“عماليق” في القرن الحادي والعشرين: حين تتحول الأسطورة إلى أداة في الصراع بين إسرائيل وإيران

إعداد عبير درويش
في عالم يفترض أنه محكوم بميثاق الأمم المتحدة، وبقواعد القانون الدولي، تبدو عودة المفردات الدينية القديمة إلى الخطاب السياسي والعسكري مفارقة لافتة. ومع تجدد المواجهة العسكرية بين إسرائيل وإيران للمرة الثانية خلال فترة زمنية قصيرة، عاد الجدل حول استخدام مفاهيم توراتية مثل “عماليق” في توصيف العدو.
فهل تحكم الأساطير العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين؟
أم أن الأسطورة لم تعد دافعًا للحرب، بل أداة لتسويقها وتبريرها؟
الدين كأداة تعبئة سياسية
تشير بيانات مشروع Religion and State Project إلى أن قرابة 40% من دول العالم تتضمن إشارات دينية في دساتيرها، بينما يستخدم أكثر من 60% من القادة السياسيين لغة ذات طابع ديني في أوقات الأزمات أو النزاعات.
عالم الاجتماع الأمريكي مارك يورغنماير يوضح في كتابه Terror in the Mind of God أن السرديات الدينية تمنح الصراع بُعدًا كونيًا، ما يحوله من نزاع سياسي قابل للتفاوض إلى مواجهة ذات طابع وجودي. عندما يُؤطَّر الخصم بوصفه تجسيدًا لـ”الشر التاريخي”، تتقلص مساحة التسوية، ويرتفع منسوب الاستقطاب.
“عماليق”: من النص الديني إلى الخطاب المعاصر
مصطلح “عماليق” يحضر تقليديًا في السياق الديني اليهودي، خاصة في السبت الذي يسبق عيد بوريم، حيث تُقرأ فقرة “تذكر ما فعله بك عماليق”. ويرتبط ذلك سرديًا بقصة هامان في سفر أستير.
الفقيه اليهودي في العصور الوسطى موسى بن ميمون (الرامبام) تناول وصية التذكّر ضمن إطار فقهي تاريخي. لكن في العصر الحديث، لم يعد المصطلح يُستدعى بوصفه حكمًا تشريعيًا عمليًا، بل رمزًا ثقافيًا مكثفًا يشير إلى “العدو الوجودي”.
عندما يُستخدم هذا المصطلح في سياق سياسي معاصر، فإنه ينقل النزاع من مستوى الحسابات العسكرية إلى مستوى السردية التاريخية الممتدة.
العدوان الإسرائيلي الثاني على إيران: سياق استراتيجي أم سردية رمزية؟
الهجوم الإسرائيلي الثاني على أهداف داخل إيران — وفق ما تتناقله وسائل الإعلام الدولية — يأتي ضمن سياسة الردع التي تعلنها إسرائيل منذ سنوات تجاه ما تعتبره تهديدًا مرتبطًا بالبرنامج النووي الإيراني وتوازن القوى الإقليمي.
من منظور استراتيجي بحت، يمكن تفسير التصعيد عبر عوامل مثل:
• الردع الوقائي
• منع نقل تقنيات عسكرية متقدمة
• إدارة ميزان القوى الإقليمي
• الرسائل الموجهة إلى الفاعلين الدوليين
لكن من منظور تحليلي-خطابي، يبرز سؤال مختلف:
ماذا يحدث عندما يُقرن هذا التصعيد بلغة تستحضر مفاهيم مثل “عماليق”؟
في علم النفس السياسي، تُظهر دراسات منشورة في Journal of Conflict Resolution أن تأطير الخصم بلغة دينية أو أخلاقية مطلقة يزيد من استعداد الجمهور لدعم الإجراءات العسكرية بنسبة قد تصل إلى 12–18% مقارنة بالخطاب التقني البحت. السبب أن النزاع يتحول من خلاف مصالح إلى معركة ذات معنى أخلاقي شامل.
الأسطورة في زمن الدولة الحديثة
الدول الحديثة لا تتخذ قراراتها العسكرية بناءً على نصوص دينية حرفية؛ القرارات تُبنى على حسابات أمن قومي، وقدرات عسكرية، وتحالفات، وتقديرات استخباراتية.
لكن اللغة المستخدمة لتفسير القرار للجمهور تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل وعيه.
هنا تصبح الأسطورة أداة:
• تمنح القرار بُعدًا أخلاقيًا
• تعزز التماسك الداخلي
• تبني سردية تاريخية للصراع
• تُضعف شرعية الخصم رمزيًا
في هذا السياق، لا تكون الأسطورة محركًا مباشرًا للحرب، بل إطارًا تعبويًا يُعيد تعريفها.
بين القانون الدولي والسرديات المقدسة
النظام الدولي الحديث قائم على مبادئ سيادة الدول وحظر استخدام القوة إلا ضمن شروط محددة.
لكن حين يُؤطر النزاع بلغة تاريخية مطلقة، يصبح الصراع أقل قابلية للاحتواء الدبلوماسي.
وهنا تكمن المفارقة:
كلما ازداد العالم تقنيًا وعقلانية، ازدادت الحاجة السياسية إلى سرديات تمنح الأحداث معنى رمزيًا أعمق.
وفي الختام: هل تحكمنا “عماليق” اليوم؟
الأساطير لا تدير غرف العمليات العسكرية.
لكنها قد تدير وعي الجماهير.
في المواجهة بين إسرائيل وإيران، قد يكون القرار عسكريًا-استراتيجيًا في جوهره، إلا أن اللغة التي تُستخدم لتأطيره قد تستحضر طبقات تاريخية ودينية عميقة، تجعل الصراع يبدو امتدادًا لمعركة قديمة لا مجرد مواجهة سياسية معاصرة.
السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت الأسطورة تحكم القرن الحادي والعشرين،
بل كيف تُستخدم لتشكيل فهمنا لما يحدث فيه.




