إستكمالاً للبحوث السابقة المتعلقة بأمريكا بين فخ ثوسيديدس Thucydides’s Trap وفخ الصين الكبرى:
وكيف تستخدم الولايات المتحدة سياسة الرأسمالية النفعية Utilitarian Capitalism والشراسة الجيوسياسية للحد من تراجع هيمنتها المطلقة.
نصل إلى السؤال المتعلق بتايوان وهو: كيف تحمي تايوان إستقلالها كي لا تكون على طاولة الطعام، في ظل وجود رئيس يحاول علاج المشاكل الجيوإستراتيجية بالصفقات، وهذا التصعيد بين القوتين العالميتين والصراع على السيطرة على صناعة أشباه الموصلات.
أشرت في الجزء الأول من البحوث السابقة المنشورة على منصة Strategicfile.com) أن الولايات المتحدة بعد إستراتيجية خط الجزر الأول (First Island Chain ومعركة المياه العميقة (Deep Water) وحرب الغواصات التي تتبعها الولايات المتحدة للحفاظ على تايوان لتطويق الصين ومنعها من الوصول للمياه العميقة للمحيط الهادئ والهندي. والذي تستفيد منه تايوان إستراتيجياً للحفاظ على أهميتها لدى واشنطن، تحولت اليوم صناعة أشباه الموصلات، السلاح الاستراتيجي الأقوى الذي تحمي به تايوان نفسها، فيما يُعرف دولياً بمصطلح الدرع السيليكوني (Silicon Shield).
هذا الدرع يجعل غزو تايوان تدميراً فورياً للاقتصاد العالمي، مما يجبر القوى الكبرى على حمايتها.
قضية أشباه الموصلات (الرقائق) تحولت إلى سلاحاً تايوانياً إضافياً لحمايتها لتجنب مساومة ترامب على تايوان من اجل ان يحصل على تنازلات من الصين في قضايا اخرى كإيران أو ضخ استثمارات صينية في الاقتصاد الأمريكي.
مع ذلك، فإن عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض والقمة التي عقدها في بكين مع الرئيس الصيني شي جين بينغ، تثير قلقاً بالغاً في تايوان بشأن إمكانية تحول الجزيرة إلى ورقة مساومة في الصفقات الكبرى.
الاحتكار المطلق للتقنيات الفائقة:
شركة TSMC التايوانية وحدها تنتج حوالي 90% من أشباه الموصلات الأكثر تقدماً في العالم، وهي الرقائق المشغّلة لمراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، والهواتف الذكية، والصواريخ، والطائرات المقاتلة الغربية. أي هجوم عسكري صيني سيعطل هذه المصانع.
هذا التعطيل سيصيب المصانع داخل الصين بالشلل، ويوقف سلاسل الإمداد الأمريكية والأوروبية فوراً، مما يكلف الاقتصاد العالمي تريليونات الدولارات ويدخله في ركود مظلم.
تدرك تايوان أن احتكارها لهذه الصناعة هو أحد الأسباب الرئيسية -وربما الأهم حالياً- لتمسك واشنطن بحمايتها. لذا، تحرص تايوان على إبقاء مراكز الأبحاث والتطوير الأكثر سرية وتقدماً داخل الجزيرة لحفظ تفوقها الجيوسياسي.
المعضلة الجيوسياسية الأكبر التي تواجهها تايوان اليوم هي الضغط الشديد الذي يمارسه الرئيس دونالد ترامب لتوطين التكنولوجيا، وإجبار شركة TSMC على بناء مصانع متقدمة داخل الولايات المتحدة (مثل مصانعها العملاقة في ولاية أريزونا)، والذي يمثل تهديداً مباشراً للدرع السيليكوني الذي تحتمي به الجزيرة نفسها.
فخطة ترامب تعتبرها تايوان تجريد لميزتها الاحتكارية التي تحمي بها نفسها. ترامب ينطلق من مبدأ أمريكا أولاً، ويرى أن اعتماد بلاده بنسبة 90% على جزيرة مهددة بالغزو للحصول على الرقائق الفائقة هو انتحار للأمن القومي الأمريكي. واستراتيجيته تقوم على نقل سلاسل الإمداد عبر إجبار TSMC على نقل أحدث تقنياتها إلى الأراضي الأمريكية.
ولكنها بالنسبة لتايوان حجة لسحب الدفاع عنها، وتتخوف من حدوثها، إذ بمجرد أن تمتلك أمريكا مصانعها الخاصة القادرة على إنتاج رقائق الذكاء الاصطناعي والطائرات المقاتلة محلياً، ستتراجع الأهمية الحيوية لتايوان بالنسبة للاقتصاد الأمريكي، مما يقلل من حافز واشنطن للمخاطرة بخوض حرب عالمية مع الصين من أجل الجزيرة.
استراتيجية تايوان للمقاومة: توطين العقد الأحدث دائماً داخل أراضيها. التفوق النانوميتري خير من ألف صديق.
إدارة تايوان وشركة TSMC تدرك هذا الفخ جيداً، ولذلك تتبع الشركة قاعدة صارمة تُعرف بـ N-1 لحماية الجزيرة. عبر الاحتفاظ بالسر الأكبر. مهما بلغت الضغوط الأمريكية، تحرص تايوان على أن تكون المصانع التي تُبنى في أمريكا (مثل أريزونا) متأخرة بجيل واحد أو جيلين على الأقل من حيث الدقة والتطور عن المصانع الموجودة داخل تايوان.
عندما بدأت مصانع أمريكا بإنتاج رقائق بدقة 4 أو 3 نانومتر، كانت المصانع داخل تايوان قد بدأت بالفعل في الإنتاج التجاري للجيل الأحدث بدقة 2 نانومتر وبدأت الأبحاث على دقة 1.4 نانومتر. الهدف هو إبقاء العالم (بما فيه أمريكا) بحاجة دائمة ومستمرة للمصانع القائمة داخل تايوان، لضمان استمرار مفعول الدرع السيليكوني.
العقبات التي تواجه أمريكا في استنساخ النموذج التايواني لتوطين هذه التكنولوجيا في أمريكا ليس بالأمر السهل، وهناك عقبات تخدم مصلحة تايوان في الإبقاء على هيمنتها: حيث التكلفة الباهظة لبناء وتشغيل مصانع الرقائق في الولايات المتحدة يكلف أربعة أضعاف تكلفته في تايوان بسبب الأجور المرتفعة والقوانين البيئية الصارمة.
إضافة إلى ثقافة العمل والمهندسينحيث تعتمد TSMC على جيش من المهندسين التايوانيين المستعدين للعمل على مدار 24 ساعة طوال أيام الأسبوع في ظروف انضباط صارمة جداً، وهو نمط عمل يصعب للغاية استنساخه أو فرضه على المهندس الأمريكي.
ثم النظام البيئي المتكامل (Ecosystem) حيث لا يتطلب الأمر مصنعاً فحسب، بل آلاف الشركات الصغيرة وسلاسل الإمداد المغذية للمصنع (الكيميائيات، الغازات النادرة، التغليف المتقدم) وكلها تتركز بكثافة وتكامل فريد داخل تايوان ويصعب نقلها بالكامل.
الضغط الأمريكي يمثل سباقاً مع الزمن، فترامب يريد سحب التكنولوجيا الحيوية لتأمين أمريكا والتخلي عن أعباء الدفاع عن الجزيرة أو مساومة الصين عليها، بينما تحاول تايوان الابتكار بسرعة أكبر للاحتفاظ بالفجوة التقنية.
إذا نجحت أمريكا يوماً ما في تحقيق الاكتفاء الذاتي الكامل للرقائق الفائقة، فستكون تايوان قد خسرت أهم وأقوى أوراقها الدفاعية في معركتها الوجودية ضد بكين.
الرئيس ترامب ينظر إلى العلاقات الدولية عبر منظور تجاري وبراغماتي بحت (Transactional)، وليس انطلاقاً من التزامات أيديولوجية طويلة المدى، وهو ما يجعل تايوان متغيرًا قابلاً للمساومة. وقد فصلت ذلك في بحث اخر منشور على منصة strategicfile.com بعنوان: نهاية النبوليبرالية، من سراب فوكوياما الفوضوي إلى العقلية الرعوية للزعيم العقاري المرتحل.
الدرع الحمائي الثاني: شركات التأمين التايوانية كدرع آخر لإجبار الولايات المتحدة للدفاع عن تايوان:
تكشف الهندسة المالية والمصرفية لجمهورية الصين الوطنية (تايوان) عن واحدة من أكثر الاستراتيجيات الجيوسياسية والاقتصادية تعقيداً في التاريخ الحديث.
فبينما يرى الكثيرون أن الدرع السيليكوني المتمثل في صناعة الرقائق الإلكترونية وشركة TSMC هو خط الدفاع الأساسي لتايوان، إلا أن هناك درعاً مالياً وسنداتياً خفياً آخر تلعب فيه شركات تأمين على الحياة التايوانية (Taiwanese Life Insurers) دور البطولة بتوجيه مباشر من البنك المركزي التايواني (CBC) ولجنة الرقابة المالية (FSC).
هذه الاستراتيجية تضرب عصفورين بحجر واحد:
أولاً، تمتص السيولة الفائضة بالدولار التايواني الجديد لكبح جماح قوته وحماية الصادرات من الداء الهولندي.
ثانياً، تحوّل هذه الأموال لشراء سندات الخزانة الأمريكية (US Treasuries)، مما يخلق تشابكاً مالياً مصيرياً يجبر الولايات المتحدة على الدفاع عن الجزيرة، لأن أي غزو صيني سيفجر هذه المنظومة المالية ويحدث زلزالاً في عمق الاقتصاد الأمريكي بسبب سحب حيازة السندات لتغطية بوليصات التأمين المحلية بسبب الغزو وهذا سيسبب بانهيار كامل لمنظومة السندات الأمريكية.
ولذلك تجد الولايات المتحدة نفسها مجبرة مرة أخرى على الدفاع عن تايوان، لحماية الاقتصاد الأمريكي من صدمة عنيفة قد تسببها شركات التأمين التايوانية.
المساومة مقابل ملف حرب إيران
تتزامن القمة الأمريكية الصينية الحالية مع انخراط إدارة ترامب في مواجهة وتوترات حامية مع إيران. تمتلك الصين نفوذاً اقتصادياً وسياسياً هائلاً على طهران (باعتبارها المشتري الرئيسي للنفط الإيراني).
هناك تحليلات ومخاوف دبلوماسية جدية من أن ترامب قد يبدي مرونة أو تراجعاً في مستوى الدعم العسكري لتايوان (مثل تأخير أو تجميد صفقة الأسلحة الكبرى البالغة 11 مليار دولار التي تم الإعلان عنها للجزيرة) مقابل قيام بكين بخنق إيران اقتصادياً وسياسياً لإنهاء الصراع.
وكما أن لدى الصين مطالب بشأن تايوان، فإن لدى الولايات المتحدة مطالب بشأن إيران وأوكرانيا. وإذا أرادت الولايات المتحدة من الصين تقديم تنازلات لتقليل الدعم لروسيا أو لإيران، فعلى الولايات المتحدة تقديم تنازلات مجزية للصين.
ولذلك لا يرى كثير من المراقبين أن الزيارة القادمة للرئيس الصيني للولايات المتحدة سيتخللها أي إختراق يذكر في أي من الملفات العالمية المهمة. وربما سيبقى الوضع على حاله في الوقت الراهن. وستكون الزيارة شكلاً بروتوكوليا فحسب.
الاستثمارات وتجنب الحروب التجارية
يطبق ترامب استراتيجية الضغط عبر التعريفات الجمركية المرتفعة. تدرك بكين أنه يمكن استرضاء ترامب عبر تقديم صفقات تجارية ضخمة وضخ استثمارات مباشرة في الاقتصاد الأمريكي لخلق وظائف.
وربما هذا سيسبب التقليل من أهمية تايوان الاستراتيجية في هذا المجال، في المساومات الحيوية إذا ما تعرض ترامب لخنق في زاوية حادة جداً. وخصوصا أن الإمبراطوريات الجريحة في آخر أيامها دائما ما تتخلى عن أعباء حماية اتباعها لإنقاذ نفسها أولاً. وهذا جوهر أمريكا أولاً لمن لم يدركه لحد الآن.
ترامب كذلك يستخدم هذا السلاح لتشجيع كلا من الصين وتايوان على زيادة إستثماراتهما داخل أمريكا، ولدفع الصين لشراء مزيد من فول الصويا والمنتجات الزراعية الأمريكية لإرضاء قاعدته الإنتخابية في المناطق الريفية.
ولذلك سبق وأن تحركت تايوان استباقياً لامتصاص هذا الضغط، حيث وقعت في يناير الماضي اتفاقية تجارية التزمت فيها شركات تايوانية بضخ استثمارات بقيمة 250 مليار دولار في قطاع أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي داخل الولايات المتحدة. بالإضافة إلى استثمار شركة TSMC بمبلغ 100 مليار دولار في ولاية أريزونا لبناء مصانع متقدمة لتفادي الجمارك الأمريكية.
طبيعة المساومة المتوقعة:
بينما يمثل الدرع السيليكوني حماية تقنية صلبة لتايوان، فإن النهج البراغماتي لترامب جعل تايوان تدرك أن أمنها لم يعد مضموناً بالشعارات الديمقراطية، بل بات مرتبطاً بمدى قدرتها على شراء ولاء واشنطن عبر صفقات استثمارية بمليارات الدولارات وتوطين جزء من صناعتها الحيوية على الأراضي الأمريكية. وبينما لا يُتوقع أن يمنح ترامب الصين الضوء الأخضر لغزو تايوان عسكرياً، لأن سقوط الجزيرة في يد بكين سيعني سيطرة الصين على التكنولوجيا العالمية وتهديد ريادة أميركا.
لكن الخطر الحقيقي يكمن في مساومة ترامب على درجة الدعم، وهو ما يسمى بالمساومة التدريجية (Incremental Bargaining). إذ قد يوافق على تقليص صفقات السلاح الحساسة لتايوان، أو خفض نبرة التهديدات العسكرية الأمريكية لبكين، أو إبداء التراخي الدبلوماسي، مقابل تحقيق مكاسب أمريكية فورية في ملفات الجمارك، أو النفوذ في الشرق الأوسط (إيران)، أو صفقات التكنولوجيا.
الاستراتيجية الكبرى لجمهورية الصين الشعبية:
لب الاستراتيجية الكبرى لجمهورية الصين الشعبية (بكين) هو إدراك بكين تماماً الكلفة الباهظة للغزو العسكري المباشر، وتفضل استراتيجية الانتصار دون قتال عبر الاحتواء العضوي والناعم، مستلهمة نموذج هونغ كونغ (دولة واحدة ونظامان)، لكن مع تطويره ليناسب تايوان.
كما ذكرت في بحوث سابقة واشنطن متيقنة أن الصين تتجنب الغزو العسكري المباشر. لأن أي غزو عسكري سيفجر مصانع السيليكون (TSMC)، مما يدمر الاقتصاد العالمي والين على حد سواء.
كماإنكابوس العقوبات الدولية كما حدث في السيناريو الروسي في أوكرانيا، قد تؤدي إلى عزل الصين اقتصادياً وتجميد أصولها بالدولار، مما يهدد استقرار الحزب الشيوعي الحاكم.
إضافة إلى صعوبة الجغرافيا فإن غزو تايوان يتطلب أكبر عملية إنزال برمائي في التاريخ عبر مضيق تايوان المضطرب، وهو أمر معقد عسكرياً ويحمل نسب مخاطرة هائلة، حسب تحليل الخبراء العسكريين في البنتاغون.
ولذلك تعمد الصين استراتيجية الضم الناعم (على خطى هونغ كونغ) حيث تعتمد بكين على مزيج من الضغوط الذكية لتهيئة تايوان للاستسلام الطوعي أو الاندماج الحتمي. عبر إستخدام سياسة حرب المنطقة الرمادية (Gray-Zone Warfare) عبر تكثيف الضغط العسكري النفسي (اختراق الطائرات للمجال الجوي، ومحاصرة الجزيرة بالمناورات الدائمة) لإنهاك الجيش التايواني، وإيصال رسالة للشعب التايواني بأن مقاومتكم بلا جدوى.
الخنق الاقتصادي والاعتماد المتبادل:
الصين هي الشريك التجاري الأكبر لتايوان. تستخدم بكين هذا النفوذ لربط رجال الأعمال التايوانيين بالبر الرئيسي، مستخدمة الجزرة (تسهيلات استثمارية) والعصا (حظر المنتجات التايوانية فجأة) لإجبار الجزيرة على الخضوع لاقتصاد بكين.
الاختراق السياسي والسيبراني:
تراهن بكين على الانقسام الداخلي التايواني. فهي تدعم بشكل غير مباشر تيارات المعارضة (مثل حزب الكومينتانغ الحالي) التي تدعو للتهدئة والتقارب مع بكين، وتشن حملات إعلامية لإقناع التايوانيين بأن أمريكا حليف غير موثوق وسيبيعهم في أول صفقة (كما يفعل ترامب).
معضلة نموذج هونغ كونغ في عيون تايوان:
بينما ترى بكين أن صيغة دولة واحدة ونظامان (One Country, Two Systems) التي طُبقت في هونغ كونغ عام 1997 هي الحل الأمثل لتايوان (بحيث تحتفظ تايوان بنظامها الرأسمالي ونمط حياتها مقابل التبعية السياسية لبكين).
لكن هذا النموذج تحديداً أصبح أكبر عائق أمام بكين. بسبب ما حدث في هونغ كونغ في السنوات الأخيرة (قمع الاحتجاجات، وفرض قانون الأمن القومي، وتفكيك المعارضة السياسية) قضى تماماً على أي أمل في تايوان بقبول هذا العرض.
الشعب التايواني اليوم يرى نموذج هونغ كونغ كتحذير تاريخي وليس كخيار مغرٍ. فهم يعلمون أن الوعود الصينية بالحفاظ على الديمقراطية المحلية قد لا تصمد طويلاً بعد إتمام الضم.
وتبقى الصين تتبع استراتيجية الطهي البطيء فهي تريد عزل تايوان دبلوماسياً، وإنهاكها عسكرياً ونفسياً، وتعميق اعتمادها الاقتصادي، حتى تأتي لحظة تاريخية يجد فيها القادة في تايوان أن خيار الاندماج السلمي مع بكين هو المخرج الوحيد لتجنب الدمار.
الاحتكار المطلق للمعادن النادرة (Rare Earths): تعتبر هذه الورقة الاقتصادية الأكثر رعباً لواشنطن؛ حيث تهيمن الصين على سلاسل توريد المعادن النادرة والمغناطيسات الحيوية لصناعات الدفاع، والسيارات الذكية، والهواتف. القيود التي فرضتها بكين سابقاً على تصدير معادن مثل (الديسبروسيوم، والتيربيوم، والإيتريوم) تسببت في نقص إمدادات لشركات الطيران والدفاع الأمريكية، مما يمنح شي جين بينغ ميزة كسر أي تهديد تصعيدي من ترامب.
ملف حرب إيران وحصار مضيق هرمز: بينما تنخرط الولايات المتحدة في مواجهة توترات حامية مع إيران، تبرز الصين كأكبر مشترٍ للنفط الإيراني والداعم السياسي الأكبر لطهران. يسعى ترامب وفريقه الدبلوماسي (بقيادة وزير الخارجية ماركو روبيو) للضغط على بكين للعب دور وسيط لإقناع طهران بإبرام صفقة لإنهاء الحرب. هذا الاحتياج الأمريكي يمنح بكين مقايضة سياسية قوية لحماية مصالحها أو الضغط في ملفات أخرى.
المرونة الجغرافية للصادرات والأرقام القياسية: على عكس الولاية الأولى لترامب، نجحت الصين في تنويع شراكاتها التجارية وبناء أسواق بديلة حول العالم، محققةً أرقاماً قياسية في التصدير. ورغم حاجتها للسوق الاستهلاكي الأمريكي، إلا أنها أصبحت أقل عرضة للانهيار بسبب الجمارك مقارنة بالسابق، فضلاً عن تحقيقها قفزات في إنتاج رقائقها المحلية والذكاء الاصطناعي للاستغناء عن الشركات الغربية.
سلاح ضرب المزارعين الأمريكيين (الانتخابات النصفية): تدرك بكين الحساسية السياسية لترامب، إذ تفرض حالياً رسوماً جمركية انتقامية على المنتجات الزراعية والطاقة الأمريكية (مثل فول الصويا واللحوم والغاز المسال). استمرار أو زيادة هذه الرسوم يضرب مباشرة المزارعين في الولايات المتأرجحة المؤيدة لترامب، وهو أمر يخشاه البيت الأبيض بشدة خاصة في عام الانتخابات النصفية خوفاً من إحداث صدمات اقتصادية تؤثر على نسب التضخم.
رغم كل ذلك لكن المؤشرات الحالية تميل نحو التهدئة المؤقتة وإدارة الخلاف (Tactical Stabilization) بدلاً من الانفجار التجاري الشامل، وذلك لعدة أسباب حاسمة. والسبب في الوقت الحالي هو تقييد صلاحيات الرئيس القضائية، بعدما تلقى ترامب ضربة قانونية قوية بعد أن قلصت المحكمة العليا الأمريكية من قدرته المنفردة على فرض رسوم جمركية واسعة عبر قوانين الطوارئ، مما أجبره مؤقتاً على التراجع واستخدام صيغ جمركية مؤقتة بنسبة 10%.
وكذلك البحث عن صفقات تجارية موجهة (Managed Trade) لإنقاذ نفسه من المأزق الذي وضع نفسه فيه في مضيق هرمز. ولذلك فهو بدلاً من فرض جمارك عشوائية تصل لـ 100% كما حدث في فترات التوتر السابقة، تركز المفاوضات الحالية في بكين على التوصل لصفقات تلتزم فيها الصين بزيادة مشترياتها من صناعات أمريكية حيوية (مثل الطائرات المدنية من بوينغ، وفول الصويا) مقابل تراجع واشنطن عن تحقيقات تجارية مرتقبة ضد بكين.
يسعى الطرفان حالياً للتوصل لتفاهمات تضمن استقرار السلسلة الإمدادية لإنقاذ الاقتصاد العالمي المنهك جراء الصراعات. وتبقى هذه الهدنة الحذرة قائمة على ما سيحصل بعد عودة الرئيس من بكين ومواجهة العواصف في واشنطن وما سيتخذه من قرار بشأن إيران.
الصين اليوم تفاوض ترامب بنظام الند للند. وترامب أضعف من ذي قبل. لن نشهد تكراراً سينمائياً لحرب الرسوم المفتوحة التي طبعت الولاية الأولى، بل سنرى مقايضات صلبة حذرة، حيث ستعرض الصين صفقات شراء واستثمارات لترضية عقلية ترامب التجارية، مقابل انتزاع تهدئة في ملف الرسوم الجمركية ومطالبة أمريكا بعدم تجاوز الخطوط الحمراء في ملف استقلال تايوان.
كما أن هناك مؤشرات مكثفة وتقارير استراتيجية بارزة تشير إلى أن الصين والولايات المتحدة تدرسان حالياً صفقة استثمارات تاريخية ضخمة وبناء مصانع على الأراضي الأمريكية، بالتزامن مع قمة الرئيسين دونالد ترامب وشي جين بينغ المنعقدة في بكين.
ورغم النفي الرسمي المبدئي الصادر عن البيت الأبيض لبعض هذه التقارير بذريعة حماية الأمن القومي، إلا أن كواليس المفاوضات والبيانات الاستثمارية تكشف عن تحركات فعلية جادة:
مؤشر صفقة التريليون دولار لبناء المصانع
كشفت تقارير اقتصادية، من بينها مقالات رأي وتحليلات في صحيفة نيويورك تايمز، أن إدارة ترامب وبكين تدرسان بجدية مقترحاً يسمح للصين بضخ استثمارات تصل قيمتها إلى 1 تريليون دولار مخصصة بالكامل لبناء مصانع صينية على الأراضي الأمريكية وتشغيل عمالة محلية.
يعكس هذا التوجه رغبة ترامب الصريحة التي أعلنها مراراً (مثل خطابه في نادي ديترويت الاقتصادي)، حيث رحب علناً بالشركات الأجنبية بما فيها الصينية واليابانية قائلاً: إذا أرادوا القدوم وبناء المصانع وتوظيف المواطنين، فهذا أمر رائع، أنا أرحب بالصين.
التوطين في قطاعات التكنولوجيا المتقدمة والسيارات
تسعى واشنطن لاستنساخ نموذج الاتحاد الأوروبي عبر وضع إطار تنظيمي يجذب الاستثمارات الصينية المباشرة (FDI) في القطاعات المتقدمة مثل السيارات الكهربائية، والبطاريات، والطاقة النظيفة. الهدف الأمريكي هو إلزام الشركات الصينية بـ نقل التكنولوجيا وتوطين سلاسل الإمداد محلياً، خاصة وأن الصين تحتكر ما بين 65% إلى 90% من تكرير المعادن الحيوية مثل الليثيوم والغرافيت اللازمة لهذه الصناعات.
شراء السلع كبديل استثماري مباشر (الهدنة التجارية)
كبديل للاستثمارات الرأسمالية المباشرة التي قد تواجه ممانعة سياسية من صقور الأمن القومي الأمريكي، تشير أحدث تقارير مجموعات التحليل مثل مؤسسة غولدمان ساكس إلى وجود توافق على أرقام شراء فلكية في قطاع الطيران، حيث تخوض بكين محادثات متقدمة لإبرام صفقة ضخمة مع شركة بوينغ الأمريكية لشراء نحو 500 طائرة من طراز 737 ماكس وطائرات عريضة البدن. كما هناك تعهدات صينية بضخ مليارات الدولارات لشراء الغاز الطبيعي المسال (LNG)، بالإضافة إلى التزام بشراء 25 مليون طن من فول الصويا الأمريكي سنوياً لمدة 3 سنوات، إلى جانب اللحوم والفحم.
المعوقات ومكمن الحرج السياسي
رغم رغبة ترامب في إعلان صفقات استثمارية وتجارية ضخمة تخدم أجندته الاقتصادية، إلا أن هناك عقبات حقيقية تحول دون التدفق المفتوح لهذه الأموال:
الفيتو الأمني (CFIUS):
تبدي لجنة الاستثمارات الأجنبية في الولايات المتحدة، ومحللوا المعاهد الاستراتيجية مثل مجموعة روديوم، تحفظات شديدة حيال فتح الباب للذكاء الاصطناعي والرقائق الحساسة. ونتيجة لذلك، يتوقع الخبراء ركوداً في استثمارات التكنولوجيا المباشرة وتحولها إلى قطاعات التصنيع التقليدي الأقل تصادماً.
الانقسام الداخلي:
يحذر حلفاء ترامب السياسيون من أن فتح الباب للاستثمارات الصينية الضخمة في قطاع السيارات الأمريكي قد يمثل خطأً تاريخياً يربط الاقتصاد الأمريكي ببكين بشكل لا يمكن الفكاك منه.
المؤشرات الحالية تؤكد وجود خطة لمقايضة كبرى، فالصين مستعدة لضخ مئات المليارات والاستثمار المباشر في المصانع الأمريكية لامتصاص غضب ترامب وتجنب الرسوم الجمركية. بينما تحاول الإدارة الأمريكية توجيه هذه الأموال نحو المصانع التقليدية والوظائف دون تسليم قطاع التكنولوجيا الفائقة للصين.
تلك هي أسلحة الصين الاقتصادية لتوظيف السياسة الرأسمالية النفعية نفسها لزيادة إستنزاف الولايات المتحدة بدون الوقوع في فخ ثوسيديدسThucydides’s Trap.
وهذا ما سأتحدث عنه في الجزء القادم.
كيف تستخدم الصين الإختراق الإستثماري لتقليل حيازة السندات داخل الولايات لتوظيف نفس هذه السياسة الرأسمالية النفعية لتحقيق تبعية للولايات المتحدة الأمريكية الاقتصادية للتكنولوجيا الصينية، عبر إستخدام سياسة التوطين التي يقوم بها ترامب لجعل أمريكا عظيمة مجدداً، ولكن الصين تريدها تابعا لها لا متبوعاً، لزيادة إستنزاف الولايات المتحدة بدون الوقوع في فخ ثوسيديدسThucydides’s Trap.
الجزء الثاني: فخ الصين الكبرى: كيف خسرت تايوان معركة الصين الواحدة؟ (4-3)
الجزء الثالث: الدرع السيليكوني التايواني (Silicon Shield) كيف تحمي تايوان إستقلالها. (3-4)
الجزء الرابع: أسلحة الصين الاقتصادية لتوظيف السياسة الرأسمالية النفعية لزيادة إستنزاف الولايات المتحدة بدون الوقوع في فخ ثوسيديدسThucydides’s Trap. (4-4)




