استراتيجية ترامب في إدارة الحرب على إيران: بين سياسة الضغط الأقصى والغموض الإستراتيجي | بقلم البروفيسور عوض سليمية
تهدف هذه الدراسة للإسهام في النقاش الأكاديمي القائم بين وجهتي نظر تحليليتين للحرب التي خاضتها إدارة ترامب على إيران، ترى المقاربة الاولى، ان إدارة ترامب وظفت مزيجاً من سياسة الضغط القصوى بهدف إعادة تشكيل سلوك الخصم وتحسين شروط التفاوض معه – في إطار ما يعرف بــ "سياسة الاكراه الاستراتيجي" او "الدبلوماسية القسرية". في المقابل، يجادل الفريق الاخر؛ أن الحرب على إيران عانت من اضطراب استراتيجي، واتسمت إدارتها برد الفعل والاجتهاد الشخصي أكثر من ارتكازها على تصور استراتيجي متكامل. توصل الباحث في هذه الورقة الى جملة من الاستنتاجات؛ أبرزها، أن إدارة ترامب تبنت سياسة الضغط القصوى على النظام الايراني بهدف اضعافه او تغيير سلوكه، وعلى الرغم من تحقيق هذه السياسة مكاسب تكتيكية ظرفية؛ إلا انها اخفقت في تحويل تلك المكاسب الى انجازات سياسية ملموسة يمكن البناء عليها في المسار التفاوضي الجاري. خاصة مع استمرار إعادة صياغة أهداف الحرب وتحويل مركز ثقلها من ملفات جوهرية كالبرنامج النووي والصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي؛ إلى ملفات تفاوضية لا علاقة لها بأجندة الحرب الامريكية.

المقدمة
شكلت عودة الرئيس ترامب إلى البيت الأبيض مطلع العام 2025 إعادة إحياء الجدل في أحد أكثر الملفات تعقيداً في السياسة الخارجية الامريكية؛ الملف الايراني. بينما تميل بعض القراءات إلى تصوير المواجهة بين الطرفين باعتبارها مواجهة صفرية بين مشروع أمريكي يستهدف احتواء النظام الإيراني وتغيير سلوكه؛ ومشروع إيراني يسعى إلى بسط نفوذه في منطقة الشرق الأوسط، وان حرب الــ 40 يوماً ليست إلا البداية. يجادل آخرون؛ بأن العلاقة بين الطرفين أكثر تعقيداً من اختزالها في ثنائية الحرب أو السلام دون الاخذ بعين الاعتبار اوراق القوة التي تمتلكها إيران. فالولايات المتحدة وإسرائيل لم تتمكنا من إجبار طهران على الاستسلام أو «الاعتراف بالهزيمة»؛ ولم تتمكن القوات المهاجمة من تهيئة الظروف الملائمة لتغيير النظام. كما فشلت في تدمير ترسانة إيران من الصواريخ والطائرات المسيرة. وساد الرأي القائل ان لدى ترامب نمط يتمثل في اتخاذ مواقف تفاوضية متطرفة، ليتراجع عنها لاحقًا. هذا النهج بدا أحيانًا استراتيجية متعمدة بينما بدا في أحيان أخرى عشوائيًا.
في هذا السياق، تنقسم التحليلات المتعلقة باستراتيجية إدارة الرئيس ترامب في الحرب على إيران بين مقاربتين تفسيريتين متباينتين: ترى الأولى؛ أن الإدارة وظّفت سياسة الضغط القصوى بوصفها أداةً للإكراه الاستراتيجي، هدفها إعادة تشكيل سلوك الخصم وتحسين شروط التفاوض معه ضمن ما يُعرف بـ “الدبلوماسية القسرية”. بينما يرى فريق آخر؛ أن الحرب جاءت بفعل اندفاع في القرار الأمريكي نتيجة ضغوط ايديولوجية من المحافظين الجدد والحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو دون وجود خطة سياسية واضحة لما بعد الحرب مما خلق نوعا من الغموض الاستراتيجي نتج عنه اضطراب واضح انعكس في التبدل المستمر للأهداف، والانتقال من ملفات جوهرية كالصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي إلى ملفات تفاوضية مستجدة، الأمر الذي أضعف القدرة على تحويل المكاسب العسكرية إلى نتائج سياسية مستدامة. وبين هاتين المقاربتين تتشكل مساحة جدل أكاديمي واسعة، تكتسب أهميتها من ارتباطها بتفسير طبيعة السلوك الأميركي وحدود فعالية القوة الامريكية في إدارة الصراعات.
مقاربات الادارة الامريكية في التعامل مع الازمة
أولاً: سياسة الضغط الاقصى-الدبلوماسية القسرية
تنظر المدرسة الواقعية الجديدة التي يمثلها جون ميرشيمر وستيفن والت، الى الصراع مع إيران باعتباره انعكاساً لمعادلات القوة والأمن الإقليمي، حيث تسعى القوى الكبرى إلى منع ظهور منافسين قادرين على تعديل التوازنات القائمة أو تهديد مصالحها الحيوية. على هذا النحو، تصبح طهران بالنسبة لواشنطن تحدياً استراتيجياً يتجاوز الملف النووي؛ ليشمل نفوذها الإقليمي وقدراتها العسكرية وشبكة تحالفاتها الممتدة في الشرق الأوسط. في مسار القوة، تبنى ترامب في خطته الهجومية على طهران ليلة 28 شباط فبراير 2026 استراتيجية “الصدمة والترويع” القائمة على توظيف القوة العسكرية الأمريكية لإحداث شلل سريع في القدرات العسكرية يفضي الى انهيار شامل او استسلام سريع لقادة طهران. هذه الاستراتيجية اعتمدت على تنفيذ ضربات دقيقة استهدفت قادة الصف الأول والثاني للنظام الإيراني، الى جانب عدد كبير من الاصول والبنية التحتية العسكرية بلغت أكثر من 1700 هدف بحلول 3 آذار مارس. وصفها الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية (سنتكوم)، بأنها ضعف حجم حملة «الصدمة والترويع» التي شُنت في العراق عام 2003 خلال الــ 24 ساعة الاولى.
غير أن حسابات القوة لم تؤتي ثمارها؛ وخرجت أهداف الحرب عن مسارها فورًا تقريبًا، بعد ان فشلت في إجبار ما تبقى من القيادة الإيرانية على الجلوس إلى طاولة المفاوضات. هذا الموقف، دفع ترامب الى إعادة التدقيق في حساباته وادخل عناصر اخرى الى ساحة المواجهة كأدوات للضغط “الدبلوماسية القسرية“، وهنا: الضغط الاقتصادي من خلال إغلاق مضيق هرمز امام ناقلات النفط المتجه من والى الموانئ الايرانية. بالإضافة الى؛ استمرار تصعيد الخطاب التهديدي “بمسح حضارة بأكملها عن وجه الارض” والتلويح باحتلال جزيرة خرج -محطة النفط الايرانية المركزية، والتلويح بتدمير البنية التحتية الصناعية والاقتصادية.
يُفسر العديد من المحللين نمط الانتقال من التصعيد العسكري إلى الاكتفاء بخطاب التهديد؛ تراجعاً في سلوك الرئيس الأمريكي يعزى الى تجربته الطويلة في عالم الأعمال. يتأسس هذا النمط على مقاربة تفاوضية تقوم على تعظيم أدوات الضغط ورفع مستوى المخاطرة في المراحل الأولى، بما يخلق بيئة تفاوضية تمنحه هامشًا أوسع للمناورة، قبل الانخراط في تسويات أو إعادة تموضع تحقق مصالحه بأقل كلفة ممكنة-إعادة تشكيل البيئة. هذه الاستراتيجية يمكن العثور عليها في كتابه The Art of the Deal، والتي تقوم على فلسفة التفاوض مع تعظيم الضغوط؛ قبل الانتقال إلى مرحلة التسوية. من هذا المنظور، لم تكن سياسة “الضغط الأقصى” تجاه إيران مشروع حرب بقدر ما كانت محاولة لإعادة صياغة شروط التفاوض التي حكمت الاتفاق النووي لعام 2015 “إتفاقية العمل الشاملة المشتركة”. من وجهة النظر هذه؛ فإن سياسة “الضغط الأقصى” نجحت في تقليص الإيرادات النفطية الإيرانية، وبالتالي فرضت ضغوطاً اقتصادية غير مسبوقة على الاقتصاد الإيراني، ورفعت كلفة التدخلات الايرانية في دول الاقليم. لكنها، لم تحقق هدفها المركزي المتمثل في دفع النظام في طهران الى تغيير سلوكه بصورة تسهل احتوائه.
بل على العكس، هذه السياسة دفعت إيران الى تبني استراتيجية “المقاومة القصوى” رداً على سياسة الضغط القصوى، ورفضت التخلي عن برنامجها النووي، ولم تعلن انسحابها من ساحات نفوذها الإقليمية، بل اتجهت في بعض المراحل للطلب من حلفائها في لبنان -حزب الله رفع وتيرة التصعيد؛ وهددت بإغلاق مضيق باب المندب عبر ذراعها ميليشيات الحوثي في اليمن. مع الاستمرار في تطوير قدراتها الردعية وتوسيع ساحة المواجهة. بعبارة اخرى، فشلت سياسة الضغط الاقصى بشقيها -العسكري والاقتصادي، في إجبار إيران على الامتثال للشروط الامريكية.
بين وجهتي النظر تختلف الرؤية في تشخيص مقياس النجاح في تحقيق الاهداف. فالواقعيون يقيسون النجاح بمدى تغير موازين القوى وارتفاع كلفة السلوك الإيراني، بينما يقيسه الليبراليون بمدى قدرة القوة العسكرية على انتاج سياسة قادرة على فرض ترتيبات مستقرة ومستدامة. ويعكس هذا الجدل خلافاً أعمق داخل أدبيات العقوبات الاقتصادية نفسها. ضمن هذا النقاش، خلص Robert Pape في ورقته المنشورة تحت عنوان “Why Economic Sanctions Do Not Work” إلى نتيجة مفادها ان العقوبات الاقتصادية نادراً ما تنجح بمفردها في إجبار الدول على تغيير سياساتها الاستراتيجية الأساسية. وهي ذات النتيجة التي توصل اليها كل من Emma Ashford & John Glaser. بالمقابل، يرى آخرون أن فرض العقوبات لا تهدف بالضرورة إلى تحقيق الاستسلام السياسي، بل إلى رفع كلفة الخيارات المتاحة أمام الخصم وتقليص هامش المناورة لديه. وهو ما ورد في استراتيجية الأمن القومي لعام 2015، عندما أشار الرئيس أوباما إلى أن «العقوبات الاقتصادية الموجهة تظل أداة فعالة لفرض تكاليف على الجهات الفاعلة غير المسؤولة». من هذا المنظور، يكون الجدل الحقيقي حول سياسة الضغط الأقصى متعلقاً بطبيعة الهدف نفسه: هل كان الهدف دفع إيران إلى اتفاق جديد؟ أم احتواء قوتها وإبطاء صعودها الإقليمي.
كشفت مذكرة إعلان المبادئ الموقعة إلكترونيًا بين الطرفين الإيراني والأميركي يوم17/ 18 يونيو/حزيران 2026، والمؤلفة من أربعة عشر بندًا، عن درجة عالية من التقاطع مع المطالب الإيرانية، بما يعكس تحولًا حادًا في مسار النزاع بين الطرفين. ويزداد هذا التحول وضوحًا في ضوء غياب بندين محوريين عن أجندة التفاوض، كان ترامب قد حددهما سابقًا كأهداف مركزية للحرب، وهما: “مشروع الصواريخ الباليستية، والنفوذ الإيراني الإقليمي”. وإلى جانب ذلك، إرجاء النقاش بشأن الهدف الأسمى المرتبط بالبرنامج النووي إلى مرحلة تفاوضية ثانية حُدد سقفها الزمني بستين يومًا، الأمر الذي أعاد ترتيب أولويات النزاع الطارئة ومنها؛ إدارة مضيق هرمز والسيادة على الملاحة البحرية، ملف الأموال الإيرانية المجمدة، وصندوق الاستثمار والتعويضات، بوصفها ملفات خلافية ذات وزن استراتيجي لا تقل أهمية عن الملف النووي نفسه من وجهة نظر الطرفين.
يعزز تقرير حديث نشره مركز التقدم الامريكي؛ الرأي الذي يشير الى ضعف كبير في الموقف الامريكي بصرف النظر فيما إذا كانت مذكرة التفاهم الموقعة تمثل نهاية دائمة للحرب أم مجرد هدنة. ومع تأكيد التقرير ان الغارات الجوية قتلت قادة إيرانيين ذوي خبرة وعلى رأسهم المرشد الاعلى، ودمرت الأصول العسكرية الإيرانية، ودمرت البنية التحتية الحيوية والقدرات التصنيعية. إلا ان ذلك لم يضعف إيران؛ وان هذه النتائج قابلة للقلب، إذ يمكن لإيران استبدال قادتها، إعادة بناء مصانعها ومنشآتها، وإنتاج معدات جديدة. على هذا النحو؛ فإن النجاحات الامريكية كانت تكتيكية ظرفية أكثر منها استراتيجية فاعلة قادرة على تحقيق مكاسب سياسية لإعادة تشكيل ميزان القوة مع إيران. وفقاً للتقرير، فإن محصلة “الغضب الملحمي”، تشير وفق معايير الاستنزاف والقدرة على الصمود وإعادة التكيّف إلى أن إيران خرجت من المواجهة في موقع أكثر قدرة على تثبيت مصالحها مقارنة بالولايات المتحدة. بالمثل، يرى Jon Hoffman ان النجاحات التكتيكية التي حققها الجيش الامريكي لا يمكنها اخفاء الفشل الاستراتيجي السريع الذي تحقق في هذه الحرب. ويشير الى وجود انفصال في استراتيجية ادارة ترامب عن أهدافها المعلنة؛ من بينها القضاء على البرنامج النووي وإحداث تغيير في سلوك النظام. في النهاية لم تحقق واشنطن أيًّا من هذين الهدفين، كما أنها ليست في وضع يسمح لها بذلك.
هذه البيئة الناشئة والمتمثلة في قصور تحقيق الاهداف المعلنة وهشاشة الموقف الامريكي، انعكست على بنود الاتفاق؛ يرى روبرت بابي-جامعة شيكاغو، ان إيران اكتسبت مزيداً من النفوذ والقوة بفعل الاتفاق الموقع مع الولايات المتحدة. ويضيف؛ بعيداً عن تصريحات ترامب ونائبة فانس فإنه وبموجب هذا الاتفاق -من بين امور اخرى، ستكون إيران قادرة على بيع نفطها على الفور، هذا يعني تدفقات لملايين الدولارات في حساباتها اسبوعياً دون قيود على كيفية إنفاق هذه الاموال؛ الى جانب هذه الميزة فإن الاتفاق يسمح بإنشاء صندوق للاستثمار في إيران وإعادة الاعمار؛ وبالتالي فإن قدرة واشنطن على فرض عقوبات على الشركات العالمية والدول الراغبة في الاستثمار في طهران أصبح لاغياً بحكم هذا الاعلان. ويصل بابي الى نتيجة مفادها ان الهيكل العام للاتفاق يعكس تراجعاً امريكياً ويسير باتجاه واحد؛ مصالح طهران. ويشارك Ariane Tabatabai -مجلس شيكاغو للشؤون العالمية؛ في تحليله للمشهد رأي بابي؛ من الناحية الاستراتيجية، إيران لا تزال تحتفظ بأمرين بالغين الأهمية: الأول؛ لا تزال تمتلك مخزونًا من اليورانيوم عالي التخصيب يمكنها من إنتاج ما بين 10 و12 سلاحًا نوويًا. والأمر الثاني؛ هو قاعدة المعرفة العلمية النووية، فإيران ما زالت تحتفظ بالعلماء والفنيين والمهندسين القادرين على انتاج سلاح نووي إذا قررت طهران ذلك.
يكشف تقرير نشره موقع The National Interest عن محدودية التداعيات الجيوسياسية للحرب مقارنةً بتكاليفها البشرية والاقتصادية. وان الصراع في نهاية المطاف أدى إلى إعادة فتح الممرات البحرية -التي كانت تعمل بشكل طبيعي قبل الحرب، وإلى تجديد التزامات إيران بعدم السعي لامتلاك أسلحة نووية – وهي التزامات كانت طهران قد أكدت عليها سابقًا في مناسبات عديدة”. ويتساءل، ما الذي حققته الحرب من نتائج في ضوء وصف مؤيدو ترامب ومعارضوه الصراع بأنه حرب ضرورية لإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط، أو عملية مكلفة أعادت جميع الأطراف إلى نقطة الصفر، دون أي حلول وسط. ويختم التقرير بالقول، مع استمر انعدام الثقة المتبادلة والتصريحات المتناقضة، بات الاتفاق – الذي رُوِّج له كبداية لمرحلة جديدة من الاستقرار؛ معرضًا لخطر أن يصبح مجرد هدنة قصيرة لمواجهة قادمة.
وسط هذا النقاش، تُظهر التحليلات والتقارير أن سياسة “الضغط الأقصى” التي انتهجتها إدارة الرئيس ترامب تجاه إيران بهدف احتوائها او تعديل سلوكها لم تحقق النتائج المرجوة. بينما استهدفت هذه السياسة إضعاف الاقتصاد الإيراني وإجبار طهران على قبول اتفاق جديد أكثر شمولاً، إلا أنها لم تؤدِ إلى تحقيق هذا الهدف. وهو ما أكدته صحيفة “The Times of Israel“، بالقول ان الانسحاب من الاتفاق النووي دون توفير بديل فعّال أضرّ بالمصالح الاستراتيجية ولم يسهم في تحسين الوضع. كما أشار الباحث في مركز التقدم الأمريكي أندرو ميلر إلى أن هذه السياسة كانت بمثابة “فشل ذريع”، حيث افتقرت إلى التخطيط الكافي لتحقيق نتائج دبلوماسية مستدامة.
التباين في النقاش الأكاديمي بين تيار يرى أن إدارة ترامب انتهجت سياسة متماسكة جوهرها الضغط الاقصى من خلال منظومة متشابكة من العقوبات الاقتصادية والتصعيد السياسي والأمني. وبين الرأي الاخر الذي يراها سياسة استندت، منذ نشأتها، إلى رد الفعل والاجتهاد الشخصي أكثر من ارتكازها على تصور استراتيجي متكامل أو بنية مركزية قادرة على توجيه أدواتها ضمن غايات محددة. في سياق هذا الدل، تكتسب المقاربة الثانية وزنًا تفسيرياً متزايدًا، باعتبارها تتيح قراءة السياسة الترامبية بوصفها تعبيرًا عن حالة من الفراغ الاستراتيجي والغموض البنيوي تستحث الدراسة والتحليل.
ثانياً: الغموض الاستراتيجي
يجادل بعض المحللين، أن سياسة الغموض التي ينتهجها ترامب غير القابلة للتنبؤ تعكس أحد المبادئ الأساسية لاستراتيجية السياسة الخارجية للرئيس نيكسون؛ الذي علمته خبرته في مجال الشؤون الخارجية-بدءًا من أيامه في لجنة هيرتر (Herter Committee) بصفته عضوًا في الكونغرس وصولًا إلى جولاته حول العالم بصفته نائبًا للرئيس ثم رئيسًا للولايات المتحدة لاحقًا- دروسًا لا حصر لها بشأن استراتيجيات التفاوض مع القادة الأجانب، ولا سيما الخصوم.
في يناير 2026، بعد أن غمرتها موجة من النشوة إثر الإطاحة السريعة بالرئيس مادورو، قررت إدارة ترامب المجازفة بمواجهة خصم أكثر تقلبًا وأعمق جذورًا بكثير. انطلاقًا من الافتراض بأن غارة سرية عالية التقنية ضد إيران ستحقق انتصارًا مماثلًا دون أي تكلفة. ومع ذلك، بعد مرور أشهر على الصراع تجد واشنطن نفسها محاصرة في مستنقع مألوف ومؤلم. ومرة أخرى، تم الخلط بين البراعة التكتيكية والنصر الاستراتيجي. ويذكرنا بخطاب وينستون تشرشل في خطاب أُلقي في مانشن هاوس، لندن، في 10 نوفمبر 1942 في أعقاب الانتصارات المبكرة في الحرب: «هذه ليست النهاية. إنها ليست حتى بداية النهاية. ولكنها، ربما، نهاية البداية».
من عدسة الغموض الاستراتيجي وما نتج عنها من اضطراب الاستراتيجي؛ تأرجحت سياسات ترامب تجاه إيران بين تعظيم سقف المطالب وتصعيد الضغط المستمر في محاولة لاستنزاف الخصم كمقدمة للوصول إلى صفقة تحقق المطالب الامريكية. في إعلانه الحرب على إيران ليلة 28 فبراير، وصف ترامب الحملة الأمريكية بأنها خطوة غير مسبوقة نحو تغيير وجه الشرق الأوسط والقضاء على التهديد الذي تمثله “ديكتاتورية متطرفة شريرة”. يبدو ان ترامب كان مقتنعاً تماماً بأن الحكومة الإيرانية، وبعد اغتيال المرشد الاعلى علي خامنئي وكبار مستشاريه، إما أن تغرق في الفوضى أو ربما تستسلم لمطالبه المتعددة؛ اهمها إنهاء البرنامج النووي الإيراني، وإضعاف قدراتها الصاروخية ومخزوناتها العسكرية التقليدية، ووقف دعم طهران لحلفائها “وكلائها” في المنطقة، وأكثرها طموحًا: تغيير النظام في طهران؛ لكن ومع مرور الوقت تغيرت لغة الخطاب الامريكي.
في هذا الإطار، يجادل أنصار مقاربة – الغموض الاستراتيجي، بأن المزاعم القائلة ان ترامب أخفق في شرح مبررات الحرب او توضيح اهدافها بشكل سليم هو مجرد تهرب من المسؤولية أكثر مما تعكس قصوراً في التواصل الاستراتيجي. فالرئيس بحكم خبرته في عالم الاعمال هو بائع بارع وقادر على تسويق افكاره. لكنه لم يتوصل إلى مبرر سياسي قوي من شأنه إقناع غالبية الشعب الأمريكي -وربما حتى غالبية أعضاء حزبه؛ بالمضي قدمًا حتى «الاستسلام غير المشروط» لإيران، وذلك لسبب بسيط: لم يكن هناك مبرر من هذا القبيل متاحًا. على هذا النحو، فإن القول بأن ترامب كان ينبغي أن يُظهر مزيداً من «العزم» تجاه إيران هو تعبير ملطف لقول إنه كان ينبغي أن يكون مستعداً لتحمل المزيد والمزيد من الأضرار السياسية والاقتصادية. وفقاً لصحيفة The Washington Post. وبحلول شهر نيسان/أبريل 2026، أصبح من الواضح أن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تتمكنا من إجبار طهران على الاستسلام أو «الاعتراف بالهزيمة»؛ ولم تتمكن القوات المهاجمة من تهيئة الظروف الملائمة لتغيير النظام. كما فشلت في تدمير ترسانة إيران من الصواريخ والطائرات المسيرة. وساد الرأي القائل ان لدى ترامب نمط يتمثل في اتخاذ مواقف تفاوضية متطرفة، ليتراجع عنها لاحقًا. هذا النهج بدا أحيانًا استراتيجية متعمدة، بينما بدا في أحيان أخرى عشوائيًا، حيث كان مساعدوه يجهلون الأمر، وكانت الإدارة تتراجع عن مواقفها تحت ضغط الأسواق المالية أو قاعدته السياسية المؤيدة لحركة «MAGA».
في خطابه الاول ليلة إعلان العملية العسكرية 28 شباط/فبراير وما تبعها من تصريحات متكررة أكد ترامب إن عملية «الغضب الملحمي» تهدف الى ضمان ألا تحصل إيران أبدًا على سلاح نووي، الى جانب، تدمير أسطولها البحري، تدمير صناعاتها الصاروخية، ضمان عدم قدرة “أذرعها” على تقويض مصالح واشنطن في المنطقة، وتمهيد الطريق أمام الإيرانيين للإطاحة بحكومتهم. ويرى Stephen Collinson ان الكلمات وحدها ليست كفيلة بربح الحروب، وان الرئيس لا يزال عاجزاً عن إيجاد مخرج من حرب كان من المفترض ألا تستمر أكثر من شهر ونصف، ويضيف Collinson، أن ترامب وقع في شركين من صنعه – أحدهما جيوسياسي والآخر داخلي. فنفوذ إيران على مضيق هرمز ورفضها الاستسلام يعني أنه لا يمكنه إنهاء الحرب بشكل نهائي بتكلفة عسكرية مقبولة. ومع استمرار الصراع، فإن تداعياته السياسية على الصعيد المحلي تضيق خياراته أكثر فأكثر في ظل معدل تأييد لا يتجاوز 30%، ومتوسط سعر للبنزين يزيد عن 4.50 دولارات للغالون، وتزايد المعارضة الشعبية للحرب، لم يعد لدى ترامب من رفاهية الوقت ما يحركه لمواصلة هذه الحرب.
شهدت العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران، التي امتدت لما يقرب من أربعين يومًا، غيابًا واضحًا لهدف او اهداف استراتيجية محددة يمكن أن تفسر مسار الهجوم أو توضح غاياته النهائية، مما أدى إلى حالة من الغموض في إدارة الصراع. وقد انعكس هذا الغياب في تحول الاستراتيجية إلى نهج يعتمد على الاجتهادات الظرفية والتقديرات الفردية، ما أظهر نمطًا أقرب إلى ردود الفعل التكتيكية منه إلى التخطيط الاستراتيجي المنظم. وفي هذا السياق، جاءت تصريحات قادة الإدارة الأمريكية متباينة ومتناقضة بشأن دوافع التدخل العسكري؛ إذ أشار وزير الخارجية ماركو روبيو إلى أن الضربة كانت ضرورية لتفادي هجوم إسرائيلي وشيك، بينما أكد نائب الرئيس جي دي فانس أن الهدف كان القضاء على البرنامج النووي الإيراني، رغم إعلان الرئيس ترامب سابقًا عن تدميره في حزيران/ يونيو الماضي خلال حملة الــ12 يوم “عملية مطرقة منتصف الليل”. وفي حين كانت المفاوضات بشأن البرنامج النووي مستمرة وتوشك الى التوصل الى حلول برعاية عمانية، عاد ترامب ليبرر التدخل بمعاقبة النظام الإيراني على ممارساته ضد شعبه، وهو موقف يثير التساؤلات حول مدى انسجامه مع توقيع اتفاق المبادئ الذي أوقف الحرب.
يجادل Jon Hoffman -الباحث في شؤون الدفاع والسياسة الخارجية بمعهد CATO، أن إدارة ترامب فشلت في تحقيق الهدفين الرئيسيين لهذه الحرب. وهما تدمير البرنامج النووي الإيراني، واسقاط النظام. بل على العكس، وضع الرئيس الولايات المتحدة على مسار حرب أخرى لا نهاية لها في الشرق الأوسط. وسط مؤشرات برفع التكاليف السياسية والاقتصادية والبشرية إلى أن تصبح غير محتملة بالنسبة لواشنطن. ويضيف، لقد استهانت إدارة ترامب بشكل كبير بقدرة إيران على تعطيل سوق الطاقة العالمي بهذه السرعة. وان أي تصعيد إضافي من جانب ترامب لن يؤدي إلا إلى تفاقم المشكلة وإقحام الولايات المتحدة في مأزق أكبر؛ فواشنطن تمضي قدماً دون استراتيجية وتخاطر بتكاليف لا تستطيع تحملها.
من ناحيته؛ يرى Jeremy Bowen ان الولايات المتحدة، وبالتالي إسرائيل، تعرضتا لهزيمة استراتيجية. بعد ان واجه النظام الايراني أسوأ كابوس له: عملية عسكرية مشتركة تهدف إلى شل حركته أو تدميره، شنتها الولايات المتحدة، أقوى قوة في العالم، وإسرائيل، القوة العظمى في الشرق الأوسط. ولم يكتفِ النظام بالبقاء على قيد الحياة فحسب، بل أصبح أكثر قوة. وأجبرت استراتيجيتها المتمثلة في إغلاق مضيق هرمز، وبالتالي قطع خمس إمدادات العالم من النفط والغاز، فضلاً عن مكونات حيوية أخرى في الاقتصاد العالمي، ترامب على الموافقة على سلسلة من التنازلات التي أثارت غضب وقلق «صقور» إيران في الولايات المتحدة والحكومة الإسرائيلية. وعلق وزير خارجية بايدن، انتوني بلينكن في تغريدته على منصة X على هذا الاتفاق قائلاً، «الإنجاز» الوحيد لوقف إطلاق النار هو احتمال إعادة فتح مضيق هرمز – الذي كان مفتوحًا قبل اندلاع الحرب. ويبدو أننا سندفع لإيران مقابل ذلك، في شكل إعفاءات لتصدير النفط الخام الإيراني. واضاف “لقد أثبتت إيران الآن قدرتها على إيقاف أو إبطاء مرور النفط والغاز الطبيعي والأسمدة وغيرها من المنتجات الحيوية التي يعتمد عليها جزء كبير من العالم. ومن شبه المؤكد أنها ستجد في المستقبل طرقًا لتحصيل «رسوم» مقابل المرور الآمن، مما سيساعد على ترسيخ أقدام النظام”.
الافتقار إلى استراتيجية مستدامة لإنهاء الحرب الإيرانية — ولا سيما لمعالجة مسألة إغلاق مضيق هرمز — أقنع حلفاء الولايات المتحدة بأن البيت الأبيض بدأ ينفد من الأفكار للتعامل مع التهديد القادم من طهران. يجادل استاذ العلاقات الدولية من جامعة نيويورك سابقاً الون بن مئير، كشف خطاب ترامب الموجه إلى الأمة بشأن الحرب مع إيران عن التردد والفوضى، واتسم بالتناقضات والمديح الذاتي والأهداف المتقلبة. فما كان يُروَّج له على أنه إعلان قوة أصبح كشفاً صارخاً عن الارتباك والقيادة المتعثرة — سواء على الصعيد الداخلي أو الخارجي. ويضيف بن مئير، على الرغم من مبرراته المطولة لاستمرار الأعمال العدائية، فشل ترامب في تقديم أي خطة أو جدول زمني أو هدف قابل للقياس لإنهاء الحرب. ولم يطرح أي رؤية لتحقيق الاستقرار، ولا قناة دبلوماسية، ولا معايير للنجاح. وقد أبرز هذا الإغفال أن الإدارة تعمل بدافع الاندفاع بدلاً من الاستراتيجية.
في سياق متصل، كان اتفاق اعلان المبادئ الذي وقع عليه ترامب أثناء وجوده في قصر فرساي بفرنسا ليس سوى نقطة البداية، هذا الاعلان يضع آلية لفتح مضيق هرمز على المدى القصير، ويحدد جدولاً زمنياً مدته ستون يوماً لمعالجة العديد من القضايا المتبقية- أبلغ الرئيس ترامب مساعديه أنه لا يمانع في أن تتجاوز المفاوضات مع طهران الموعد النهائي المحدد في 18 آب/أغسطس للتوصل إلى اتفاق. وعلى الرغم من نجاح إيران في ادراج اولوياتها على قائمة الاتفاق؛ الا ان هذا الاعلان يخدم أجندة ترامب الداخلية والخارجية، بالنظر لظهور العديد من التحديات والمحددات لسياساته الغامضة:
أولاً: على المستوى الداخلي
- انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر تقترب سريعاً، وسط معارضة غالبية الأمريكيين الإجراءات التي اتخذها ترامب في إيران. ويدين الديمقراطيون العملية بشكل شبه قاطع، بينما يعارضها المستقلون بشدة، أما الجمهوريون غير المؤيدين لحركة «لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى» (MAGA) فهم منقسمون. في هذا السياق، سجلت استطلاعات الرأي أن 34% من الأمريكيين يؤيدون الحرب بشدة أو إلى حد ما، بينما يعارضها 53%. ويعارض الحرب جميع الديمقراطيين تقريبًا (9% يؤيدونها و84% يعارضونها)، وكذلك غالبية المستقلين (24% مقابل 57%)، لكن معظم الجمهوريين يؤيدونها (67% مقابل 21%).
- يخيم خطر تجدد القتال بوقوع المزيد من الأضرار للاقتصاد الأمريكي – الذي لطالما كان الأولوية القصوى للناخب الأمريكي مقارنة بشؤون السياسة الخارجية. وحتى في حالة التوصل إلى اتفاق، فإن ارتفاع الأسعار عند محطات الوقود وفي متاجر البقالة قد يستمر لفترة أطول مما يتوقع الكثير من الأمريكيين، مما يمنح الديمقراطيين فرصاً جاهزة للهجوم على ترامب والجمهوريين في الأشهر القليلة المقبلة حول القضية الأكثر أهمية بالنسبة للأمريكيين: الاقتصاد. وفي سيناريو “عدم التوصل إلى اتفاق”، سيكون موقف الرئيس أكثر عرضة للخطر، حيث قد يجد الأمريكيون أن السلع التجارية والمنتجات الزراعية والعطلات أصبحت باهظة التكلفة بشكل متزايد، مع توقف السفن في الخليج، وارتفاع أسعار الوقود، وتأثر وفرة انتاج المحاصيل العالمية بنقص الأسمدة.
- تسود حالة من الاستياء الشديد اوساط النخب الامريكية بمن فيهم المقربين من ترامب من تلاعب نتنياهو وإقناعه للرئيس ترامب ان مجرد قطع راس النظام في طهران مع الضربة الاولى سوف ينهي النظام الايراني ويشعل ثورة شعبية تكمل المهمة. وذكر تقرير صحيفة New York Times، أن نتنياهو أخبر ترامب بأن برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني يمكن تدميره في غضون أسابيع قليلة؛ وأن طهران ستضعف بشدة جراء الهجمات الأمريكية-الإسرائيلية لدرجة أنها لن تكون قادرة على منع حركة المرور عبر مضيق هرمز؛ ومن المرجح ألا تكون قادرة على ضرب الأصول الأمريكية في الدول المجاورة؛ وأن النظام أصبح على وشك الانهيار، بفضل المساعدة من المقاتلين الأكراد القادرين على غزو البلاد من العراق.
- عودة الديموقراطيين للمنافسة وبقوة، مع ظهور تيار عمدة نيويورك مامداني الرافض للحروب الامريكية لدعم سياسات اسرائيل.
- الانفاق العسكري الكبير: انفقت الولايات المتحدة في حربها على إيران على مدار الــ40 يوماً ما يقرب من الــ 48 مليار دولار، بالإضافة الى تدمير أو إتلاف ما لا يقل عن 25 طائرة و12 نظام رادار خلال الشهر الأول من «عملية الغضب الملحمي». ومن بين الخسائر الأكثر أهمية طائرة “إي-3 جي سينتري” (E-3G Sentry) من طراز “أواكس” (AWACS)، التي تقدر قيمتها بنحو 500 مليون دولار، والتي دمرت في غارة إيرانية على قاعدة الأمير سلطان الجوية في المملكة العربية السعودية في 27 مارس. وأكدت الأدلة المرئية أن الطائرة أصبحت غير قابلة للإصلاح. وفي الهجوم نفسه، تم تدمير ثلاث طائرات تزويد بالوقود من طراز “كي-135 ستراتوتانكر” (KC-135 Stratotanker) — تبلغ تكلفة استبدال كل منها حوالي 320 مليون دولار بعد تعديلها وفقاً لمعدل التضخم. وتحطمت طائرة رابعة من طراز KC-135 في حادث منفصل في غرب العراق، مما أدى إلى مقتل جميع أفراد طاقمها الستة. وأفادت صحيفة وول ستريت جورنال نقلاً عن بيانات عسكرية أمريكية، أن كل طائرة استخدمتها الولايات المتحدة خلال مهمة إنقاذ في إيران وتم تدميرها لاحقاً تبلغ تكلفتها أكثر من 100 مليون دولار.
- تعثر مساعي البيت الأبيض والبنتاجون في الحصول على تمويل اضافي للحرب تصل قيمته الى 200 مليار دولار، لأسباب تعود للمساءلة داخل الكونجرس.
ثانياً: على المستوى الخارجي
- أظهر الاوروبيون ولأول مرة موقفاً معاكساً لتوجهات ترامب، ورفضوا المشاركة في قوات لفتح مضيق هرمز بالقوة العسكرية، كما اعلنت عدد من الدول الاوروبية من اسبانيا وفرنسا منع الطيران الامريكي من استخدام قواعدها العسكرية، وهي ظاهرة نادرة دفعت ترامب لصب جام غضبه على دول الناتو ووصفهم “نمر من ورق“، وتوعد بمحاسبتهم.
- فشل إدارة ترامب في الدفع بالمسلحين الاكراد وغيرهم من الجماعات المسلحة المعارضة داخل إيران، للدخول في مواجهة عسكرية مع الجيش الايراني، على الرغم من إدعاء الادارة الامريكية تسليمها كميات كبيرة من السلاح للمعارضة؛ وان السلاح الامريكي وصل الى ايادي غير صديقة لواشنطن.
- رفض دول الخليج العربي الانضمام لهذه الحرب وفي مقدمتها العربية السعودية “هذه الحرب ليست حربنا” على الرغم من تواصل الاعتداءات الايرانية على اراضيها، ودفعت الرياض الجهود الدبلوماسية مع مصر وباكستان للوصول الى إعلان وقف إطلاق النار.
- فشل واشنطن في تمرير قرار في مجلس الامن تحت البند السابع يجبر طهران على فتح مضيق هرمز بعد استخدام كل من روسيا والصين حق النقض- الفيتو.
- مواقف الصين وروسيا الرافضة للحرب ضد حليفهما طهران. منذ بدء العمليات العسكرية الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران في فبراير 2026، أصدرت روسيا والصين سلسلة طويلة من التصريحات دفاعًا عن طهران، تراوحت بين انتقادات محددة لتكتيكات الحلفاء وانتقادات مألوفة للولايات المتحدة ونهجها في الشؤون الدولية.
جملة هذه الاسباب دفعت ترامب للإعلان ليلة 11 يونيو/حزيران عن الغاء الضربات التي كان من المقرر شنها على إيران، وادعى أن القيادة الإيرانية «وافقت» على مسودة اتفاق من شأنه تمديد وقف إطلاق النار، وإعادة فتح مضيق هرمز، وبدء مفاوضات لمدة 60 يوماً بشأن البرنامج النووي الإيراني. ونقلت اكسيوس عن ثلاثة مصادر مطلعة على المفاوضات، ان القطريون والإيرانيون توصلوا إلى نص متفق عليه وإن الفجوات قد ضاقت بشأن ثلاث قضايا رئيسية:
- آلية الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة
- الترتيبات الخاصة بإعادة فتح مضيق هرمز خلال فترة وقف إطلاق النار التي تستمر 60 يوماً.
- كيفية إجراء المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني خلال فترة وقف إطلاق النار التي تستمر 60 يوماً.
يظهر الجدول التالي قضايا الخلاف الجوهرية في المواقف بين الطرفين الايراني والامريكي
| القضايا | الموقف الامريكي | الموقف الايراني |
| مضيق هرمز | إعادة فتح المضيق فوراً | فتحه مؤقت وتحت السيطرة الايرانية |
| البرنامج النووي | تتخلى إيران عن اليورانيوم عالي التخصيب وتلتزم بعدم امتلاك أسلحة نووية | الحق في التخصيب (في بعض نسخ المقترحات)، الغاء قرارات الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن البرنامج النووي |
| الوكلاء -أذرع إيران، في المنطقة | تنهي إيران دعم الوكلاء | إنهاء الهجمات على حلفاء إيران |
| حدود القدرات العسكرية | تحديد القدرات العسكرية الإيرانية | غير قابلة للنقاش، بإعتبارها اسلحة دفاعية |
| التعويضات والعقوبات | لا شيء، لكن ترامب أعرب عن انفتاحه على مناقشة رفع العقوبات | التعويض ورفع كل انواع العقوبات |
ضمن هذا السياق، من الصعب تقدير احتمالات حسم نقاط الخلاف في كل الملفات على الاقل خلال فترة الـ60 يوماً، في ظل تباعد مواقف الطرفين من القضايا محل الخلاف، مع وجود إصرار إسرائيلي يسعى إلى فصل الجبهات في الحرب بين إيران ولبنان للاستفراد بالأخير، وتضمين أيّ اتفاق نهائي لوقف الحرب مع إيران بتخلي الأخيرة عن موادها النووية المخصبة بنسبة 60% دون ضمانات دولية بعدم العودة للحرب، ووقف التخصيب نهائيًا على أراضيها، والتخلي عن برنامجها الباليستي، الذي تعدّه إيران خط دفاعها الأخير في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، وجميعها مطالب تجدها إيران غير واقعية وغير قابلة للتنفيذ؛ ما يترك احتمال استئناف الحرب قائمًا، رغم أن مصلحة الطرفين الأميركي والإيراني، ومن ورائهما العالم، تكمن في وقفها نهائيًا، الا ان اسباب استئناف الحرب باتت مرجحة اكثر.
الاستنتاجات
سياسة الضغط الاقصى التي مارستها إدارة ترامب على إيران لم تكن كافية لتحقيق الاهداف السريعة التي كانت الادارة الامريكية تطمح لتحقيقها بما فيها اسقاط النظام او تغيير سلوكه. على الرغم من حجم الدمار الهائل الذي الحقته القوات الامريكية بالبنية التحتية (السياسية، العسكرية، الاقتصادية الصناعية والمدنية) الايرانية من ضمنها؛ اغتيال معظم اعضاء القيادة السياسية والعسكرية الايرانية في الليلة الاولى للقصف، تدمير ما يقرب من 122 ألف منشأة في إيران، وخسائر تقدر بما يقارب الــ 145 مليار دولار؛ وما زالت الملفات الخلافية تنتظر على طاولة المفاوضات مضافاً اليها ملفاً شائكاً هو ملف مضيق هرمز. وسط تباين شديد في المواقف بين الطرفين حول كل الملفات العالقة.
شكّلت حالة التقلب المستمر وعدم الثبات في الأهداف التي طبعت سياسة إدارة الرئيس ترامب، إلى جانب هشاشة السردية المرافقة للخطاب الأميركي وتآكل الثقة بقدرة واشنطن على الالتزام بمواقف مستقرة وقابلة للتنبؤ، واحدةً من أبرز المرتكزات التي استند إليها أنصار الرأي القائل بغياب خطة استراتيجية متماسكة لدى الإدارة خلال الحرب مع إيران. وفقاً لهذا المنظور، لم يقتصر الخلل على اضطراب تعريف الأهداف وتبدلها، بل امتد ليشمل غياب تصور واضح لآليات إنهاء الحرب أو إدارة تداعياتها، بما يعكس افتقارًا إلى استراتيجية خروج آمنة ومنظمة تحفظ المكاسب وتحدّ من كلفة الانخراط طويل الأمد في الحروب.
الهدنة التي تمتد لستين يوماً تعتبر بمثابة استراحة مؤقتة للمحاربين، وليس نهاية للصراع القائم. يبدو أن كلا الطرفين متمسك بمطالبه بشدة، مما يعقد الوصول إلى حل وسط. طهران تظهر عدم استعدادها لتقديم أي تنازلات قد تمنح الرئيس ترامب فرصة لإعلان انتصار سياسي قبل انتخابات التجديد النصفي في تشرين ثاني/ نوفمبر. بينما يرفض ترامب تجاوز محددات اتفاقية العمل الشاملة المشتركة التي وقعها اوباما عام 2015؛ هذا الوضع يشير إلى أن التوترات قد تستمر لفترة أطول، حيث أن كل طرف يسعى لتحقيق أهدافه الاستراتيجية دون تقديم تنازلات تخدم مصالح الطرف الاخر.




