الاحدثدولي

ثقوب في قلب المحور: أوروبا بحاجة الى سياسة خارجية مستقلة لإثبات مصداقيتها | بقلم د. عوض سليمية

في كلمته المسربة على موقع Guo Rong (ID: xuu5336) في وقت سابق من هذا العام، أثناء إجتماع خاص ضم النخبة السياسية والعسكرية الفرنسية، كشف الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون عن جملة من الاخطاء إرتكبتها أوروبا وأوقعتها في حزمة من التحديات. كان من أخطرها، حالة الصدام العسكري شبه المباشر مع روسيا في الازمة الاوكرانية الدائرة. واعترف ماكرون امام الحضور، أن أكبر خطيئة جيوسياسية وقعت فيها أوروبا في القرن الحادي والعشرين هو التخطيط لطرد روسيا، الامر الذي ادى الى اهتزاز هيكل الثقة في المنظومة الامنية والعسكرية في أوروبا. واضاف، لن يكون هناك سلام في القارة إذا لم يقم الاوروبيون بتيسير العلاقات مع روسيا. مشتكيًا من خضوع أوروبا تحت الاوامر العسكرية والسياسية لواشنطن في ظل عدم وجود جيش أوروبي خاص بهم بفعل الفيتو الأميركي. ويقر ماكرون ان الهيمنة الغربية على العالم باتت في مهب الريح وأن العالم الان يدور يدور حول قطبين: أميركا والصين، وسيتعين على أوروبا الاختيار بين هذين الحاكمين.

 هذه المكاشفة الصريحة تندرج في إطار استمرار تضارب المصالح بين بروكسل وواشنطن، والرغبة الجامحة لدى الاخيرة في إستمرارية مصادرة القرار الاوروبي المستقل. وتعيدنا للتذكير بموقف إحلال الشركات الأميركية مكان الفرنسية في صفقة الغواصات النووية مع استراليا في وقت سابق. والذي اثار غضب باريس، في بيان وزارة الخارجية الفرنسية في حينه بالقول، أنّ “الخيار الأميركي الذي يؤدّي إلى إقصاء حليف وشريك أوروبي مثل فرنسا من شراكة مزمنة مع أستراليا، في وقت نواجه فيه تحدّيات غير مسبوقة في منطقة المحيطين الهندي والهادي، يشير إلى عدم ثبات لا يمكن لفرنسا إلا أن ترصده وتأسف له” .

وما إن بدأ غضب الرئيس ماكرون يسترخي، حتى اعلنت واشنطن عن إنشاء شراكات عسكرية جديدة “لحماية مصالحها” في منطقة المحيطين الهندي والهادي. اطلقت عليها اسم تحالف “اوكس AUKUS” في ظاهره المعلن، فرض الامن والاستقرار في الممرات المائية في المنطقة، وباطنه تنفيذ بنود استراتيجيتها الجديدة المعلنة ومحورها إحتواء الصين. هذا التحالف ضم كل من (بريطانيا، استراليا الى جانب واشنطن)، وتم استثناء باريس – والتي تنازع المانيا على زعامة القارة العجوز، من التحالف الجديد. وكانت هذه الضربة الثانية التي تلقتها باريس من حليفتها واشنطن في ظرف عام واحد من ولاية الرئيس بايدن.

ضمن هذه المواقف، لم تستثنِ واشنطن ثاني اقرب حلفائها من الصف الاول في حلف الناتو من سياسة اللكمات، وهذه المرة كانت المانيا. بتاريخ 8 شباط 2022 اعلن الرئيس بايدن امام المستشار الالماني شولتز في مؤتمر صحفي، عزم الولايات المتحدة على “وضع حدا” لمشروع السيل الشمالي2 ” نورد ستريم2″ الناقل للغاز الروسي والذي تعتبره برلين شريان حياة مساند لشقيقه نورد ستريم1، في تأمين مصادر الطاقة الكافية لبرلين وبالتالي تعزيز العلاقة مع روسيا. وهو ما حدث فعلًا، وتم توقيف المشروع تحت مبررات انطلاق العملية العسكرية الروسية في اوكرانيا. في وقت لاحق من شهر آب 2022 تم تعطيل خط انابيب نورد ستريم1 الناقل لــ 170 مليون متر مكعب من الغاز الروسي يوميًا عبر بحر البلطيق الى المانيا، من خلال عدة تفجيرات نفذتها مركبة بحرية مجهولة الهوية والمصدر. الامر الذي ادى الى ارتفاع جنوني في اسعار الغاز في أوروبا وصل الى 450% مما كان عليه في وقت مماثل من العام الماضي. وارتفعت خسائر الاتحاد الاوروبي الى قرابة تريليون دولار وفقًا لتقرير نشرته صحيفة The economic Times بفعل العقوبات المفروضة على روسيا. تهدف واشنطن من وراء ذلك، للضغط على أوروبا لشراء الغاز الأميركي كبديل للغاز الروسي وبالتالي تحريك اقتصادها المتعثر.

في السياق، قررت ألمانيا الغاء شراء صفقة مقاتلات بريطانية بقيمة 10 مليار دولار، تم الاتفاق عليها مسبقًا مع لندن، لصالح شراء طائرات أميركية من طراز “إف 35” من شركة “لوكهيد مارتن” الأميركية. الامر الذي لاقى استياءً من لندن على هذه الخطوة. ويرى مراقبون غربيون ان الخطوة الأميركية تندرج في إطار خطط واشنطن الساعية لافشال المشروع “الفرنسي، الالماني، الاسباني” والمعروف بإسم “FCAS” / “منظومة القتال الجوي المستقبلي” والذي تم تصميمه بهدف تطوير نظام دفاع جوي أوروبي مشترك من الجيل الخامس، مستقل عن الولايات المتحدة، تم الاتفاق عليه بين كل من ايمانويل ماكرون والمستشارة الالمانية السابقة انجيلا ميركل مطلع العام 2017 والتحقت اسبانيا بالمشروع في شهر مايو 2019.

في الواقع، فإن إفشال نواة هذا التكتل العسكري الاوروبي الجديد يجهض فكرة إيجاد جيش اوروبي موحد ومستقل، ويصب في مسار ابقاء أوروبا رهينة مفهوم الحماية العسكرية الأميركية في إطار حلف الناتو.

بينما تمر أوروبا في اسوأ كوابيسها الاقتصادية نتاج ازمة كورونا وتبعات الحرب الروسية الاوكرانية، والاحباط السائد داخل أوروبا. صادق الرئيس جو بايدن على قانون خفض التضخم الأميركي (IRA)، الذي يشمل من بين امور اخرى، تخفيض الضرائب على الشركات الأميركية. وتعقيبًا على هذا القرار، الذي وصفه الاوروبيون بهجوم سياسي صناعي من إدارة بايدن، أشارت مجموعة Renew Europe في البرلمان الأوروبي إلى المخاوف المترتبة على هذا القانون في شل القدرة التنافسية للشركات الأوروبية في أميركا وعبر العالم، والتاثير السلبي على اليات عمل السوق الأوروبية الموحدة. ويرى قادة أوروبا ان هذا التشريع يتناقض تمامًا مع قواعد منظمة التجارة العالمية والبينية مع الولايات المتحدة، ويدخل أوروبا في حالة حرب اقتصادية مع واشنطن. وهو ما سبق وان حذر منه الرئيس ماكرون خلال لقاءه بالرئيس بايدن في وقت سابق من هذا الشهر.

بالنظر الى سياسات واشنطن المُعلنة في الدفع باقصى قوة نحو تحقيق مصالحها، بعيدًا عن مصالح أقرب حلفائها من الغرب الجماعي، بما فيها، الدفع بإقتصاد أوروبا نحو الهاوية، الاستحواذ على الصفقات التجارية والعسكرية لصالح شركاتها، كبح رغبات قادتهم في ممارسة سياسة مستقلة خاصة بهم، الى جانب إجهاض أي محاولة لانشاء جيش مستقل يهدد سيادة واشنطن على حلف الناتو. هذه المؤشرات وغيرها، تطلق صفارة انذار مبكرة على مسامع قادة الاتحاد الاوروبي، بيانها اذا ما اردتم ان تكونو لاعبين موثوقين على الساحة الدولية، فإنتم لا تحتاجون للوقوف امام المرآة طويلًا صامتين. بل يترتب عليكم إبداء حرصًا مماثلًا على مصالحكم، حتى لو تعارضت مع مصالح واشنطن. بخاصة بعد إقرار الرئيس التنفيذي لوكالة الدفاع الاوروبية بان واشنطن لن تستطيع دومًا الدفاع عن بلادكم للابد في ظل انشغالها بسياسة إحتواء بكين. بعبارة اخرى، عليكم الاسراع بمعالجة القصور الذاتي في سياساتكم الخارجية والكف عن السياسات المتماهية مع الموقف الأميركي حفاظًا على ما تبقى من مصداقية لكم بين دول العالم. ولا يكون ذلك إلا من خلال الاعلان الصريح والفوري للبرلمان الاوروبي عن البدء بإجراءات محاسبة اسرائيل على جرائمها بحق الشعب الفلسطيني، وخروجها عن القانون الدولي وتنكرها لقرارات الشرعية الدولية، الى جانب ضرورة الاعلان عن وقف المساعدات العسكرية الاوروبية لاوكرانيا، للضغط عليها للجلوس على طاولة مفاوضات تفضي الى ايجاد مخرج من الازمة المتفاقمة والتي القت بظلالها على جدول اعمال العالم منذ عشرة شهور، عند ذلك نستطيع ان نقول أن أوروبا مستقلة.

د. عوض سـليميـة

حاصل على الدكتوراة في العلاقات الدولية في تاثير اللوبي الإسرائيلي على السياسة الخارجية تجاه القضية الفلسطينية من جامعة university utara Malaysia. زميل ابحاث ما بعد الدكتوراة في السياسة الخارجية الأمريكية. مدير برنامج السياسة الخارجية الامريكية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى