لبنان تحت الركام: كلفة الحروب تتجاوز الإعمار إلى انهيار البنية الاقتصادية والاجتماعية | كتبت عبير درويش

في أعقاب وقف إطلاق النار، يبدأ العدّ الحقيقي للخسائر في لبنان، حيث لا تُقاس آثار الحروب فقط بما خلّفته من دمار عمراني، بل بما أحدثته من تصدّعات عميقة في الاقتصاد والمجتمع. وبين تقديرات رسمية وأخرى بحثية، تتكشف صورة قاتمة لحجم الأضرار التي لحقت بالوحدات السكنية والبنية التحتية والقطاعات الإنتاجية، في بلد كان يعاني أصلًا من أزمة اقتصادية ممتدة منذ عام 2019.
دمار سكني واسع النطاق
تشير التقديرات إلى تضرر أكثر من 50 ألف وحدة سكنية نتيجة العمليات العسكرية الأخيرة، بينها نحو 17,756 وحدة مدمّرة بالكامل، و32,668 وحدة متضررة بدرجات متفاوتة.
هذه الأرقام لا تعكس فقط حجم الخسارة في البنية العمرانية، بل تكشف عن أزمة إسكانية حادة تهدد الاستقرار الاجتماعي، في ظل نزوح داخلي واسع طال ما يقارب خُمس السكان.
إعادة إعمار هذا العدد من المساكن تتطلب موارد مالية ضخمة، خصوصًا في ظل ارتفاع كلفة البناء، التي تأثرت بدورها بانهيار العملة المحلية وارتفاع أسعار المواد الأولية عالميًا، إضافة إلى كلفة النقل والتأمين المرتفعة في بيئة غير مستقرة.
فجوة متزايدة بين التقديرات والواقع
تتراوح التقديرات الأولية للخسائر المباشرة بين 7 و15 مليار دولار، بحسب مصادر رسمية وخبراء اقتصاديين، وهو تفاوت يعكس صعوبة الإحاطة الكاملة بحجم الأضرار في مرحلة مبكرة. أما إذا أُخذت بعين الاعتبار خسائر حرب 2024، والتي قُدّرت بنحو 11 مليار دولار لإعادة الإعمار، فإن الكلفة التراكمية للحربين تضع لبنان أمام عبء مالي يتراوح بين 20 و25 مليار دولار، مخصص فقط لإعادة البناء، دون احتساب كلفة التعافي الاقتصادي.
هذا التصاعد في حجم الخسائر يعكس ما يمكن وصفه بـ”منحنى الصدمات المتراكمة”، حيث تضرب الأزمات اقتصادًا هشًا، فتُضاعف آثارها وتُعقّد مسارات التعافي.
خسائر غير مرئية… لكنها الأعمق
بعيدًا عن الأرقام المرتبطة بالدمار المادي، تكمن الخسائر غير المباشرة في قلب الأزمة. فقد شهد الناتج المحلي الإجمالي تراجعًا ملحوظًا، وتعرضت القطاعات الإنتاجية لانكماش حاد، خصوصًا في مجالات السياحة، والزراعة، والصناعة.
القطاع السياحي، الذي كان يشكّل أحد أبرز مصادر العملات الأجنبية، فقد دوره بفعل تراجع الثقة الأمنية. كما تضررت سلاسل الإمداد نتيجة تدمير البنية اللوجستية، ما أدى إلى ارتفاع كلفة الإنتاج والتصدير. وفي سوق العمل، أدّى النزوح الواسع إلى اختلالات في توزيع اليد العاملة، وانخفاض الإنتاجية العامة.
أزمة تمويل خانقة
في مواجهة هذه التحديات، تبرز فجوة تمويلية كبيرة بين حجم الأضرار والقدرة على تأمين الموارد اللازمة لإعادة الإعمار. فبرامج التمويل الدولية، بما في ذلك تلك المرتبطة بصندوق النقد الدولي، لا توفر سوى ما بين 3 و4 مليارات دولار، وهي نسبة ضئيلة مقارنة بالاحتياجات الفعلية.
هذه الفجوة، التي قد تتجاوز 15 مليار دولار، تفرض على لبنان البحث عن مزيج معقد من مصادر التمويل، تشمل المساعدات الدولية، والاستثمارات الأجنبية، وتحويلات المغتربين، إلى جانب الشراكات مع القطاع الخاص. غير أن هذه الخيارات تبقى مشروطة بدرجة الثقة الدولية في البيئة الاقتصادية والمؤسسية.
عوائق هيكلية أمام التعافي
تعاني عملية إعادة الإعمار من تحديات بنيوية، أبرزها الأزمة المصرفية التي تعيق الوساطة المالية، وتحد من قدرة النظام على استيعاب الاستثمارات. كما أن عدم الاستقرار السياسي والأمني يرفع من مستوى المخاطر، ما ينعكس في ارتفاع كلفة التمويل وانخفاض جاذبية الاستثمار.
في هذا السياق، يصبح مسار التعافي مرتبطًا بشكل مباشر بقدرة الدولة على تنفيذ إصلاحات هيكلية تعيد بناء الثقة، وتفعّل دور المؤسسات، وتستقطب الدعم الدولي.
بين التعافي والتعثر
يقف لبنان اليوم أمام مفترق طرق حاسم. فسيناريو التعافي يتطلب إرادة سياسية لتنفيذ إصلاحات جذرية، تتيح تقليص الفجوة التمويلية وتحقيق نمو اقتصادي تدريجي. أما سيناريو التعثر، فيعني استمرار الانكماش، وتحول الأضرار المؤقتة إلى خسائر دائمة في رأس المال البشري والإنتاجي.
وفي ختام المقالة نقول
إن الكلفة الحقيقية للحروب في لبنان لا تُقاس فقط بحجم الأبنية المدمّرة أو المليارات المطلوبة لإعادة الإعمار، بل بمدى قدرة المجتمع والاقتصاد على استعادة توازنهما في بيئة مليئة بالتحديات.
وبين ركام الحاضر وغموض المستقبل، تبقى إعادة البناء مهمة تتجاوز الإسمنت والحجر، لتشمل إعادة ترميم الثقة، وإحياء الأمل في دولة قادرة على النهوض من جديد.




