إقتصادالاحدث

تحديات ضرائب الشركات في الاقتصاد الرقمي والمعولم وفرص إصلاحها | كتب د. محي الدين الشحيمي

للاشتراك بالنشرة البريدية اضغط هنا

تلعب الشركات متعددة الجنسيات دورًا شديد الأهمية في الاقتصاد فهي تتحكم وبشكل كبير جدا بخيوط التجارة العالمية وبقنوات الاستثمار الدولية، اذ انها تمثل واقعيا نصف الصادرات العالمية وثلث الإنتاج العالمي ولحوالي ربع حجم العمالة، لقد نتج عن نموذج التحرير الاقتصادي والبرمجيات وخطط التقدم في النقل والاتصالات انتشارالمتشابك والمتزايد لسلاسل القيمة العالمية، وهي من الأسباب الأساسية التي أتاحت وعبدت لنا المدخل الجدي لأسلوب الرقمنة ولنماذج الأعمال الجديدة بالبنية التحتية الافتراضية، بحيث قد أصبحت نسبة كبيرة من الأصول والمواد المؤسسة غير ملموسة وافتراضية أيضا، من حيث (العلامات التجارية وبراءات الاختراع مع الأشكال الأخرى للعملات ولرأس المال القائم على المعرفة والابتكار) والخدمات الرقمية أكثر أهمية.

ورغم كل هذا ، فإن أنجح القواعد التي تحكم وتمنهج كيفية قيام الدول بفرض ضرائبها على أرباح الشركات متعددة الجنسيات،تستند في مبادئها وإلى حد كبير لأسس تقليدية تم وضعها في أوائل القرن العشرين تحت رعاية عصبة الأمم حينها، فشرعت بلدان مختلفة ومنذ أواخر القرن التاسع عشر بالدخول باتفاقيات الازدواج الضريبي لضمان عدم فرض ضرائب على الشركات متعددة الجنسيات أكثر من مرة على الدخل ذاته الفترة ذاتها والنشاط من قبل سلطات ضريبية مختلفة، ويتم التشكيك كثيرًا في بعض المبادئ الأساسية التي تقوم عليها هذه القواعد على أساس أنها لا تزال مصممة للاقتصاد المادي التقليدي والأقل عولمة بجوهره والقاصر لناحية المرونة لمواكبة المتطلبات الأنية والتي تؤدي في مجمل الأحيان إلى ظهور التحديات التالية :

نماذج الأعمال عن بعد

تنص المبادئ الضريبية العامة بشكل قاطع وعلى النحو المنصوص عليه في القوانين المحلية والدولية وكذلك المعاهدات ، على أنه لا يجوز لبلد المصدر أن يفرض ضرائب إلا على أرباح الأعمال التجارية للمؤسسات الأجنبية المنسوبة إلى “منشأة دائمة” والتي تمارس الشركة من خلالها الأعمال التجارية في دولة محددة بالذات، وتعتبر المنشأة الدائمة بشكل عام مكانًا ثابتًا للعمل كالفرع أو المكتب أو المصنع .

ومع ذلك فإن الرقمنة تسمح للشركات بلعب دور نشط في اقتصاد الدولة دون وجود مؤسسة مادية دائمة،ويمكن أن تحقق الأعمال الرقمية “نطاقًا بدون كتلة” فلم تعد حلقات النشاط الاقتصادي كلها مادية ملموسة ، بحيث قد تصل إلى المستخدمين والعملاء في بلدان مختلفة دون وجود محلي كبير أو ملموس وهذا ما يوضح لنا مدى التكامل في الدمج بين الانتشارالانتاجي والاستهلاكي والابتكاري التأسيسي ما بين المادي والافتراضي ، على الرغم من أنه قد يكون هناك نشاط كبير وأبحاث وتطوير في أماكن أخرى، فيمكن لمواقع الشبكات الاجتماعية على سبيل المثال استخدام البيانات والمحتوى الذي تم إنشاؤه (المنتج) بواسطة المستخدمين وبيع الإعلانات المستهدفة إلى شركات أخرى ، وكل ذلك دون إنشاء مكتب فعلي في الدولة التي تشكل مسرح البيع، ويمكن للمتاجر الرقمية الوصول إلى العملاء في بلد ما دون تعيين موظفين هناك أيضا، ويمكن للشركات التقليدية أيضًا التفاعل مع الاقتصاد من خلال القنوات الرقمية فنحن اذا في أولى مراحل العصر الاندماجي والذي سوف يزاوج العالمين المادي واللامادي غير الملموس ليتم جمعهم في بيئة واحدة، فالواقع هو الواقع الافتراضي والمسرح هو كل المساحة المادية واللامادية والتي سوف يتم عدادها لتكون عاملا ناشطا ومحفزا ايجابيا لزيادة مروحة النشاط بكسر للحدودات بمختلف اطرها.

البيانات ومشاركة المستخدم

وتتمثل إحدى الحجج المؤيدة للإصلاح في الفكرة القائلة بأن المحتوى أو البيانات التي يولدها المستخدمون تساهم بشكل كبير في قيمة الأعمال التجارية، مما يتيح بيع المنتجات الإعلانية الموجهة إلى شركات أخرى فيتم الطعن في هذا أحيانًا على أساس أن البيانات الخام المستمدة من سلطات المستخدم لا قيمة لها دون تحليل، فمعالجة هذه الاشكالية تنطوي على التمييز بين خلق القيمة الحقيقية من قبل المستخدمين والمستهلكين الخاضعين للضريبة من خلال ضريبة الشركات، والمبيعات في الولاية القضائية الخاضعة للضريبة من خلال ضرائب الاستهلاك.

الاستخدام المكثف للأصول الافتراضية

تتميز الأعمال التجارية الرقمية وبدرجة كبيرة في اعتمادهها الشديد على الأصول الافتراضية او غير الملموسة، وهذا بحد ذاته يثير تحديات جمة وبشكل ملحوظ عند تحديد كيفية تخصيص الأرباح للأغراض الضريبية بين الشركات التابعة لنفس مجموعة الشركات متعددة الجنسيات العاملة في بلدان مختلفة،فيتم استخدام “مبدأ التنازل” لتحديد كيفية تقييم هذه المعاملات بين هذه الشركات، ويحدد المبلغ الذي تفرضه الكيانات ذات العلاقة والصلة في نفس مجموعة الشركات متعددة الجنسيات على بعضها البعض أي “أسعار التحويل” للمدخلات والمنتجات النهائية واستخدام حقوق الملكية الفكرية وكأنها مستقلة عن بعضها البعض،ومن أجل تعيين قيم وموثوق للمعاملات بين الكيانات أصحاب المصلحة في ولايات قضائية مختلفة تحتاج إدارات الضرائب في الشركات إلى الرجوع حكما إلى قواعد البيانات الاقتصادية للعثور على أسعار قابلة للمقارنة من معاملات مستقلة مماثلة.

تعمل نظرية ( مبدأ التنازل ) كقاعدة مفيدة لمكافحة التجنب الخطأ في دراسة المعاملات وتهدف إلى منع التلاعب بالأسعار، ومع ذلك لا يتم العثور على سعر مماثل عندما تحقق الشركات أرباحًا من الأصول الفريدة والقيمة غير الملموسة مثل قواعد البيانات والبرامج والخوارزميات مع الأنشطة التسويقية والتي تشمل العلامات التجارية الأمر الذي يجعل من الصعب تطبيق مبدأ التنازل في كثير من الأحيان، ونتيجة لذلك قد يتم التلاعب بهذا المبدأ في اقتصاد تلعب فيه الأصول غير الملموسة دورًا مهمًا وحيث يتم تنفيذ التجارة رقميًا بشكل متزايد، حيث أدى هذا التوتر إلى نشوء نزاعات بين دافعي الضرائب وسلطات الضرائب وهو ما يشكل المحور الاستيائي من عجز هذه القواعد والمطالبة بالاستعاضة عنها بآليات تخصيص أقل تعقيدًا.

المنافسة الضريبية بين الدول

تعد المنافسة الضريبية بين الدول مصدر آخر من مصادر التوتر، ويتضمن ذلك أيضا خفض معدلات الضرائب على الشركات أو تقديم حوافز ضريبية لصناعات أو أنشطة معينة حيث تتنافس البلدان على الأنشطة الاقتصادية المتنقلة، ويتضح هذا من خلال انتشار الأنظمة الضريبية التي تعامل الدخل المتولد من الملكية الفكرية بطريقة تفضيلية والاتجاه العام نحو الانخفاض في معدلات ضريبة دخل الشركات، وتجدر الإشارة هنا إلى أن عائدات ضرائب الشركات كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي قد ازدادت في الآونة الأخيرة في العديد من البلدان، مع الاشارة الى تمتع الدول بحق سيادي في تحديد معدلات ضرائبها، حيث يستخدمها الكثيرون كجزء من السياسة الصناعية.

قضايا تآكل القاعدة المتبقية وتحويل الأرباح

أبرزت وسائل الإعلام حول العالم فيما سبق، انخفاضًا ثابتًا في المساهمات في المالية العامة من قبل بعض الشركات متعددة الجنسيات البارزة، وارتبط هذا الانخفاض بقدرة دافعي الضرائب المحنكين على تحويل الدخل الخاضع للضريبة والمعاملات خارج القاعدة الضريبية والذي يعرف حقيقة بحالة “تآكل القاعدة وتحويل الأرباح” .

فالقلق هو أن بعض الشركات متعددة الجنسيات تستخدم ترتيبات معقدة لدفع ضرائب منخفضة للغاية على دخل الشركات بشكل قانوني لمجموعة شركات متعددة الجنسيات ، فقد يمنح كيان تم إنشاؤه في ولاية ضريبية منخفضة قروضًا لشركات أخرى في المجموعة ويتلقى مدفوعات الفائدة في المقابل أو يحمل براءات اختراع قيّمة ويرخصها لشركات أخرى في المجموعة مقابل رسوم حقوق الملكية، ويؤثر ذلك على تقليل الدخل الخاضع للضريبة لتلك الشركات الأخرى المنافسة والتي عادة ما يكون مقرها في ولايات ضريبية أعلى وتقليل الالتزامات الضريبية الإجمالية للشركات متعددة الجنسيات، والنتيجة تكون هي انخفاض الإيرادات الضريبية للبلدان وتصورعام بأن المؤسسات متعددة الجنسيات لا تدفع ما يتوجب عليها نصيبها العادل وبالتالي تستشرس بالأرباح.

إن الأهمية المتزايدة للأصول غير الملموسة في الاقتصاد الرقمي ، والتي تميل إلى أن تكون أكثر قدرة على الحركة تؤدي إلى تفاقم المشكلة، فتنسيق القواعد الضريبية الدولية ومعالجة استراتيجيات تجنب الضرائب التي تستغل الثغرات في القواعد هي ضرورية لانها تحول الأرباح وتعكسها بشكل مصطنع إلى السلطات والملاذات الضريبية المنخفضة على الرغم من صعوبة حسابها في الممارسة العملية ، فالتقديرات تشير لخسائر كبيرة في الإيرادات الضريبية السنوية بسبب تحويل المعاكس للأرباح الهائلة من التهرب الضريبي والتي قد تصل إلى أكثر من 400 مليار دولار، مع عجز اتفاقي وعصيان ملموس في عدم إجراء تقييم كامل وحقيقي لتأثير التغييرات ومكافحتها .

فرصة الإصلاح : الاهتمام العام والزخم السياسي

لا شك، هناك زخمًا سياسيًا كبيرًا ولو اعلانيا واعلاميا وراء الإصلاح الضريبي الدولي والمحلي، فهذا هو نتيجة الضغط المجتمعي الأوسع نطاقًا لتقديم إصلاح ذي مغزى إذا كان لا بد من الحفاظ على دعم الاقتصاد المعولم في أعقاب الأزمة المالية المتواترة ومنذ العام 2008 الى الأن وتدابير التقشف التي تلت ، فكان هنالك احتجاج عام على حالات بارزة للتهرب الضريبي، فالسياسيون ولا سيما في أوروبا وحتى في العالم ومنطقتنا جعلوا من الإصلاح الضريبي جزءًا بارزًا من الحملات الانتخابية، كما أثارت ردود الفعل السلبية العامة والمستهلكين هذه القضية كأولوية في مجالس إدارة الشركات وبين شركات الاستشارات الضريبية.

لذا ينبغي البحث بمشروع جدي وهو قائم أساسا، يكون بمثابة محاولة حسية لمعالجة الهياكل الضريبية للشركات التي تؤدي إلى تحويل ربح مصطنع والتعامل مع الأعمال الرقمية بدرجة عالية وذلك من خلال الأطر التعاونية الشاملة.

وتعمل بلدانا كثيرة حاليا على وضع قواعد جديدة لمواجهة التحديات الضريبية الأساسية للرقمنة، بحيث يجري التحليل الاقتصادي وتقييمات الأثر للمقترحات مع تطور سريع للمناقشات والهدف هو لتقديم حل نهائي لتكييف القواعد الضريبية الحالية مع الاقتصاد الرقمي وهذا صعب حاليا ، رغم خطوة المفوضية الأوروبية بتقديمها مقترحان تشريعيان بهذا الخصوص، كحل طويل الأجل لإصلاح القواعد الضريبية للشركات بحيث يتم تسجيل الأرباح وفرض ضرائب عليها حيث يكون للشركات تفاعل كبير مع المستخدمين من خلال القنوات الرقمية، وحل مؤقت لتقديم ضريبة الخدمات الرقمية المطبقة على بعض الأنشطة الرقمية التي تدر إيرادات في الاتحاد الأوروبي، وما زالت المناقشات حول الضريبة الرقمية متواصلة بشكل تهدف من خلالها ضريبة الأرباح المحولة إلى معالجة الهياكل الضريبية للشركات، التي تستخدمها الشركات متعددة الجنسيات لتجنب دفع الضرائب في بلد معين عن طريق تحويل الأرباح إلى دولة أخرى ذات معدل ضرائبي أقل ، وتسعى الشركات في خضم كل هذه المبادرات إلى اليقين والبساطة والاتساق في القواعد الضريبية ، وتحقيقا لهذه الغاية ترحب العديد من الشركات متعددة الجنسيات بالتعاون الدولي بشأن الإجراءات وحتى الأحادية منها.

د. محي الدين الشحيمي، استاذ في كلية باريس للأعمال والدراسات العليا

الدكتور محي الدين محمود الشحيمي، دكتوراه في القانون جامعة باريس اساس في فرنسا. عضو لجنة التحكيم في مدرسة البوليتكنيك في باريس. محاضر في كلية باريس للاعمال والدراسات العليا واستاذ زائر في جامعات ( باريس 2 _ اسطنبول _ فيينا ). خبير دستوري في المنظمة العربية للقانون الدستوري مستشار قانوني واستراتيجي للعديد من الشركات الاستشارية الكبرى والمؤسسات الحكومية الفرنسية كاتب معتمد في مجلة اسواق العرب ومجلة البيان والاقتصاد والاعمال ومجلة الامن وموقع الكلمة اونلاين . رئيس الهيئة التحكيمية للدراسات في منصة الملف الاستراتيجي وخبير معتمد في القانون لدى فرانس 24

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى