الاحدثدولي

استراتيجية كبرى للتجميع كيف يمكن لترامب أن يعيد تنشيط القوة الأمريكية | بقلم البروفيسور عوض سليميّة

الملخص : يُقدّم أ. ويس ميتشل في مقالته 'استراتيجية كبرى للتجميع": كيف يمكن لترامب إعادة إحياء القوة الأمريكية' رؤية لاستراتيجية تجميع تهدف إلى إعادة بناء القوة الأمريكية من خلال التركيز على إعادة بناء القاعدة الصناعية الأمريكية، وإعادة هيكلة القوات، وتقليل الالتزامات الخارجية المفرطة. ويرى أن الولايات المتحدة بحاجة إلى استعادة هويتها كقوة عظمى من خلال التمسك بالمبادئ الاستراتيجية والحفاظ على التفوق التكنولوجي والعسكري، مع تقليل التدخلات غير الضرورية التي تضعف قدرتها التنافسية. وهذا ما يسعى اليه ترامب في سياساته الخارجية.

 

في مقال نشره موقع Foreign Affairs لأحد أحد أبرز منظري المدرسة “الترامبية الواقعية” في السياسة الخارجية الأمريكية، ومساعد وزير الخارجية الامريكي الاسبق 2017-2019 الجمهوري A. Wess Mitchell لشرح أفضل نسخة فكرية منظمة لما قد تكون عليه سياسة ترامب، وهل يمتلك الرئيس ترامب استراتيجية كبرى ام يرتجل في سياساته الخارجية.

الفكرة المركزية في هذا المقال تركز على أن الولايات المتحدة وصلت إلى مرحلة “إرهاق استراتيجي” يشبه ما أصاب الإمبراطوريات الكبرى تاريخياً. وان المشكلة القائمة الان ليست في الانحدار الأمريكي المفرط، بل في اتساع التزاماتها العسكرية الخارجية؛ تراجع القاعدة الإنتاجية الصناعية والدفاعية؛ التضخم المفرط في الإنفاق الخارجي، والانخراط في جبهات متعددة في وقت واحد.

في هذا المقال، ينتقد الكاتب المؤسسة التقليدية في واشنطن كونها تعاملت مع أمريكا كقوة لا حدود لها، وخاضت حروباً بلا حسابات ووسعت النظام الليبرالي عالمياً دون مراعاة الكلفة، ويرى أن الهيمنة الليبرالية أضعفت أمريكا، وان المطلوب الآن ترسيخ الواقعية الاستراتيجية. ولهذا يقترح ما يسميه “Grand Strategy of Consolidation” – “الاستراتيجية الكبرى للتجميع”؛ او ما يعرف بإسماستراتيجية إعادة التمركز” وجوهرها؛ تركيز القوة، تقليص الأعباء الثانوية من أجل استعادة القدرة الأمريكية على المنافسة الكبرى، خاصة مع الصين.

يجادل ميتشيل في مقاله، بأن الولايات المتحدة ما زالت الدولة الاقوى عالمياً، ويرى ان حصر الجدل بين النخب الأمريكية في محورين أما “هيمنة أمريكية مستمرة”، أو “انهيار أمريكي وشيك” هو نقاش غير دقيق. ويزعم ان المشكلة ليست في نقص القوة الامريكية، بل في سوء توزيع القوة الناجم عن التوزيع الامبراطوري المفرط. ويستحضر حكمة تاريخية تقول ان الإمبراطوريات لا تنهار فجأة، بل تنهك نفسها تدريجياً عبر انتشار عسكري وسياسي واقتصادي يتجاوز قدرتها على التحمل.

ويقدم الكاتب مثالين لدعم هذه الحجة، المثال الاول؛ بريطانيا قبل الحرب العالمية الأولى والتي كانت تمتلك أقوى بحرية، اقوى جيش، أكبر شبكة نفوذ إمبراطورية: لكن تمدد نفوذها الذي وصل الى اوروبا، آسيا، الشرق الاوسط، والمستعمرات البريطانية المتناثرة في كل مكان، ادى الى ارهاق هذه الامبراطورية، عندها أدرك بعض الاستراتيجيين البريطانيين أن الحفاظ على مقدرات وموارد الإمبراطورية يتطلب الانسحاب الجزئي وليس التوسع المستمر. ويستحضر هنا شخصية الأدميرال البريطاني جاكي فيشر الذي تنبه مبكراً الى مخاطر هذا التمدد ودعا إلى إعادة تركيز القوة البحرية، تقليص الالتزامات الهامشية، وبناء قوة نوعية لا كمية. عند هذه النقطة، يرى ميتشل أن ترامب يحاول فعل الشيء نفسه.

المثال الثاني؛ استحضار استراتيجية الإمبراطور الروماني تراجان الذي وسّع الإمبراطورية، والإمبراطور هادريان الذي أوقف التوسع وبنى الحدود الدفاعية. مشيراً الى أن التاريخ يمجّد الفاتحين فقط، لكنه غالباً ما ينسى أن من يحافظ على الإمبراطوريات هم من يعرفون متى يتوقف التوسع. وهذه الفقرة هي جوهر فلسفة المقال.

بعد استعراض ميتشيل للوضع الامريكي ومخاطر التمدد غير المحسوب واستحضار التجارب التاريخية، ينتقل الى جوهر الفكرة في هذا المقال، ويجادل بأن فكرة “التوحيد او التجميع Consolidation للقدرات ليست انعزالاً، ولا انسحاباً من العالم، بل إعادة ترتيب الأولويات وفق موازين القوة الحقيقية. بعبارة اخرى، لا يمكن لأمريكا أن تواجه الصين، وتدير حرباً مفتوحة في الشرق الأوسط، وتحمي أوروبا بالكامل، وتبقى القوة الصناعية الأولى، في الوقت نفسه. لذلك يقترح:

  1. تقليل الانخراط المباشر في بعض الساحات
  2. دفع الحلفاء لتحمل أعباء أكبر
  3. إعادة بناء القاعدة الصناعية الأمريكية
  4. حماية التكنولوجيا الأمريكية
  5. التركيز على المنافسة طويلة المدى مع الصين.

في محور إعادة الاعتبار للقوة للصناعات الامريكية الداخلية، يرى ميتشيل أن القوة العسكرية لا يمكن فصلها عن القاعدة الصناعية؛ ويعتقد أن أمريكا خسرت جزءاً من تفوقها الصناعي وأصبحت تعتمد على سلاسل توريد خارجية خطيرة خصوصاً من الصين. لذلك يدعم فكرة الاجراءات الوقائية “الحمائية” التجارية الجزئية، إعادة القوة للتصنيع، حماية التكنولوجيا، وتقليل الاعتماد على الخصوم. وهنا يدافع بصورة غير مباشرة عن الرسوم الجمركية، وسياسات ترامب الاقتصادية القومية.

ضمن هذا التأطير، ينظر ميتشيل الى الصين من عدسة ترامب، ويرى انها العدو المركزي وليست مجرد منافس اقتصادي. من وجهة نظره؛ تعتبر الصين قوة صاعدة تسعى لإعادة تشكيل النظام الدولي. وأن الخطر الحقيقي على أمريكا ليس من روسيا، ولا إيران، بل من امتلاك الصين القاعدة الصناعية والتكنولوجية والعسكرية القادرة على تحدي الولايات المتحدة على مستوى العالم. على هذا النحو؛ يرى أن كل دولار وكل قطعة سلاح وكل انتشار عسكري، يجب أن يُقاس وفق سؤال واحد: هل يخدم التوازن مع الصين أم يستنزفه؟

هنا؛ يلمح الى حروب الشرق الأوسط التي استنزفت أمريكا، بينما استفادت الصين اقتصادياً واستراتيجياً من هذا الاستنزاف. ميتشيل لا يطالب أمريكا بالانسحاب من الشرق الأوسط بالكامل، لكنه ينظر الى أن المنطقة لم تعد مركز النظام العالمي كما كانت سابقاً، وان اعتماد امريكا على نفط الشرق الأوسط قد انخفض بشكل كبير، وأن التهديدات في المنطقة أصبحت قابلة للاحتواء.

ولهذا يدعو إلى تقليل الانخراط العسكري المباشر؛ الاعتماد على الحلفاء الإقليميين وإدارة التوازنات بأقل تكلفة ممكنة.

وهذا يفسر جانباً من تفكير ترامب الضغط على الحلفاء لزيادة الدفع، رفض الحروب الطويلة؛ والرغبة في إتمام صفقات سريعة رابحة بدلاً من الحروب المفتوحة. في سياق هذه الحجج، يطالب ميتشيل أوروبا بأن تتحمل مسؤولية أكبر عن أمنها، على اعتبار ان الولايات المتحدة لا تستطيع الاستمرار في مهمة الضامن الوحيد لأمن القارة الأوروبية. ويرى أن الدعم الأمريكي لأوكرانيا يجب أن يكون محدوداً ومحسوباً لأن الأولوية الحقيقية هي آسيا. هذا الرأي يعكس بوضوح المدرسة “الترامبية الواقعية” التي ترى أن أوروبا الغنية يجب أن تدافع عن نفسها بنفسها.

وفي نهاية المقال، يحاول ميتشل إعادة تعريف “الترامبية التجميعية” استراتيجياً بإعتبارها؛ ليست فوضوية، ولا انعزالية، ولا حتى عدائية للحلفاء. ويرى انها سياسة ترامبية مبررة لجهة تقليل الالتزامات، إعادة بناء الداخل الامريكي، تركيز القوة والاستعداد لصراع طويل مع الصين. من وجهة نظر ميتشل؛ فإن نجاح أمريكا في القرن الحادي والعشرين لن يعتمد على قدرتها على السيطرة على كل شيء، بل على قدرتها على اختيار ما يجب السيطرة عليه وما يجب التخلي عنه.

البروفسور عوض سـليميـه

البروفيسور عوض سليميه هو باحث فلسطيني في العلاقات الدولية يتميّز برؤية تحليلية تجمع بين العمق الأكاديمي والخبرة الميدانية في دراسة التحوّلات الإقليمية والدولية. يشغل منصب مساعد المدير العام في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي، حيث يساهم في تطوير الاستراتيجيات البحثية والسياسات العامة المتعلّقة بالأمن القومي الفلسطيني ضمن بيئة إقليمية ودولية معقّدة. يُعرف البروفيسور سليميه بقدرته على الربط بين البُعد النظري للعلاقات الدولية والتطبيق العملي في مجالات السياسة الخارجية، وإدارة الأزمات، وبناء النفوذ الوطني. كما يشرف على دراسات ومشاريع بحثية تتناول القضية الفلسطينية في النظام الدولي، وديناميات الصراع في الشرق الأوسط، والتحوّلات في موازين القوى العالمية، مع تركيز خاص على موقع فلسطين ضمن هذه التحوّلات. وله كتاب منشور بعنوان "تأثير اللوبي الإسرائيلي على السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه القضية الفلسطينية خلال فترة الرئيس باراك أوباما"، وهو دراسة معمّقة تضيء على آليات التأثير الإسرائيلي في صنع القرار الأميركي وكيفية انعكاسها على مسار القضية الفلسطينية. يشغل أيضًا منصب مدير تحرير مجلة "أمننا القومي" الصادرة عن معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي، وهي مجلة علمية متخصّصة تُعنى بتحليل قضايا الأمن الوطني والإقليمي والدولي، وتُسهم في إثراء النقاش الأكاديمي حول الأمن القومي الفلسطيني من منظور استراتيجي شامل. ومن خلال عمله الأكاديمي والإداري، يسعى البروفيسور سليميه إلى تعزيز مكانة البحث العلمي كأداة لصياغة القرار السياسي، وترسيخ نهج استشرافي في التفكير الأمني الفلسطيني يستند إلى المعرفة، والتخطيط طويل الأمد، وفهم عميق للعلاقات بين القوى العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى