
منذ انهيار الإتحاد السوفيتي مطلع تسعينيات القرن الماضي ، سادت في الغرب حالة من النشوة الفكرية والسياسية دفعت بعض منظريه إلى الاعتقاد بأن التاريخ قد حسم وجهته النهائية لصالح النموذج الليبرالي الغربي .
وفي هذا السياق برزت أطروحة ” نهاية التاريخ ” التي بشّر بها فرانسيس فوكوياما ، والتي رأت أن الديمقراطية الليبرالية الغربية تمثل المحطة الأخيرة في مسيرة التطور السياسي للإنسان ، وأن البشرية قد بلغت ذروة نضجها الحضاري ، ولم يعد أمامها سوى تعميم هذا النموذج وتطوير آلياته .
بدت الفكرة آنذاك متماسكة في نظر كثيرين .
فقد انهار المعسكر الاشتراكي ، وتراجعت الأيديولوجيات الكبرى ، وانفرد الغرب بقيادة العالم سياسياً واقتصادياً وثقافياً .
لكن ما لم ينتبه إليه أصحاب هذه الرؤية أن التاريخ لا تصنعه موازين القوة وحدها ، وإنما تصنعه أيضاً منظومات القيم والأخلاق والعدالة .
وأن أي حضارة لا تُختبر في لحظات القوة ، بل تُختبر عندما تصبح قيمها على المحك .
وقد جاءت القضية الفلسطينية لتكون أكبر اختبار أخلاقي وفلسفي للحضارة الغربية الحديثة ، ولتكشف حجم التناقض بين المثال المعلن والممارسة الواقعية .
فقد رفعت الحضارة الغربية منذ عصر التنوير شعارات الحرية وحقوق الإنسان والمساواة والكرامة الإنسانية وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
وشُيّدت على هذه المبادئ مؤسسات دولية ومنظومات قانونية وقواعد ناظمة للعلاقات الدولية ، قُدّمت للعالم باعتبارها التعبير الأرقى عن الضمير الإنساني الحديث .
غير أن الموقف من فلسطين كقضية ذات أبعاد حقوقية وسياسية وانسانية كشف عن وجود استثناء كبير داخل هذه المنظومة .
فعندما تعلق الأمر بإسرائيل ، بدا أن كثيراً من تلك المبادئ يمكن تعليقها أو تأجيلها أو إعادة تفسيرها بما يتوافق مع مقتضيات السياسة وموازين النفوذ بازدواجية في المعايير الحاكمة .
لقد عاش الشعب الفلسطيني عقوداً طويلة تحت الاحتلال والاستيطان والتهجير والحصار والتجويع والقتل ، بينما ظل المجتمع الدولي عاجزاً عن إنفاذ قراراته ، وظلت المؤسسات التي أنشئت لحماية السلم والعدالة الدولية أسيرة حسابات القوة والنفوذ .
وهنا بدأت صورة الغرب الأخلاقية تتعرض لتصدعات عميقة لم تفلح أدوات الإعلام أو الخطاب السياسي في إخفائها.
لكن آثار المشروع الصهيوني لم تتوقف عند حدود فلسطين وحدها بل امتد عدوانه واطماعه التوسعية الي دول أخري سواء بالغزو او التدمير ووصل حد التهديد بمحو الوجود والحضارة !
والعالم يسمع ويشاهد ويتفرج !
فالمأساة الأكبر ربما تتمثل في ما أحدثه هذا المشروع من أضرار عميقة في بنية النظام الدولي نفسه .
فبفعل النفوذ الواسع الذي تمتعت به الحركة الصهيونية داخل مراكز صناعة القرار والإعلام والمال في الغرب والولايات المتحدة الامريكية ، وداخل المؤسسات الإقليمية والدولية .
وبفعل الحماية السياسية والعسكرية غير المحدودة التي وفرتها القوى الكبرى لإسرائيل ، تعرضت كثير من القواعد التي قامت عليها منظومة الأمن والسلم الدوليين إلى عمليات تجريف واستقطاب مستمرة ومنظمة .
ومع مرور الوقت أصبحت ازدواجية المعايير أمراً مكشوفاً ، وأصبحت الشرعية الدولية تُطبّق على بعض الدول وتُعطّل تجاه دول أخرى ، وأصبح القانون الدولي نفسه يبدو في نظر كثير من شعوب العالم أداة انتقائية تُستخدم ضد الضعفاء أكثر مما تُستخدم لحماية المظلومين .
لقد ساهم هذا الواقع في تقويض الثقة بالمؤسسات الدولية وإضعاف هيبة الأمم المتحدة وإرباك منظومة العدالة العالمية .
بل يمكن القول إن الصهيونية السياسية لم تكتفِ بإنتاج أزمة مستدامة في الشرق الأوسط ، وإنما ساهمت في إضعاف الأساس الأخلاقي الذي قام عليه النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية .
وهكذا لم تعد القضية الفلسطينية مجرد قضية شعب محتل يسعى إلى استرداد حقوقه المشروعة ، بل أصبحت عنواناً لأزمة أعمق تتعلق بمستقبل القانون الدولي نفسه ، وبقدرة البشرية على بناء نظام عالمي يقوم على العدالة المتساوية لا على موازين القوة وحدها .
ومن هنا تحديداً تتهاوى فرضيات فوكوياما حول ” نهاية التاريخ ” .
فالنظرية افترضت أن البشرية تجاوزت مرحلة الصراعات الكبرى ، وأن الديمقراطية الليبرالية الغربية أصبحت الإطار النهائي الذي يحقق للإنسان حاجاته السياسية والأخلاقية .
لكن ما شهدناه خلال العقود الثلاثة الماضية ، وما تشهده غزة وفلسطين ومناطق أخري من العالم اليوم بصورة أكثر وضوحاً ، يؤكد أن التاريخ لم ينتهِ ، وأن أسئلة العدالة والهوية والتحرر والاستقلال ما تزال حاضرة بقوة في الوعي الإنساني .
لقد افترض فوكوياما أن ” الإنسان الأخير ” سيكون إنساناً مستريحاً داخل منظومة الاستهلاك والرفاهية الليبرالية ، لكنه لم يتوقع أن ملايين البشر سيواصلون النضال دفاعاً عن أوطانهم وهوياتهم وحقوقهم التاريخية ، وأن الشعوب لا تقايض حريتها بالرفاه ، ولا تستبدل كرامتها بالرخاء الاقتصادي .
ولعل من المفارقات الكبرى أن فلسطين أصبحت البرهان العملي على خطأ هذه النظرية .
فبعد أكثر من سبعة عقود من الاحتلال والاقتلاع والحصار ، ما زالت القضية حية في وجدان الأمة وفي ضمير أحرار العالم .
وما زال الفلسطيني يتمسك بأرضه وهويته وحقوقه رغم اختلال موازين القوة بصورة غير مسبوقة .
لقد أرادت الصهيونية أن تفرض نهاية للتاريخ الفلسطيني ، لكنها أعادت التاريخ إلى واجهة العالم .
وأرادت أن تجعل القوة بديلاً عن العدالة ، فإذا بها تكشف الحاجة الإنسانية المتجددة إلى العدالة .
وأرادت أن تقدم نفسها باعتبارها تجسيداً لقيم الحضارة الغربية ، فإذا بها تتحول إلى أحد أكبر أسباب التشكيك في صدقية تلك القيم .
واليوم ، وبعد كل ما جرى في فلسطين وما جرى للنظام الدولي من اهتزازات عميقة ، لم يعد السؤال المطروح هو هل انتصرت الليبرالية الغربية أم لا ؟ بل أصبح السؤال الأهم هو كيف يمكن لحضارة تدّعي العالمية وتقول البشرية أن تحافظ على مصداقيتها وهي تسمح باستمرار هذا التناقض بين ما تعلنه من قيم وما تمارسه من سياسات ؟
إن المأساة الفلسطينية لم تفضح حدود المشروع الصهيوني فحسب ، بل كشفت أيضاً حدود النموذج الحضاري الذي وفر له الغطاء والحماية .
ولذلك فإن غزة لم تهدم فقط أسطورة القوة العسكرية المطلقة ، وإنما أعادت فتح ملف العدالة الإنسانية برمته ، وأسقطت أوهام ” الإنسان الأخير ” و” نهاية التاريخ ” ، وأثبتت أن التاريخ لا يزال مفتوحاً على احتمالات جديدة ، وأن الشعوب التي تؤمن بحقها في الحرية والكرامة قادرة دائماً على إعادة صياغة المستقبل مهما بلغت سطوة القوة ومهما طال زمن الظلم .
وفي هذا المعنى ، فإن فلسطين لم تعد مجرد قضية شعب أو نزاع على أرض ، بل أصبحت امتحاناً أخلاقياً للحضارة المعاصرة ، ومقياساً لصدقية النظام الدولي ، وشاهداً حياً على أن التاريخ لم ينتهِ بعد ، وأن معركة الإنسان من أجل الحرية والعدالة والكرامة ستظل هي المحرك الأعمق لمسيرة البشرية .
كما أن الصهيونية الممثلة في اليمين بشقيه المسيحي واليهودي المتطرف وبقدر مايرتكب من الجرائم والحماقات التي تعري حقيقته العدوانية ، وبقدر ما يضع مثاليات الحضارة الغربية التي تحميه في اختبار عسير ، بقدر مايعجل أيضا بميلاد نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب وربما يكون أكثر توازنا وعدلا .




