اجتماعالاحدث

الحساب لا يحتمل القسمة على الإنسان | بقلم د. بيار الخوري

جلس الطالب أمام السؤال الرياضي، وكتب إجابته بسخرية بريئة: «كيف يُضرب ألف شخص في الصفر فيصبحون صفرًا؟ أين ذهب الألف شخص؟». يضحك مَن يقرأ الجملة؛ لأنها تبدو خطأً طريفًا في فهم الرياضيات.

لكن تحت هذه الضحكة سؤالًا لا يخصّ الحساب على الإطلاق، بل يخصّ طريقتنا في رؤية بعضنا بعضًا: حين نعدّ الضحايا لكي نفهم حجم المأساة، هل نساعد أنفسنا على رؤيتها، أم نعرّض أنفسنا لخطر الاعتياد عليها؟

رياضيًا، ألفٌ مضروبٌ في صفر يساوي صفرًا. لكن، في الواقع، لم يختفِ الألف إنسان. هذا هو الفارق الذي يستحق التوقف عنده: هناك وجود، وهناك عدد، وهناك قيمة، وهذه الثلاثة ليست الشيء نفسه. فالوجود لا ينتظر إذنًا من العدّ ليكون حقيقيًا.

لماذا احتاج الإنسان إلى العدّ أصلًا؟ لم يبدأ العدّ بوصفه تمرينًا ذهنيًا مجردًا، بل نشأ من حاجة عملية بسيطة: كم لدينا من القمح؟ كم فقدنا من الماشية؟ كم شخصًا حاضرًا وكم شخصًا غائبًا؟ ومن هذه الحاجة اليومية وُلدت قفزة فكرية كبرى؛ إذ تعلّم الإنسان أن يتجاهل اختلاف الأشياء، ليحتفظ فقط بفكرة «الكمية». وحين نقول: «ثلاثة أشخاص» و«ثلاثة أحجار»، نمحو كل ما يميّز الأشخاص من الأحجار، ونُبقي على الرقم وحده.

ثم تطورت الأرقام من أداة للوصف إلى أداة للتنظيم. فلم تعد تخبرنا فقط بما هو موجود، بل صارت تقرر كيف نتصرف حياله، من خلال قياس الفقر، والبطالة، والنمو، والأداء، والمخاطر. وهنا يبدأ السؤال المركزي بالتشكّل بوضوح: ماذا يحدث للإنسان حين يصبح جزءًا من رقم؟

لا يوجد اختبار لهذا السؤال أقسى من الحرب؛ فالحرب، حين تصل إلينا عبر الأخبار، تتحول إلى سلسلة من الأرقام: عدد القتلى، وعدد الجرحى، وعدد النازحين، وعدد الأطفال الذين يعانون الجوع، وعدد المنازل المدمرة، وحجم المساعدات المطلوبة، ونسبة الدمار. هذه الأرقام ليست شرًا، بل هي ضرورية لتوثيق الكارثة، ومقارنة حجمها، وتوزيع المساعدات، ومحاسبة المسؤولين عنها. لكن السؤال يبقى معلّقًا: هل يستطيع الرقم أن يحمل المعنى الإنساني لما يقيسه؟ إن عبارة «عشرة آلاف قتيل» تمثّل رقمًا لازمًا لفهم حجم الكارثة، لكنها تخفي وراءها عشرة آلاف حياة مختلفة، وعشرة آلاف عائلة، وعشرة آلاف قصة توقفت فجأة.

والمفارقة أن الرقم كلما كبر، صغر حضور الفرد في وعينا. فيصبح الإنسان «واحدًا من عشرة آلاف»، بدلًا من أن يكون إنسانًا له اسم ووجه وذاكرة. تمنحنا الأرقام القدرة على المقارنة، وهذه ميزتها الأولى، لكنها تحمل خطرًا أخلاقيًا موازيًا: هل موت شخص واحد أقل مأساوية لأنه رقم صغير؟ وهل تكتسب المأساة قدرًا أكبر من الإنسانية لمجرد أن رقمها ازداد؟ أم أن الأرقام، حين تتكرر، تجعل المعاناة قابلة للاستهلاك، حتى نفقد حساسيتنا تجاهها؟

هنا يظهر الفارق بين العنوان والقصة. فعنوان يقول: «سقط خمسمئة قتيل» ينقل حجم المأساة، في حين أن قصة إنسان واحد فقد أسرته تنقل معناها. كلاهما ضروري، لكنهما لا يؤديان الوظيفة نفسها، ولا يمكن لأحدهما أن يغني عن الآخر.

والظاهرة نفسها، وإن بدرجة أخف، تلازمنا خارج الحرب أيضًا؛ فالفقير يصبح نسبة، والعاطل من العمل رقمًا، والطالب علامة، والموظف مؤشر أداء، والمريض حالة إحصائية، والمواطن رقمًا في التعداد. هذه القياسات ضرورية لإدارة أي مجتمع، لكن الخطر يبدأ حين نخلط بين قياس الإنسان واختزاله في ما قِيس منه.

نعود إلى الصفر الذي بدأت منه القصة. لا يعني الصفر دائمًا أن الشيء غائب؛ فقد يعني فقط أنه لا يمتلك قيمة وفق معيار بعينه، أو أنه لا يضيف شيئًا إلى معادلة محددة. وقد يكون الإنسان موجودًا بكامل وجوده في الواقع، لكنه يتحول إلى «صفر» داخل نظام لا يرى إلا ما يستطيع قياسه.

هذا لا يجعل مقالنا موجّهًا ضد الرياضيات أو الإحصاء. فالمشكلة ليست في العدّ، بل في الظن بأن ما يمكن عدّه هو وحده ما يستحق أن يُرى، وأن ما لا يُحصى لا قيمة له.

للأرقام ثلاث وظائف متتالية: تبدأ بوصفها أداة لفهم الواقع، ثم تتحول إلى أداة لإدارته، ثم تصبح، وهنا يكمن الخطر، أداة قد تعيد تشكيل إدراكنا للواقع نفسه، حتى نرى العالم من خلال جداولها وحسب.

نحتاج إلى العدّ لكيلا ننكر حجم المأساة، لكننا نحتاج، أحيانًا، إلى أن نتوقف عن العدّ للحظة، كي نتذكر ماذا يعني كل رقم من أرقامها.

وهكذا، يعود سؤال الطالب من مجرد خطأ حسابي بريء إلى سؤال فلسفي حقيقي: أين ذهب الألف شخص؟ لم يذهبوا إلى أي مكان. فالذي اختفى هو حضورهم الإنساني، في اللحظة التي تحوّلوا فيها من ألف إنسان إلى رقم واحد.

د. بيار بولس الخوري ناشر الموقع

vيُعد الدكتور بيار بولس الخوري أكاديميًا رئيسيًا وباحثًا بارزًا يتمتع بخبرات واسعة في الاقتصاد السياسي وسياسات الاقتصاد الكلي وإدارة التعليم العالي. يشغل حاليًا منصب أمين سر الجمعية الاقتصادية اللبنانية ونائب رئيس مساعد لشؤون التدخل المجتمعي في الجامعة الاميركية للتكنولوجيا، وسبق له العمل كخبير اقتصادي في عدة بنوك مركزية عربية، كما تخصص في صناعة السياسات المالية بمعهد صندوق النقد الدولي في واشنطن العاصمة.​ تتنوع إسهاماته الأكاديمية والتقنية بصفته أستاذًا زائرًا لتكنولوجيا البلوك تشين بجامعة داياناندا ساغار في الهند ومستشارًا في الأكاديمية البحرية الدولية واستاذ الدكتوراه في عدة جامعات في الولايات المتحدة وكندا كما في جامعة بيروت العربية. ألّف الخوري أربعة كتب دولية حول تحولات اقتصاد التعليم العالي، ونشر أكثر من 40 بحثًا علميًا محكمًا، كما يجعله مرجعًا في قضايا مبادرة الحزام والطريق وتداعياتها الجيوسياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط. ​أسس الخوري منصات معرفية رائدة تشمل مركز السياسات والاستشراف المعرفي (مسام)، وموقع الملف الاستراتيجي، وموقع بيروت يا بيروت المخصص للمعرفة وأسواق العمل. كما أطلق بودكاست "حقيقة بكم دقيقة" لمناقشة القضايا الراهنة، وشارك في تأليف سلاسل بحثية هامة تناولت صراعات حوض المتوسط والتحولات السياسية في لبنان عام 2019. ​يظهر الخوري كصوت مؤثر في مئات المقابلات الإعلامية العربية والدولية، حيث يحلل أزمات الاقتصاد اللبناني والإقليمي، ويكتب مقالات رأي في صحف كبرى مثل النهار والعربي الجديد وأسواق العرب اللندنية. تتركز جهوده حول إصلاح السياسات الكلية ومكافحة الفساد، بالإضافة إلى تطوير التعليم العالي وربطه باحتياجات سوق العمل الحديثة. ​يمتلك الخوري خبرة تقنية رائدة في دمج تطبيقات البلوك تشين في قطاع الأعمال، وقدم تدريبات دولية متخصصة لوزارة الخارجية النيجيرية وشركات في وادي السيليكون في بانغالور. بالاضافة لمسيرة تمتد لثلاثين عامًا في التدريب مع مؤسسات كبرى كشركة نفط الكويت ومنظمة "أوابك". يجمع الخوري بين العمق الأكاديمي والاستشراف العملي كخبير اقتصادي موثوق في العالم العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى