الأحد 13 سبتمبر 2026 بيروت
النشرة البريدية
تحليل سياسي واقتصادي معمّق — بيروت
اشترك
13 سبتمبر 2026·بيروت النشرة
الملف الاستراتيجي
الأقسام النشرة
الأرشيف والخدمات
الرئيسيةالاحدث
الاحدث

ما بعد صفقة القرن: التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط بعد الحرب على إيران | كتبت الدكتورة مايسة خليل حسن

لم يعد السؤال المطروح على طاولة الباحثين وصناع القرار في الشرق الأوسط: هل انتهت صفقة القرن؟ بل تحول إلى سؤال أكثر إلحاحاً وإرباكاً: ما الذي جاء بعدها؟ فالعنوان الذي اخترناه لهذه الورقة لا يكتفي بالوصف الزمني، بل يختزل إشكالية معرفية عميقة: هل نحن أمام امتداد لصفقة القرن الأصلية بأدوات جديدة، أم أمام قطع إبستيمولوجي معها؟ إن استعارة صفقة القرن لم تكن يوماً مجرد عنوان لخطة سياسية، بل تحولت إلى مفهوم يختزل فلسفة كاملة في إدارة الصراع الإقليمي، تقوم على ثلاثة أعمدة: تغييب الحقوق الفلسطينية، وشرعنة القوة الإسرائيلية كفاعل إقليمي طبيعي، وتحويل الدول العربية من أطراف فاعلة إلى متلقين للترتيبات الأميركية. ومن هنا، فإن الحديث عما بعد صفقة القرن ليس حديثاً عن نهاية زمني، بل عن تحول في بنية النظام الإقليمي نفسه، وعن لحظة فارقة تتشابك فيها نهايات حقبة قديمة وبدايات نظام إقليمي جديد لم تتضح ملامحه بعد.

لكن قراءة هذه اللحظة الفارقة تتطلب تأصيلاً تاريخياً أبعد من ذلك، يتجاوز حدود صفقة القرن الأصلية إلى سياقها الأوسع في تاريخ المبادرات الأميركية لإعادة تشكيل الشرق الأوسط. فقد كانت صفقة القرن التي أُعلنت في يناير 2020 حلقة في سلسلة طويلة من المحاولات الأميركية لفرض ترتيبات إقليمية، بدأت مع السلام الاستراتيجي في عهد نيكسون، ومروراً باتفاقيات كامب ديفيد 1978، ومؤتمر مدريد 1991، واتفاقيات أوسلو 1993، وصولاً إلى صفقة الألفية التي طرحها ترامب لاحقاً. وتكمن خطورة صفقة الألفية في أنها لم تعد تكتفي بتجاهل الحقوق الفلسطينية، بل سعت إلى تصفية القضية الفلسطينية كلياً عبر توطين الفلسطينيين في سيناء والأردن، التي وصفت بأنها أقل واقعية من الصفقة الأصلية، لأنها تتجاهل حقائق التاريخ والديموجرافيا والجغرافيا، وتتعارض مع كل الثوابت الوطنية للشعب الفلسطيني والأمة العربية. ويبقى هذا الطرح، في جوهره، غير معلن رسمياً، ولا يزال في إطار التسريبات والتقديرات الاستخباراتية، يتجاوز الوقائع المعلنة إلى الاحتمالات الممكنة، ويضع أي ترتيبات إقليمية قادمة في سياق من عدم اليقين الاستراتيجي.

وقد كشفت التسريبات التي نشرتها صحف إسرائيلية عن عناصر صفقة الألفية عن مخطط أكثر راديكالية من الصفقة الأصلية، إذ تضمنت فرض انتداب دولي على قطاع غزة على غرار سلطات الانتداب الاستعماري في النصف الأول من القرن العشرين، وتحويل القطاع إلى منطقة منزوعة السلاح تحت إشراف دولي، مع تأجير مساحات من الأراضي المصرية في سيناء لإقامة مناطق صناعية وزراعية وسكنية للفلسطينيين، وهو ما رفضته مصر مراراً وتكراراً بشكل قاطع، وأكدت أنه لا يمكن أن يكون جزءاً من أي تسوية، لأن ذلك يمس السيادة المصرية ويهدد الأمن القومي المصري والعربي. وهذا التطور في المبادرات الأميركية يعكس تحولاً في فلسفة إدارة الصراع: من محاولة إدارة الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي إلى محاولة تجاوزه بالكامل لصالح تحالفات إقليمية جديدة تقوم على محور مناهض لإيران.

إذاً لا بد من تصحيح قراءة تاريخية شائعة، مفادها أن مصر كانت طرفاً متلقياً للترتيبات الأميركية أو شريكاً راضياً بها، وهو ما يتجاهل حقائق التاريخ. فبعد انتصار أكتوبر 1973، كانت القاهرة هي الطرف الذي بادر إلى الدعوة للسلام، وذهبت إلى كامب ديفيد وهي تحمل رؤيتها الخاصة: استعادة سيناء كاملة، وربط التطبيع بمسار حل القضية الفلسطينية. ولم تكن مصر شريكاً راضياً بالترتيبات الأميركية، بل كانت فاعلاً متفاوضاً سعى إلى تحقيق أقصى مكاسب ممكنة في ظل موازين قوى غير متكافئة، ورفضت بشكل قاطع كل محاولات توطين الفلسطينيين في سيناء، سواء في صفقة القرن أو في صفقة الألفية. وهذا التطور في المبادرات الأميركية، من إدارة الصراع إلى تجاوزه بالكامل، لم يكن انعكاساً لموقف مصري، بل كان انعكاساً لتحول في الاستراتيجية الأميركية نفسها، التي سعت إلى إعادة ترتيب الأولويات الإقليمية لصالح محور مناهض لإيران، حتى لو تطلب ذلك تجاهل الحقوق الفلسطينية.

وهنا نطرح التساؤل التالي: إذا كانت صفقة القرن قد قوبلت برفض عربي وفلسطيني واسع، فكيف نفسر استمرار بعض عناصرها في الترتيبات الإقليمية الجارية؟ وللإجابة يلزم التمييز بين الرفض السياسي والتحقق الفعلي. فقد رفضت العواصم العربية الصفقة كإطار سياسي معلن، لكن بعض عناصرها تحققت على الأرض بفعل قوى الأمر الواقع: التطبيع مع إسرائيل توسع، وزيادة الاستيطان، وإعلان القدس عاصمة لإسرائيل، وتراجع القضية الفلسطينية عن صدارة الأجندة الدولية. وهذا لا يعني أن الصفقة كانت منصفة أو مقبولة، بل يعني أن مخططاً غير منصف قد يحقق بعض أهدافه إذا توفرت له أدوات القوة والتوازنات الدولية الكافية لإنجاحه. والاعتراف بهذه الحقيقة لا يبرر الصفقة، بل يساعد في فهم لماذا لا يمكن التعامل مع ما بعد صفقة القرن بوصفه ما بعد الفشل، بل بوصفه ما بعد التحقق الجزئي.

وعندما نضع ما بعد صفقة القرن في صورتها التاريخية الشاملة، نجد أنفسنا أمام مقارنة ضرورية مع لحظات انتقالية سابقة في النظام الإقليمي. فما بعد حرب 1967 شهد تحولاً جذرياً في بنية النظام الإقليمي، حيث انتقلت القيادة الإقليمية من مصر الناصرية إلى تحالف مصر-السعودية-الأردن، وتحول الصراع من مواجهة شاملة مع إسرائيل إلى إدارة صراع محدود. وما بعد حرب الخليج الثانية 1991 شهد ولادة النظام الإقليمي الجديد الذي فرضته واشنطن، حيث تحولت الولايات المتحدة من وسيط خارجي إلى قوة مهيمنة تدير الترتيبات الأمنية مباشرة، وتم تهميش القضية الفلسطينية لصالح عملية سلام ثنائية لا تحقق العدالة. وما بعد الحرب على إيران 2026 يشهد تحولاً ثالثاً، حيث تتراجع الهيمنة الأميركية الأحادية لصالح تعدد أقطاب إقليمي، وتتحول القضية الفلسطينية من قضية مركزية إلى قضية مؤجلة، وتبرز قوى إقليمية جديدة تسعى إلى ملء الفراغ الاستراتيجي.

وما يميز صفقة القرن عن غيرها من المبادرات الأميركية السابقة هو أنها لم تكن مجرد محاولة وساطة، بل كانت مشروعاً لإعادة تعريف قواعد اللعبة الإقليمية بالكامل، عبر إعادة ترتيب الأولويات: من الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي إلى التحالف ضد إيران. وهذا التحول في فلسفة إدارة الصراع يجد تفسيره في نظرية الاستقرار الهيمني التي تفترض أن القوة المهيمنة تسعى إلى فرض نظام إقليمي يخدم مصالحها الاستراتيجية، حتى لو تطلب ذلك تجاهل حقوق أطراف محلية. ومع اندلاع الحرب على إيران في فبراير 2026، تحولت الأولويات الاستراتيجية الأميركية بشكل جذري، فالقضية الفلسطينية، التي كانت يوماً محوراً للوساطات الدولية، تراجعت إلى هامش الأجندة الإقليمية، لكن هذا التراجع لا يعني الاختفاء، بل يعني أن القضية الفلسطينية تحولت من قضية مركزية إلى قضية مؤجلة، وهو ما يهدد أي ترتيبات إقليمية مستدامة، لأن أي نظام أمني إقليمي من دون دولة فلسطينية ليس نظاماً أمنياً، بل وصفة للصراعات والحروب.

وبعد أكثر من ستة أشهر مرت على الحرب بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل وتشابكاتها الإقليمية مع دول الخليج، لا تزال النتائج النهائية غامضة ومتناقضة، فمن جهة، نجحت الضربات الأميركية-الإسرائيلية في تدمير جزء كبير من البنية التحتية النووية الإيرانية وتقويض قدراتها العسكرية التقليدية، ومن جهة أخرى، لم تحقق الولايات المتحدة أهدافها المعلنة وغير المعلنة، إذ لم يُسقط النظام الإيراني، ولم يُوقف برنامج طهران النووي بشكل نهائي، ولم يُقض على نفوذها الإقليمي. بل إن المفارقة الكبرى أن الحرب انتهت باتفاق مبدئي بين واشنطن وطهران وُصف بأنه صفقة القرن الجديدة، لكنه في نظر خصوم إيران من إسرائيل إلى دول الخليج، يمثل لعنة القرن لأنه يمنح إيران شرعية دولية ونفوذاً أكبر في المنطقة. وهذا المأزق يجد تفسيره في نظرية توازن التهديد التي تفترض أن سلوك الدول لا يتحدد بموازين القوى وحدها، بل بطبيعة التهديدات المتصورة، حيث تجد إسرائيل نفسها أمام تهديد وجودي حتى مع تراجع القدرات الإيرانية المباشرة، لأن الحرب انتهت دون حسم واضح، وهو ما يخلق حالة من عدم اليقين الاستراتيجي.

وفي تطور بالغ الدلالة، تحول الصراع في سبتمبر 2026 من استهداف المواقع العسكرية والمنشآت النووية إلى حرب مفتوحة على الناقلات والسفن في مضيق هرمز وخليج عمان، فقد أعلنت القيادة المركزية الأميركية تدمير خمس ناقلات نفط إيرانية، إحداها قرب جزيرة خرج، رداً على محاولات استهداف سفينة حربية أميركية بصواريخ باليستية. وفي المقابل، أعلن الحرس الثوري الإيراني استهداف عشر سفن قرب مضيق هرمز، بينها سفينتان أميركيتان وثماني ناقلات نفط وسفن مخالفة، كما أطلقت صواريخ باليستية باتجاه قاعدة عسكرية أميركية في الأردن، حيث اعترضت السلطات الأردنية ثمانية عشر صاروخاً من أصل عشرين. وهذا التصعيد يكشف عن فشل الردع بمعناه الكلاسيكي، إذ أن كلا الطرفين يدرك أن الطرف الآخر قد لا يتراجع، لكنهما يستمران في التصعيد لأن التراجع يعني خسارة المصداقية، والوصول إلى مأزق المصداقية حيث تصبح الاستمرارية في الصراع أكثر أهمية من تحقيق المكاسب الفعلية.

ولم يقتصر التصعيد على البعد العسكري، بل امتد إلى البعد القانوني والدولي، حيث صوت مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية على إحالة ملف إيران النووي إلى مجلس الأمن الدولي للمرة الأولى منذ نحو عشرين عاماً، بتأييد ثلاثة وعشرين عضواً ومعارضة ثلاثة هم روسيا والصين والنيجر، وامتناع ثمانية.

وتكشف هذه التطورات عن تحول جوهري في طبيعة الصراع، فلم يعد الخطر مرتبطاً فقط باحتمال إغلاق مضيق هرمز، وإنما بات يتمثل في تحول الملاحة التجارية نفسها إلى جزء من أدوات الحرب، بعدما استهدفت القوات الأميركية ناقلات نفط إيرانية، وردت طهران بالتهديد بتوسيع نطاق المنطقة التي تعتبرها خاضعة لقيودها. وهذا التحول يعكس ما يسمى في بـالحرب الهجينة التي تتداخل فيها الأدوات العسكرية والاقتصادية والقانونية، وتصبح فيها البنية التحتية المدنية نفسها هدفاً مشروعاً. وقد انعكس هذا التصعيد بشكل مباشر على أسواق الطاقة العالمية، حيث تجاوز سعر خام برنت حاجز المائة دولار للبرميل للمرة الأولى منذ يوليو، مع تزايد المخاوف من اضطراب إمدادات النفط العالمية، وتزامن ذلك مع تراجع حركة الملاحة عبر مضيق هرمز إلى أدنى مستوياتها، حيث عبرت سبع سفن فقط في أحدث إحصاء.

وبذا تبرز التحولات الجيوسياسية العميقة التي تشهدها المنطقة، فالحرب على إيران، التي انتهت دون حسم واضح، خلقت فراغاً استراتيجياً تحاول دول المنطقة ملئه بصيغ أكثر استقلالية. وفي قلب هذا التحول، تبرز مصر ليس كطرف متلقٍ للترتيبات الإقليمية، بل كقوة إقليمية مركزية تمتلك من المقومات ما يجعلها مرشحة لأن تكون أحد أعمدة أي نظام إقليمي جديد. فمصر، التي كانت أول من بادر بالسلام بعد انتصار أكتوبر 1973، والتي رفضت باستمرار مخططات تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، والتي ظلت تحافظ على ثوابت الموقف العربي في أحلك الظروف، هي اليوم في موقع الصانع للترتيبات الإقليمية وليس المتلقي لها. وقد تجلى ذلك في تشكل مجموعة رباعية غير رسمية تضم مصر والسعودية وباكستان وتركيا، تسعى إلى تكثيف التحركات السياسية والدبلوماسية لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي، وفتح قنوات اتصال مع إيران لاحتواء التوترات. وهذا التحول في بنية النظام الإقليمي يجد تفسيره في نظرية النظام الإقليمي التي تفترض أن الأقاليم ليست مجرد مساحات جغرافية، بل أنظمة اجتماعية وسياسية لها قواعدها ومؤسساتها وتفاعلاتها، وأن أي تغيير في توزيع القوى الإقليمية يؤدي إلى إعادة تشكيل هذه الأنظمة. وما نشهده اليوم هو بالضبط عملية إعادة تشكيل النظام الإقليمي الشرق أوسطي، حيث تبرز قوى جديدة، وتتراجع قوى أخرى، وتتشكل تحالفات غير تقليدية، ومصر في قلب هذه التحولات.

وتسعى مصر في هذه المرحلة إلى تحقيق أربعة أهداف رئيسية: الحفاظ على سلامة الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، وموازنة الطموحات الإسرائيلية للهيمنة الإقليمية، وإعادة انتباه واشنطن إلى قضايا أكثر إلحاحاً مثل غزة والسودان وأزمة سد النهضة، وضمان استمرار الاستثمارات الأميركية والخليجية في الاقتصاد المصري. وهذا التوجه يجد تفسيره في نظرية القوة الذكية التي تفترض أن الدول القادرة على الجمع بين الأدوات العسكرية والاقتصادية والدبلوماسية هي الأقدر على تحقيق أهدافها في البيئات الإقليمية المعقدة. ومصر، بموقعها الجغرافي الفريد، وثقلها الديموجرافي، وتاريخها الدبلوماسي، وقدرتها على الجمع بين أدوات القوة الصلبة والناعمة، هي أحد أبرز المرشحين لأداء دور محوري في هندسة ما بعد الحرب على إيران.

وفي المقابل، تقدم الساحة اللبنانية نموذجاً تطبيقياً على الدولة الهشة في النظام الإقليمي الجديد، حيث تتواصل العمليات العسكرية الإسرائيلية رغم اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في يونيو الماضي، باستخدام أساليب جديدة تشمل إنزال مسيرات تحمل براميل متفجرة وإلقاءها من الجو فوق أسطح المنازل قبل تفجيرها. وهذا التصعيد يكشف أن الاتفاق الإطاري الذي رعته واشنطن لم ينجح في وقف العمليات العسكرية، بل تحول إلى غطاء سياسي لاستمرار الاحتلال الإسرائيلي لمناطق واسعة في جنوب لبنان، مما يطرح تساؤلات حول جدوى الترتيبات الأميركية في ظل غياب آلية تنفيذ فعالة.

وفي خضم كل هذه التحولات، تبرز القضية الفلسطينية كالقضية المركزية التي لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات إقليمية مستدامة، فرغم تراجعها عن صدارة الأجندة الإقليمية خلال الحرب، تبقى القضية الفلسطينية القضية التي تحدد شرعية أي نظام إقليمي جديد. وتشير تحليلات إلى أن السلطة الفلسطينية هي الطرف الأكثر تضرراً من الواقع الحالي، حيث تواجه تآكلاً عميقاً في شرعيتها وقدرتها على التأثير. وهذا الوضع يجد تفسيره في نظرية الشرعية التي تفترض أن أي نظام سياسي يحتاج إلى شرعية داخلية وخارجية للبقاء والاستمرار، وأن غياب هذه الشرعية يؤدي إلى تفكك النظام أو انهياره.

وعلى المستوى الدولي، تتشكل ملامح نظام عالمي جديد تتقاسم فيه القوى الكبرى النفوذ والتأثير، فبينما تواجه الولايات المتحدة تحديات متزايدة في الحفاظ على هيمنتها الإقليمية، تبرز الصين وروسيا كقوتين تسعيان إلى توسيع نفوذهما في الشرق الأوسط، وقد تجلى ذلك في تصويت روسيا والصين ضد قرار إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن. مما يعكس أن هذه المرحلة الانتقالية هي الأكثر خطورة لأنها تجمع بين تراجع القوى القديمة وصعود القوى الجديدة.

ومع ذلك، فإن الحكم على ما بعد صفقة القرن بوصفه فشلاً أو نجاحاً يتطلب قدراً من الموضوعية يتجاوز الافتراض المسبق بأن الصفقة مشروع فاشل بطبيعته. فمن منظور واقعي، يمكن القول إن بعض عناصر صفقة القرن قد تحققت بالفعل، وإن جاء بصيغ غير مباشرة. فقد نجحت الولايات المتحدة في إعادة ترتيب الأولويات الإقليمية لصالح التحالف ضد إيران، ونجحت في تطبيع العلاقات بين إسرائيل ودول عربية كبرى عبر اتفاقيات أبراهام، ونجحت في تهميش القضية الفلسطينية عن صدارة الأجندة الدولية. وحتى لو لم تتحقق السيادة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية، فإن الاستيطان توسع بشكل غير مسبوق، وتم إعلان القدس عاصمة لإسرائيل، وفقد اللاجئون الفلسطينيون حق العودة في الخطاب السياسي الدولي. وهذا يعني أن صفقة القرن لم تفشل بالكامل، بل حققت بعض أهدافها الاستراتيجية، وإن كانت التكلفة الأخلاقية والسياسية باهظة.

وفي هذا السياق، فإن التحديات الأربعة التي تواجه الاستراتيجية الأميركية في اليوم التالي للحرب على إيران ليست تحديات منفصلة، بل هي متداخلة ومتشابكة، بحيث تؤثر معالجة أحدها بشكل مباشر على الآخر. فغياب البعد الفلسطيني في أي ترتيبات أمنية إقليمية ليس مجرد نقص في التصميم، بل هو عامل يغذي عدم الاستقرار الذي يزيد من صعوبة التعامل مع الدور الإسرائيلي الفائض. وهذا الدور الإسرائيلي، الذي يتجاوز حدود الاتفاقات ويصر على إقامة مناطق عازلة في لبنان وسوريا، يزيد من تعقيد أي ترتيبات أمنية، ويدفع الدول العربية إلى التردد في المشاركة في نظام أمني تقوده إسرائيل أو ترعاه واشنطن دون ضوابط واضحة. كما أن توقف الحرب قبل الحسم يخلق حالة من اللاحرب واللاسلم التي تمنع أي طرف من تقديم تنازلات، لأن كل طرف يعتقد أن الوقت في صالحه. وهذا الوضع ينعكس بدوره على الجدل الداخلي الأميركي، حيث تصبح أي مبادرة دبلوماسية جديدة عرضة للانتقادات من داخل الكونغرس. وهكذا، تتحول التحديات الأربعة من قائمة منفصلة إلى شبكة متشابكة، بحيث لا يمكن معالجة أحدها بمعزل عن الآخر. وهذا يعني أن أي استراتيجية أميركية فعالة لـاليوم التالي يجب أن تكون شاملة ومتكاملة، لا أن تتعامل مع كل تحدٍ على حدة.

وفي هذا السياق، فإن السؤال الأكثر دقة ليس هل فشلت صفقة القرن؟ بل ما هي شروط إمكان نجاح أي ترتيبات إقليمية جديدة؟ وهنا يمكن القول إن أي نظام إقليمي مستدام في الشرق الأوسط لا يمكن أن يقوم على تغييب الحقوق الفلسطينية، لأن ذلك يخلق حالة من عدم الاستقرار الدائم. كما لا يمكن أن يقوم على هيمنة قوة واحدة، لأن ذلك يولد مقاومة مضادة. ولا يمكن أن يقوم على تجاهل مصالح القوى الإقليمية الصاعدة، لأن ذلك يدفعها إلى البحث عن بدائل. وبناءً على ذلك، فإن ما بعد صفقة القرن ليس بالضرورة نهاية للصفقة، بل قد يكون إعادة إنتاج لها بصيغة أكثر تعقيداً، تتضمن قدراً أكبر من المرونة في إدارة الأزمات، وقدراً أكبر من المشاركة الإقليمية في الترتيبات الأمنية، لكنها تظل محافظة على جوهرها: تغييب الحقوق الفلسطينية، وشرعنة القوة الإسرائيلية، وتحويل الدول العربية إلى شركاء في ترتيبات أمنية تخدم المصالح الأميركية-الإسرائيلية.

إن الشرق الأوسط يقف عند مفترق طرق حاسم، تتشابك فيه نهايات حقبة قديمة وبدايات نظام إقليمي جديد لم تتضح ملامحه بعد. فالحرب على إيران، التي تحولت إلى حرب ناقلات مفتوحة في مضيق هرمز، خلقت فراغاً استراتيجياً تحاول دول المنطقة ملئه بصيغ أكثر استقلالية، بينما تواجه واشنطن تحديات هائلة في وضع استراتيجية اليوم التالي. وفي قلب هذه التحولات، تبقى القضية الفلسطينية القضية المركزية التي لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات إقليمية مستدامة، وأي محاولة لهندسة الشرق الأوسط من دون معالجة جذور الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي ستكون محكومة بالفشل. وتبقى مصر، بحكم موقعها وتاريخها ووزنها العربي، المرشح الأقدر على أداء دور يتجاوز الوساطة بالمعنى الإجرائي، ليصل إلى حد الإسهام في هندسة ما بعد الحرب سياسياً واستراتيجياً. فالقاهرة ليست مجرد عاصمة ثقيلة ديموجرافياً، بل تمثل إحدى ركائز فكرة المجال العربي نفسه. وحين تبدأ خرائط القوة بالاهتزاز، تستعيد الدول المركزية معناها العميق، لا بمعيار القدرة العسكرية المجردة وحدها، بل بمعيار قدرتها على إنتاج التوازن ومنح المشهد الإقليمي شكلاً قابلاً للحياة.

عن الكاتب د. مايسة خليل حسن د. مايسة خليل حسن حاصلة على دكتوراه الفلسفة في العلوم السياسية، وتشغل منصب المدير التنفيذي لمركز الرؤية للدراسات السياسية والاستراتيجية. تهتم بالشؤون السياسية والاستراتيجية وقضايا الفكر السياسي، ولها حضور في مجال الدراسات والتحليلات السياسية.
تبحث عن المزيد؟