح عدد القوارب الموجودة فعليا في جزر سيبو وميسشيف المرجانية الصغيرة وحدها ما بين 200 إلى 300 قطعة بحرية صينية.
وفي الوقت الذي يحقق فيه أسطول الصيد الصيني صدارة عالمية على صعيد الإبحار في المياه الدولية وذلك نظرا لكثرة عمليات الصيد ونسبة التلوث الملحوظ قرابة السواحل الصينية، إلا أن المشاهد التي سجلتها الأقمار الصناعية بالمنطقة توضح أن الزوارق التي يشتبه بتبعيتها للميليشيات البحرية لا تتبع أسطول الصيد الصيني، حيث تبدو أكبر حجما وأكثر تركيزا على أهداف بعينها، وبالتالي فإن الغرض من وجودها بالمنطقة أكثر من مجرد عمليات صيد في المياه البعيدة.
وعلى الرغم من أن السياسة العامة لدولة الصين تؤكد على ضرورة دعم عمليات الصيد والأنشطة الملاحية باعتبارها ركن أساسي في الحفاظ على سيادة الدولة، إلا أن ذلك لا يمكنه تقديم تفسيرا واضحا للممارسات التي تقوم بها الزوارق الصينية في جزر سبراتلي خلال السنوات الأخيرة، وبخاصة أن عدد القوارب التابعة لأسطول الصيد الصيني قد تجاوز العدد المسوح به من القطع البحرية المخول لها باستخدام أنظمة تتبع الإشارت اللاسلكية بالمنطقة والتي توفر الكثير من المعلومات للزوارق البحرية مثل تحديد الاتجاهات خلال الإبحار في المحيطات، وهناك بعض الأدلة التي تبرهن على أن عدد محدود فقط من الزوارق يستخدم الإشارات اللاسلكية التي تستعين بها رحلات الصيد العادية، مما يؤكد على نية الأسطول الصيني لإخفاء بعض الحقائق.
كما أن بقاء الزوارق البحرية الضخمة راسية بصورة شبه دائمة قرابة سواحل سبراتلي وجزر سيبو وميسشيف المرجانية، يقدم دلالة واضحة على أن الغرض من تواجدها بالمنطقة ليس القيام بالأنشطة التجارية، الأمر الذي يعتبره بعض خبراء الاقتصاد إهدارا لرأس المال وضررا كبيرا لاقتصاد الدولة.
وقد أثارت تحركات بعض الزوارق الصينية قرابة سواحل الفلبين تزامنا مع قيام مانيلا بتطوير أنشطتها البحرية بالمنطقة في ديسمبر 2018، المزيد من الشكوك، هذا في الوقت الذي ظهرت فيه بعض التقارير التي تتحدث عن نية الصين لسحب بعض القطع البحرية الراسية في جزر سبراتلي، إلا أن أعداد السفن التي أظهرتها مشاهد الأقمار الصناعية ظلت في التأرجح، كما أن افتقار تلك السفن لمعدات الصيد وعدم استعانتها بأجهزة الإشارات اللاسلكية يقدم دلالة واضحة على عدم قيامها بأية أنشطة تجارية تقليدية.
وقد سجلت مانيلا اعتراضا على تحرك بعض الزوارق الصينية واستقرارها قرابة سواحلها، هذا في الوقت الذي أشارت فيه بعض التقارير إلى مزيد من التحركات البحرية الصينية في اتجاه جزيرة Loaita التابعة لدولة الفلبين أيضا.
وعلى الرغم من أن التقارير الصينية الرسمية قد حددت دور الميلشيا البحرية في خدمة العمليات اللوجستية وتنفيذ بعض مهام المراقبة لصالح جيش التحرير الشعبي، إلا أن هناك بعض الشواهد التي تؤكد على ممارسة تلك الميليشيات لبعض عمليات التجسس على القوات المسلحة التابعة لدولة الفلبين وتعمد الاقتراب من بعض القطع البحرية التابعة للدول الأخرى بالمنطقة، الأمر الذي يجعل الأطراف الأخرى تستشعر القلق من وجود أهدافها العسكري في محيط الهيمنة الصينية، هذا في الوقت الذي تشكل فيه قوات خفر السواحل الصينية والجيش الوطني الشعبي تهديدا كبيرا على مصالح جميع الدول الأخرى بالمنطقة.
ويجمع الكثير من الخبراء على أن الحل الوحيد لتفادي وقوع أزمة في المنطقة المتنازع عليها من بحر الصين الجنوبي هي إقناع الصين بضرورة سحب العديد من القطع البحرية التابعة لها، وتقديم اعترافا رسميا بأن التواجد الهائل للزوارق الصينية والتي تمارس بعض الأنشطة الغامضة تحت ستار الأنشطة التجارية، يشكل تهديدا خطيرا لتلك البقعة الملاحية العالمية الهامة.
رابط المقال الأصلي: اضغط هنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى