الاحدثالجيوبوليتيك الروسي

بغض النظر عن الفائز في حرب أوكرانيا فإن أمريكا هي الخاسر الفعلي | ترجمة للدكتور عوض سليمية

تحت هذا العنوان نشرت مجلة The National Interest الامريكية مقالاً بتاريخ 21 August للخبير في التقاضي الدولي وقضايا الامن القومي المحامي .Ramon Marks

بغض النظر عن من سيفوز في الحرب الأوكرانية، فإن الولايات المتحدة هي الخاسر الاستراتيجي. ستبني روسيا علاقات أوثق مع الصين ودول أخرى في القارة الأوروآسيويه، بما في ذلك الهند وإيران والمملكة العربية السعودية ودول الخليج. هذه الدول سوف تبتعد بشكل لا رجعة فيه عن الدول الأوروبية وواشنطن. بينما يشتكي الغرب من أن روسيا استخدمت صادراتها من النفط والغاز كسلاح، فإن الحقيقة هي أن بروكسل وواشنطن هما اللتان رفعتا سيف الطاقة لأول مرة عندما أعلنا عن نيتهما خفض مشتريات الوقود الأحفوري الروسي فور بدء العملية العسكرية الروسية. الخطيئة التي ارتكبتها واشنطن في هذه الحرب هي، إسقاط الورقة الصينية من يدها، على عكس الرئيس ريتشارد نيكسون وهنري كيسنجر اللذان نجحا في اللعب بــ «ورقة الصين» لعزل الاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة. الان، سيلعب الرئيسان فلاديمير بوتين وشي جين بينغ أوراقهما هذه المرة في محاولة لاحتواء القيادة العالمية للولايات المتحدة تمهيدًا لعزلها

 

يقول Marks، مع تنبه روسيا الى أنه لم يعد بإمكانها الحفاظ على أوروبا كأكبر مستقبل لموارد الطاقة، تحركت موسكو منطقيًا لزيادة مبيعاتها من الوقود الأحفوري مع دول آسيا، ولا سيما الصين والهند. فمنذ انطلاق العملية العسكرية الروسية في اوكرانيا أصبحت روسيا أكبر مزود لامدادات الطاقة للصين، لتحل محل المملكة العربية السعودية. ومن المؤكد في السنوات المقبلة، ستقوم كل من الصين وروسيا بلا شك باستثمارات كبيرة لتوسيع وتنويع أدوات نقل النفط والغاز بين البلدين، مما يمكّن روسيا من أن تكون المورد الرئيسي للوقود الأحفوري للصين. ومن المرجح أن يتمكن الصينيون من تقليل اعتمادهم على شحنات الوقود الأحفوري من الشرق الأوسط والتي يجب أن تمر عبر نقاط الاختناق البحرية الضعيفة مثل مضيق ملقا.

ويرى الكاتب، أن علاقات الطاقة الوثيقة بين الصين وروسيا ستساعد على تقاربهما كحلفاء استراتيجيين «بلا حدود» في القارة الأوروبية الآسيوية. من خلال وجود مورد طاقة روسي ملتزم في فناء منزلها الخلفي، وهذا يمنح الصين حتمًا مزيد من المرونة الاستراتيجية للتعامل مع الولايات المتحدة وحلفائها الإقليميين في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، كل ذلك على حساب الدول الغربية وواشنطن.

ويشير الى الزيادة الكبيرة في مجال واردات الطاقة الروسية الى الهند أيضًا منذ انطلاق العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا. وفقًا لمركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف، «كانت الهند المشتري الرئيسي لشحنات الطاقة من المحيط الأطلسي». قبل العملية الروسية، لم تشتري الهند أي نقطة نفط تقريبًا من روسيا. والآن تستورد أكثر من 760,000 برميل نفط يوميًا. ويرى أن هذه الزيادات في مشتريات الطاقة سوف تُضر في الجهود التي تبذلها الولايات المتحدة وأستراليا واليابان لمواصلة جذب دلهي إلى مدار أقرب مع الحلفاء في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

ويذكر الكاتب الادارة الامريكية بمواقف الهند، يقول، اتخذت الهند – أكبر ديمقراطية في العالم – موقفًا محايدًا من العملية العسكرية الروسية في اوكرانيا. في الأمم المتحدة، امتنعت الهند عن التصويت الذي أدان العملية الروسية في أوكرانيا. ورفضت إلقاء اللوم على روسيا في الهجوم. إلى جانب علاقة إمدادات الطاقة الجديدة والمتنامية، كانت روسيا أيضًا المورد الرئيس للأسلحة للقوات المسلحة الهندية منذ فترة طويلة. الأهم من ذلك، لا تزال دلهي تقدر أيضًا دعم روسيا الطويل الأمد بشأن كشمير. ويعتقد أن الرد الهندي على الحرب الروسية الأوكرانية يؤكد حقيقة أن الهند لن تندمج على الأرجح بشكل كامل في تحالف غرب المحيط الهادئ الذي تقوده واشنطن “تحالف الرباعية “Quad. إذا كانت الصين ذكية بما يكفي لتجنب المزيد من المعارك الحدودية مع الهند، فقد يتراجع الزخم للهند لتصبح أكثر فاعليةً في مجموعة الرباعية.

في المزيد من الأخبار السيئة للغرب، يقول Marks، لم تكن الهند وحدها التي امتنعت عن قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي انتقد العملية العسكرية الروسية روسيا. فقد رفضت 34 دولة أخرى الانحياز إلى جانب الغرب. يعيش على اراضيها ثلثا سكان العالم. حتى المكسيك المجاورة رفضت إدانة روسيا أو الانضمام إلى العقوبات الاقتصادية.

ويرى الكاتب أن هذه الحقائق الاستراتيجية من الصعب ان تستوعبها واشنطن. يقول، بعد العملية الروسية، اندمجت الدول الغربية بسرعة، وأصدرت مجموعة واسعة من العقوبات ضد موسكو، بما في ذلك المواعيد النهائية لإنهاء مشتريات الوقود الأحفوري من روسيا. لكن، أدت عقوبات الطاقة التي فرضها الغرب على موسكو إلى نتائج عكسية إلى حد ما، مما تسبب في اضطرابات تضخمية وإمدادات شديدة لدرجة أن بروكسل تكافح الآن للتعامل مع العواقب الاقتصادية وتقطع امدادات الطاقة الروسية. الامر الذي دفع الاتحاد الاوروبي الى الاعلان بهدوء عن اتخاذ خطوات لتخفيف عقوبات الطاقة الروسية للمساعدة في استقرار أسواق الطاقة. بينما يشتكي الغرب من أن روسيا استخدمت صادراتها من النفط والغاز كسلاح، فإن الحقيقة هي أن بروكسل وواشنطن هما اللتان رفعتا سيف الطاقة لأول مرة عندما أعلنا عن نيتهما خفض مشتريات الوقود الأحفوري الروسي فور العملية العسكرية الروسية.

يعتقد الباحث أن إحدى النتائج الثانوية الإيجابية للحرب الروسية الأوكرانية هي تجديد شباب الناتو، الذي احتشد لدعم أوكرانيا، وان التحالف سيصبح أقوى عندما تنضم فنلندا والسويد. ولكن، على الجانب السلبي، فإن الولايات المتحدة سوف تستمر في تحمل عبء الفاتورة غير المتناسبة من دعم أوكرانيا مقارنة بشركاء التحالف الآخرين باستثناء دول البلطيق وبولندا. حتى 20 مايو 2022، قدمت الولايات المتحدة أو التزمت بتقديم 54 مليار دولار من المساعدات العسكرية إلى كييف. وجاءت المملكة المتحدة في المرتبة الثانية بفارق كبير حيث بلغت 2.50 مليار دولار، تليها بولندا 1.62 مليار دولار وألمانيا 1.49 مليار دولار. اعتبارًا من 20 مايو، التزمت الولايات المتحدة بأكثر من ثلاثة أضعاف المساعدة المقدمة إلى كييف مقارنة بــ جميع دول الاتحاد الأوروبي الأخرى مجتمعة. ويضيف، الولايات المتحدة هي أكبر مورد للمساعدات العسكرية على الرغم من أن الحرب في اوكرانيا يمثل تهديدًا فوريًا للحلفاء الأوروبيين أكثر بكثير من الولايات المتحدة، التي تبعد 5700 ميل عن الحرب/ قرابة 10 الاف كم، عبر المحيط الأطلسي. تُظهر الحرب في أوكرانيا مرة أخرى مدى اعتماد أوروبا بشكل خطير على القيادة الأمريكية وجيشها. لن يتغير ذلك حتى تتمكن مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية من التخلص من الاقتناع، الذي تم ترسيخه بقوة على مدى سبعة عقود، بأن الولايات المتحدة يجب ان تبقى العمود الفقري لحلف الناتو والمطلوب منها الاسناد الدائم لهذا التحالف.

ويكشف الكاتب حقيقة مفادها، ان تفعيل المادة الخامسة للدفاع بين اعضاء الناتو تقتصر فقط على منطقة المحيط الاطلسي. بعبارة اخرى، إذا هاجمت الصين أو كوريا الشمالية أو روسيا بيرل هاربور أو هاواي أو غوام، فلن تنطبق التزامات الناتو الدفاعية الجماعية على الولايات المتحدة. ومع ذلك، على الرغم من عدم وجود فرصة لتعديل معاهدة الناتو القبيحة لمساعدة الولايات المتحدة في المحيط الهادئ، يقول Marks، لا ينبغي لواشنطن التخلي عن الناتو ولا يمكنها ذلك، من وجهة نظر الكاتب، فإنه يجب على مؤسسة السياسة الخارجية الأمريكية أن تعمل بجدية أكبر لتمكين الحلفاء الأوروبيين من تحمل المزيد، حتى لو لم يكن نصيب الأسد، من العبء الواقع على جانبهم من القارة الأوروآسيوية. إذا استمرت الولايات المتحدة في إبقاء رأسها مدفونًا في الافتراضات التاريخية التي دفعت إلى إنشاء الناتو في عام 1949، فستزداد الأمور سوءًا بشكل مطرد بالنسبة للموارد والقدرات العسكرية الأمريكية المرهقة. لم تعد الولايات المتحدة القوة المهيمنة الوحيدة في العالم، وبالتالي، يجب أن يحدث المزيد من تقاسم الأعباء في نظام التحالف الأمريكي عاجلًا أم آجلًا للتعامل مع واقع عالمd متعدد الأقطاب بشكل متزايد.

د. عوض سـليميـة

حاصل على الدكتوراة في العلاقات الدولية في تاثير اللوبي الإسرائيلي على السياسة الخارجية تجاه القضية الفلسطينية من جامعة university utara Malaysia. زميل ابحاث ما بعد الدكتوراة في السياسة الخارجية الأمريكية. مدير برنامج السياسة الخارجية الامريكية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى