الاحدثدولي

التحدّي الأكبر الذي يُواجِهُهُ حلفُ شمالِ الأطلسي | بقلم غابي طبراني

يبدو أن دونالد ترامب يحاول سحب البساط من تحت التزامات الولايات المتحدة في حلف شمال الأطلسي (الناتو). بحسب معلومات متطابقة من مصادر أميركية وأوروبية، قال الرئيس الأميركي السابق والمرشّح الرئاسي الجمهوري البارز لعام 2024 لرئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين في العام 2020: “عليكِ أن تفهمي أنه إذا تعرّضت أوروبا لهجوم، فلن نأتي لمساعدتكم أبدًا”. وأعقب ذلك بقوله: “في المناسبة، لقد مات “الناتو”، وسوف نُغادره. سوف ننسحب من حلف شمال الأطلسي”.

في الآونة الأخيرة، في تجمّعٍ انتخابي في وقتٍ سابقٍ من هذا الشهر، ادّعى ترامب أنه، أثناء وجوده في منصبه، قال لزعيمِ دولةٍ عضو في “الناتو” أنَّ الولايات المتحدة لن تهبَّ للدفاعِ عن دولته ضد هجومٍ روسي إذا لم تُحقّق تلك الدولة أهداف الإنفاق الدفاعي، بما يتماشى مع التزامات “الناتو”. وزَعَمَ أنه قال لنظيره: “في الواقع، سوف أُشَجِّعُ [الروس] على القيام بكلِّ ما يريدون بحقِّ الجحيم. عليك أن تدفع. عليك أن تدفع فواتيرك”. ودافع عن تلك التعليقات بعد بضعة أيام، قائلًا: “أُنظُروا، إذا لم يدفعوا، فلن نقومَ بالحماية. أوكي؟”.

إنَّ عداءَ ترامب المُستَمِر لحلف شمال الأطلسي يُثير قلق البلدان في جميع أنحاء العالم التي تَعتَمِدُ في أمنها على وعد الحماية من الولايات المتحدة. ورُغمَ أنَّ العديدَ من حلفائه الجمهوريين يشيرون إلى أنَّ تصرّفاته تجاه حلف شمال الأطلسي كرئيسٍ تتناقضُ مع كلماته القاسية، إلّا أنَّ هناك مخاوفَ من أن تكون رئاسة ترامب الثانية (إذا حصلت) مُختلفة. تُفَسّرُ هذه المخاوف السبب الذي دَفَعَ الكونغرس أخيرًا إلى إصدارِ تشريعٍ يُحظّرُ على أيِّ رئيس سَحبَ الولايات المتحدة من حلف شمال الأطلسي من جانبٍ واحد. كما إنها غذّت المناقشات في أوروبا حول الحاجة إلى تعزيز القدرات الدفاعية الأوروبية، وهو أمرٌ قد يحدث، على الأقل، على الورق.

لكنَّ نظامَ التحالُفِ الأميركي هو أكبر من مُجرّد أوروبا وحلف شمال الأطلسي. لدى أكثر من 50 دولة اتفاقيات تحالُفٍ دفاعي رسمية مع الولايات المتحدة، ما يعني أنَّ واشنطن وقّعت وصادقت على معاهدات تتعهّد بالدفاع عن تلك الدول إذا تعرّضت لهجوم. تشمل هذه المعاهدات الحلفاء الرسميين للولايات المتحدة اليابان وكوريا الجنوبية وأوستراليا وحتى معظم الدول في نصف الكرة الغربي من خلال “ميثاق ريو” الذي وُقّع في العام 1947 (يعتبر أقدم حلف عسكري في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية). وتعود غالبية هذه الالتزامات إلى الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي.

فكيف سيكون حال هذه المعاهدات وهذه الدول إذا عاد ترامب إلى منصبه؟ ماذا عن التزام الولايات المتحدة تجاه اليابان؟ كان الراحل شينزو آبي بارعًا في تعامله مع غرور ترامب. فهل سيتمكّن رئيس الوزراء الحالي كيشيدا فوميو من فعل الشيء نفسه إذا عاد ترامب؟ أو ماذا عن تايوان؟ في حين أعرب الرئيس الأميركي جو بايدن مرارًا عن التزامه بحمايتها، فهل سيستمرّ ترامب في رؤية قيمة في الدفاع عن الجزيرة من أيِّ هجومٍ أو غزوٍ من قبل الصين؟

أطلقت المديرة السابقة لشؤون شرق آسيا وأوقيانوسيا في مجلس الأمن القومي الأميركي، ميرا راب هوبر، على النظام الواسع من التحالفات الأميركية اسم “دروع الجمهورية”، وهي طبقة من الحماية تعمل على إبقاء التهديدات بعيدة وتعزيز المصالح الأميركية في العالم. ولكن إذا كانت التحالفات تتعلّقُ بمواجهةِ التهديدات، فإنَّ البعضَ يتساءل عما إذا كانت هناك حاليًا أيُّ تهديداتٍ تتطلّبُ فعليًا من أميركا الحفاظ على نظام تحالفاتها. قد تُشَكّلُ روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية تهديداتٍ لجيرانها في مناطقها، لكن هل تُشكّلُ تهديدًا حقيقيًا للولايات المتحدة نفسها؟ هذا هو لبُّ القلق في ما يتعلق بتعليقات ترامب: إنه قد يكون مُقتنِعًا، وربما يُقنِع الآخرين غير المُقتنعين، بذلك.

يُرَكّزُ الكثير من هذا الحديث على ترامب وبايدن والاختلافات في شخصيتيهما ووجهات نظرهما للعالم. لكن هناكَ قضايا أوسع نطاقًا، والتي تُعتَبَرُ، في بعض النواحي، أكثر أهمية للمناقشة المطروحة. ماذا نعرفُ عن متانة التحالفات؟ وما مدى مصداقية التزامات التحالف؟ بعبارةٍ أخرى، إذا انتهى الأمر بالولايات المتحدة في عهد ترامب أو أيِّ رئيسٍ آخر إلى أن تُصبِحَ حليفًا غير موثوق به عندما يحين وقت الشدّة، فهل سيكون ذلك بمثابة صدمةٍ للنظام الدولي أم أنه سيكون مُتَّسِقًا مع ما كان ينبغي لنا أن نتوقّعه طوال الوقت؟

لقد اتَّضَحَ أن هذه أسئلة صعبة جدًا للإجابة عنها. حتى أن هناك جدلًا حول ما الذي من المُفتَرَض أن نَنظُرَ إليه بالضبط عند تقييم التحالفات وموثوقيتها. في الثمانينيات الفائتة، كان هناك إجماعٌ في بحثٍ طويل على أنَّ التحالفات لا يُمكِنُ الاعتمادُ عليها إلى حدٍّ كبير، حيث بلغ معدل الفشل حوالي 80%. واستند هذا البحث إلى النَظَرِ في جميع الأمثلة التاريخية التي أُتيحَت فيها للدول الفُرصة لمساعدةِ حَليفٍ في الحرب، والتي يعود تاريخها إلى ما بعد نهاية التحالف الكبير ضد نابليون بونابرت في أوائل القرن التاسع عشر.

لكن بحلول أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، انقلبت هذه النتيجة رأسًا على عقب. قامت الأكاديمية الأميركية ورئيسة قسم العلوم السياسية في جامعة “رايس”، الدكتورة بريت آشلي ليدز، بجمعِ بياناتٍ أكثر تفصيلًا، ولم تَنظُر فقط في السيناريوهات التي يُمكِنُ أن تَهُبَّ فيها الدولُ لمساعدةِ أحد الحلفاء، ولكن أيضًا في الشروط الفعلية لمعاهدات التحالف المَعنية، ما يعني ما وعدت الدول بفعله ومتى. وبمجرّدِ أخذِ الشروط الفعلية للمعاهدات في الاعتبار، وَجَدَت أنَّ الدولَ تلتزِمُ بها بشكلٍ مُتكرّر، على الأقل 75% من الحالات. بشكلٍ عام، يبدو أنَّ الدول قد أوفت بالالتزامات التي تعهّدت بها كتابيًا ووقّعت عليها.

هل هذه النتائج مُشَجِّعة؟ ليس تمامًا. أوّلًا، غالبًا ما تكون الالتزامات المكتوبة غامضة تمامًا وتُتيحُ للدول مجالًا كبيرًا للمناورة في ما يتعلّق بما يجب عليها فعله. في حالة حلف شمال الأطلسي، على سبيل المثال، لا يتطلّب التزام المادة الخامسة “الصارمة” من الدول الأعضاء إرسال قوات أو أي أفراد عسكريين لمساعدة حليف يتعرّض للهجوم. بالإضافة إلى ذلك، وَجَدَت الأبحاثُ اللاحقة أنه بعد إضافة المزيد من دراسات الحالة الحديثة، انخفضَ مُعدّل الموثوقية إلى متوسط 50 في المئة. لم تكن الدول غير موثوقة كما أظهر البحث الأول، لكنها لم تكن متعاونة كما اقترح البحث اللاحق. إنَّ الأملَ في أن يأتي حليفٌ للدفاع عنك قد لا يكون أفضل ورقة يانصيب. وحتى باستخدام الأدلّة الأكثر تفاؤلًا من الأبحاث الحالية، لا تزال التحالفات تفشل في ربع الحالات. هذا ليس تافهًا. في الواقع، هذا ليس حتى حدثًا مُنخَفِض الاحتمال.

تستندُ هذه النتائج إلى السجل التاريخي. وكما هو الحال مع التحذير الوارد في النصائح الاستثمارية بأنَّ الأداءَ السابق لا يُشَكّلُ ضمانةً للنتائج المستقبلية، فإنَّ المستقبلَ الجيوسياسي قد يكون مختلفا عن الماضي. ولكن حتى لو لم يتكرّر التاريخ، فإنه يتناغم. والظروف التي دفعت الدول إلى تشكيل التحالفات والالتزام بها -أو عدم الانضمام إليها- في الماضي يجب أن يكون لها بعض التأثير في ما إذا كانت هذه التحالفات ستظل ذات مصداقية اليوم.

ما يعنيه هذا هو أنه بدلًا من أن يُخالِفَ ترامب هذا الاتجاه، فإنَّ نظامَ التحالف الأميركي هو الذي خالفَ الاتجاه العام للتحالفات غير الموثوقة، وكان يفعل ذلك على مدار العقود الثمانية الماضية – ربما يرجع ذلك جُزئيًا إلى أنَّ الولايات المتحدة في الواقع لم تُدعَ أبدًا للوفاء بالتزاماتها. من الجدير بالذكر أن تلك العقود الثمانية تُمثّلُ تغييرًا صارخًا في تجنّب البلاد للتحالفات الرسمية الدائمة خلال أول 150 عامًا من تاريخها. وهذا لا يجعل عداء ترامب للتحالفات صحيحًا أو مُحقًّا. لكن أولئك الذين يَدعون الولايات المتحدة إلى مواصلة نظام تحالفها يأملون في الأساس أن تتمكّن أميركا من الاستمرار في تحدّي السجل التاريخي الذي هو ليس في صالحهم أو إلى جانبهم.

غابريال طبراني، كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن

غبريال طبراني هو ناشر ورئيس تحرير مجلة وموقع “أسواق العرب”. ألّف خمسة كتب بالعربية والإنكليزية من بينها “الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني: من وعد بلفور إلى إعلان بوش” (2008)؛ “كيف تُخطّط إيران لمواجهة أميركا والهَيمَنة على الشرق الأوسط” (2008)؛ و”معاقل الجهاد الجديدة: لماذا فشل الغرب في احتواء الأصولية الإسلامية”، (2011). يُمكن متابعته عبر موقعه: gabrielgtabarani.com أو عبر تويتر على: @GabyTabarani

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى