الاحدثالملف العربي الصيني

المقاربة الندية السعودية للعلاقات الدولية سمحت باتفاقات القمم الثلاث رغم التموضع الاستراتيجي السعودي مع الغرب | بقلم د. عماد رزق

لقراءة زيارة الرئيس الصيني الى المملكة العربية السعودية علينا فهم لماذا جرت هذه الزياره في هذا الظرف بالذات، ان من حيث توقيت الزيارة ولماذا خلال زيارة واحدة تم عقد ثلاث قمم سعودية وخليجية وعربية مع الزعيم الصيني، حيث تشكل المملكة العربية السعودية جزءا اساسيا من الخليج ومن المنطقة العربية.

لفهم هذه النقاط علينا قراءة المستويات الثلاث التالية:

-المستوى الاول هو المستوى السعودي الوطني القومي، اذ من خلال هذا الفهم يمكننا ان نعي ان ما تقوم به السعودية مبني على نقاط اربعة، اذ لدى السعودية سياسة خارجية ناشطة ونشطة بدات بمرحلتها الجديدة بعد الحادي عشر من ايلول والذي استطاعت معه السعوديه ان تعبر مضاعفات الحادي عشر من ايلول ثم مضاعفات ما يقال إنه “الربيع العربي” بما سمح بالانتقال الى مرحلة جديدة هي مرحلة أمن الحدود والاستقرار الأمني، وهنا تسعى السعودية إلى زيادة انفاقها العسكري لتأمين حدودها ووضعها الداخلي وايضا إلى تعزيز التنسيق والتعاون مع دول مجلس التعاون الخليجي.

– المستوى الثاني فهو المتعلق بعلاقة المملكة السعودية مع الولايات المتحدة حيث تحافظ المملكة على علاقات جيده مع الأميركيين، اذ رغم كل التوتر الحاصل بسبب الربيع العربي والخلافات بين المملكة والولايات المتحدة يمكن اعتبارها خلافات تكتيكيه ضمن اطار التحالف الاستراتيجي، حيث ان مصالح الولايات المتحدة لازالت اساسية في منطقه الشرق الاوسط ولا زالت المملكة العربية السعودية نقطه ارتكاز لهذه المصالح. الولايات المتحدة لازالت تعتبر ان العنوان الاساس للامن القومي هو التدفق الحر للطاقة والتجاره كما مكافحة الانتشار النووي هو العنوان الثاني ومكافحه الارهاب هو العنوان الثالث والعنوان الرابع هو امن اسرائيل. ان هذه التحديات للولايات المتحدة بما خص امنها القومي والعلاقه بالشرق الاوسط يمكن من خلالها فهم السياسة السعودية تجاه الولايات المتحدة.

لذلك لا زالت الاستثمارات وحركة الاموال والسلع الاساسية تلعب دورًا في الاقتصاد السعودي. امام هذه الاعتبارات لا يمكن فهم اي تطور في العلاقات الصينية-السعودية بصفتها تحدي للعلاقات السعودية الأميركية باي شكل من الاشكال. اضافة الى البعد المستوى التأسيسي القومي للشعب السعودي ونحن نرى انه خلال الاعوام الخمسة عشرة الاخيره فضل 350,000 طالب سعودي الوجهة الأميركية كمركز لعلومهم العالية في الجامعات لمتابعة دراساتهم، في المقابل كان هناك 1600 طالب فقط من السعودية يتوجهون الى الصين خلال الفترة ذاتها بين عامي 2006 و،2016 اذا الولايات المتحدة لازالت الوجهة المفضلة للشعب السعودي. يمكن القول هنا ان العلاقة مع الصين لا يمكن مقارنتها بنوعية وعمق العلاقة مع الولايات المتحدة.

– المستوى الثالث على علاقة بتنوع السياسة الخارجية السعودية ويتصل ايضا بحماية الحدود وحماية الاستقرار الداخلي كاستراتيجية معتمدة في السعودية وتشكيل الشركات الاقتصادية حيث العلاقة بين الصين والسعودية ترتكز على بعد اقتصادي وليس على بعد سياسي امني عسكري.

– المستوى الرابع في السياسة الخارجية السعودية فهو يقوم على تجديد العلاقة مع القوى الكبرى عن طريق بناء شراكات ندية وهذا ما يعبر عنه اليوم ولي العهد السعودي في طريقة او مقاربة العلاقة مع الولايات المتحدة وحتى في لقائه مع الرئيس الصيني شدد ولي العهد على ان السعودية لاعب على مستوى مجموعة العشرين ولاعب على مستوى العالم العربي ولاعب على مستوى العالم الاسلامي بما يشير الى رغبته في تأكيد نديته ايضًا في علاقته مع الصين.

امام هذا التطور الجديد في المقاربة السعودية يمكننا فهم الواقع الاقليمي الجديد في منطقة غرب آسيا أو منطقه شرق المتوسط وكذلك منطقة الخليج وصولًا الى منطقة شمال أفريقيا والتأثير السعودي عليها. وأمام كل ذلك علينا أن ننظر الى المطالب السعودية من الصين. فإذا نظرنا من الجانب التاريخي لهذه العلاقة نرى ان السعودية هي الدولة الاخيرة التي اعترفت بجمهورية الصين الشعبية على حساب تايوان وذلك بعد عام .1990 . حتى عام 1994 لم تتجاوز التجاره بين البلدين مبلغ المليار دولار فقط لتبلغ عام 2014 سبعين ضعفا ما كانت عليه اولا التسعينات. وتأخذ السعودية بالاعتبار واقع الاقتصاد الصيني الحالي وتباطؤ الصين حيث يمكن الحديث عن مرحلة ما بعد كورونا التي تختلف كليا عن المرحلة ما قبل كورونا. فبعد محطتين رئيسيتين في زيارة ولي العهد عام 2017 ثم عام 2019 من خلال المنتدى العربي الصيني والأطر الاخرى. اما ما بعد كورونا فقد تغير كل شيء اما في واقع الاقتصاد الصيني واما في مقاربة السياسات الصينية تجاه الخارج.

هناك تحديات كثيرة تواجه الصين اليوم ان على المستوى الاقتصادي او على المستوى العلاقة مع الولايات المتحدة، وقد رأينا انه قبل الزيارة إلى السعودية مباشرة كان هناك لقاء قمة بين الرئيس السعودي الرئيس الصيني والرئيس الأميركي الذين اجتمعا على هامش قمة بالي لمجموعة العشرين.

السعودية الشريك للولايات المتحدة والشريك ضمن مجموعة العشرين تستطيع ان تبني علاقتها مع الصين دون ان يؤذي ذلك علاقاتها الاخرى وهناك الكثير من الوسطاء في هذه العلاقة، وحتى ان الولايات المتحدة لم تبدِ الكثير من الغضب اتجاه ما يحصل وهذا يؤكد دور السعودية والمحور الاساسي الذي تدور فيه حتى حين تبني علاقاتها مع الصين والذي يعكس، وان بطريقة غير مباشرة الاتجاه نحو تخفيض حدة التوترات بين الولايات المتحدة والصين وبخاصة التوتر التجاري.

 هناك اتجاه ليكون عام 2023 عام تبريد النزاع التجاري بين العملاقين، هذا يؤكد ايضا ان العلاقات السعودية الصينية ليست خارج اطار التموضع الاستراتيجي للمملكة.

يمكن القول إن الجانب السعودي يسعى إلى تأسيس الشراكات الجديدة القائمة على كونه الشريك التجاري الاول لبكين على مستوى المنطقة والذي يزيد من قوته التقاطع بين مبادرة الحزام والطريق ورؤيه 2030 في المملكة عبر مشروع الموائمة بما يعزز دور المملكة العربية السعودية في الخليج والمنطقة العربية ومنطقة الشرق الاوسط وشمالي افريقيا.

اما على صعيد البعد القومي فيمكننا الحديث ان الجانب السعودي يؤسس لمرحلة جديده تقوم على المزيد من التقارب الصيني الأميركي في مرحلة لاحقة، ولمصلحة تعزيز بعد الامن القومي للسياسة الأميركية في المستويات التي ذكرتها سابقا ومن ضمنها بالتاكيد امن اسرائيل وأمن الطاقة والتجارة. لذلك علينا دائمًا ان ننظر الى العلاقه السعودية الصينية بالاخذ بالاعتبار كل الابعاد المذكورة والدور السعودي الاساسي في مرحلة ما بعد الحرب الباردة وما بعد التوتر الكبير الذي شهدته العلاقات الصينية-الأميركية.


لقراءة الأجزاء السبعة السابقة من ملف القمم العربية الصينية : اضغط هنا

د. عماد رزق، مدير عام الاستشارية للدراسات الاستراتجية

د. عماد رزق، مدير عام الاستشارية للدراسات الاستراتجية عضو نادي الشرق لحوار الحضارات ونادي الصحافيين الفرنكوفونيين واللجنة الاسقفية للحوار المسيحي - الاسلامي في العالم العربي، وهو استاذ محاضر في التخطيط الاستراتيجي وتكنولوجيا التواصل. شارك في العديد من المؤتمرات الدولية حول الامن الاستراتيجي والدفاع الوطني، وهو باحث في قضايا الشرق الاوسط ومكافحة وتمويل الارهاب الدولي. درس في الجامعة اللبنانية، ويحمل دكتوراه في العلاقات الدولية تخصص تفاوض وادارة ازمات. وهو مؤلف للعديد من الكتب المتخصصة وله مئات الابحاث والدراسات حول ازمات الشرق الاوسط.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى