ازمة لبنانالاحدث

تايتانِك لبنان بين القرصان والقبطان (1 من 2)  | بقلم هـنـري زغـيـب

بعد صدور مقالي (“أَزرار” 1252: “حتى فؤَاد شهاب هَجَّ منهم“) رأَى أَصدقاءُ طوباويًا تَطَلُّبَ رئيس للجمهورية من قماشة فؤَاد شهاب. وتشاءَمَ البعض أَكثر فتساءَل: هل عندنا رجالٌ بصلابة فؤَاد شهاب؟

هذا التساؤُل يُلغي أَن يكونَ في لبنان، على أَرضه أَو وسْعَ مَهَاجِره، رجالٌ أَكْفياء يَحكمونه، لاستحالة وُصُول أَيِّ كَفِيٍّ يَحكُم بسبَب تَحَكُّم دينوصوريين دهريين يتناسلون على إِدارته كأَنما الأَمرُ وراثيٌّ عمليًّا أَو مَلَكيٌّ نظريًّا، فيخلف الابنُ أَباه أَو جدَّه أَو عضوًا في أُسرته الحاكمة، وكأَنما لم يَعُد في لبنان إِلَّا اختيار واحد بين هؤُلاء المتنطِّحين للرئاسة.

مش صحيح. أَبدًا مش صحيح. إِنَّ لنا رجالًا لبنانيين أَكْفياء، كلُّ كَفِيٍّ منهم يُشَرِّفُ الرئاسة والوزارة والنيابة، ونجاحه أَوفر من طبقة متكرِّرة تتعاقَب بوقاحةٍ على حكْم لبنان منذ فجر استقلاله. وأَسوأُ ما نَكَبَتْنا به هذه الطبقة من اليوضاسيين، أَنها في جلسات انتخاب الرئيس الجديد حَوَّلَت صندوق الاقتراع إِلى “صندوق فرجة” يُتابعه اللبنانيون كما أَخيرًا تابعوا “المونديال”.

يا خجلَنا من وطننا ومن أَوطان العالم أَن يتابع الناسُ جلسات انتخاب رئيس الجمهورية كحفلات “مونديال” بهذا العهر وبلامسؤُوليةٍ يَتَغَرغَر بها مَن خَطَّط لها، ويُنفِّذُها مَن هُم حجارة داما في مجلس نوابٍ يَحكُمه “أُمراءُ حربٍ عتاقٌ” داخلَ المجلس وخارجه، منتهو الصلاحية لا يتعدَّى عددُهم أَصابعَ اليد الواحدة، والباقون حبوبُ مسبحةٍ “يَتَطَقْطَقُون” في أَيدي حاملي المسبحة.

يتحدَّث الأَدعياء عن “مواصفات الرئيس” (هل بِدعة أَسخف)؟ يتطارحون مرشَّحين يَرون أَسماءَهم وحدها تُرضي ثقَة اللبنانيين والعالم. وهذا كُفْر عاهر…كلُّ المطلوب عقلٌ من خارج “صندوق پـاندورا”، ذو رؤْية استشرافية، يحفظ هُوية لبنان، لا يخالف القانون ولا يَخون قَسَمه بالحفاظ على دستور الأُمَّة، يُشكِّل فريقَ عمل اختصاصيًّا في كل حقل معرفي، يكون له برنامج منهجيٌّ وأُسلوبٌ لتنفيذه مغايرٌ عن كلِّ ما وَمَن سبقَه، صاحبُ قرار غيرُ مرتبط بالخارج انتمائيًّا واستزلاميًّا وتكون له شبكة اتصالات مُشَرِّفة محلية وعربية وعالمية تُعيد لبنان إِلى الخارطة الدُوَلية، لا يتحجَّج بضعف صلاحياته لأَن له منها ما يجعله دكتاتورًا، لا “ينقُّ” بأَن دولتنا مفْلِسة بنقصان السيولة لأَنَّ لدولتنا أُصولًا وعقاراتٍ ومؤَسساتٍ موجودةً وفاعلةً، ولاستثمارها مقوِّماتٌ قادرةٌ على مساعدتها في النهوض اقتصاديًّا وماليًّا.. ونموذج سنغفورة ماثلٌ بقدرة “لي كوان يو”، يتَّعظ به الحكَّام القادرون ويَهرب منه الحكَّام الفاشلون. وكذا نموذج أَلمانيا بنهوضها من دمار الحرب واستعادة قوَّتها بإِخلاص حُكَّامها.

لا نفقدنَّ الأَمل إِذًا. ولا يكوننَّ أَملُنا يوتوپــيًّا بل واقعيًّا بما لدى طاقاتنا اللبنانية من عبقريةٍ في اجتراح قيامة لبنان بإِنقاذ سفينته شرط التخلُّص من كلِّ قرصان أَسهَم في إِغراقها وكلِّ إِبليس ساهم في إِحراقها… فقبْل 110 سنوات، لم تغرق التايتانِك لعُطل تقْني ولا لضعف في بُنْيَتها بل لغياب القبطان عن القيام بدَوره وتلهِّيه وإِهماله فكان لها القرصان لا القبطان.

هل من خلاص؟ طبعًا لنا الخلاصُ شرط أَلَّا نَفقد الأَمل، يعني أَن نرفضَ بعنفٍ كلَّ محاولةٍ تُدَهْوِرُنا إِلى الإِحباط، وأَن نَرفضَ بالعنف ذاته كلَّ مَن في هذه الطبقة العفنة القذِرة التي تَذبح الوطن منذ عقود، وهي لم تَعُد منْتهيةَ الصلاحية وحسْب بل باتت مُضِرَّةً قاتلةً سبَّبَت الخلَلَ البُنْيَويَّ في دولتنا بما يعشِّش في نواياها وأَفعالها وسلُوكها من فَساد وخيانة يجِب تطهير الدولة منهما (فساد “السلطان” سليم نموذجًا على عهد شقيقه الرئيس بشارة الخوري، وخيانة المارشال پــيـتان نموذجًا على عهد الرئيس شارل ديغول).

سنُقاوم بالكلمة فسادَ هذه الطغْمة حتى تندحر.. سلاحُ الكلمة أَجَّج الثورة الفرنسية وأَطاحَ صَلَفَ الــ”ماري أَنطوانـيـتـيِّـين”.. وهكذا عندنا سيكون.. وسيَنهض لبنان من جحيمه إِلى سماءٍ لا يدخل نعمتها إِلَّا الأَبرار.

هنري زغيب، كاتب وشاعر لبناني

شاعر وكاتب لبنانـيّ، له عدد كبير من المؤَلفات شِعرًا ونثرًا وسِيَرًا أَدبية وثقافية، وعدد آخر من المترجَـمات عن الفرنسية والإِنكليزية، وناشط ضالع في الحياة الثقافية اللبنانية والعربية منذ 1972. مؤَسس "مركز التراث اللبناني" لدى الجامعة اللبنانية الأَميركية، ورئيس تحرير مـجلة "مرايا التراث" الصادرة فيها. درّس في عدة جامعات في الولايات المتحدة منها جامعة جورج واشنطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى