فخاخ ثوسيديديس Thucydides Traps في لبنان بين حوار ميلوس اليونانية والوساطة الأمريكية | بقلم حيدر المنصوري
هل التاريخ يُعيد نفسه؟
فخاخ ومصائد ثوسيديديس Thucydides Trapsكثيرة، فمن صعود أثينا، والخوف الذي أحدثه هذا الصعود في أسبرطة، القوة المهيمنة التي كانت تخشى فقدان مكانتها وحلفائها وامتيازاتها التاريخية ما جعل الحرب حتمية.
وهو ما سمي بتهديد القوة الصاعدة للقوة المهيمنة Power Challenge Leadership والتي صاغها عالم السياسة الأمريكي المعاصر غراهام أليسون (Graham Allison) بناءً على قراءة تاريخية متعمقة للمؤرخ الإغريقي القديم ثوسيديدس في كتابه الشهير تاريخ الحرب البيلوبونيسية. حيث تنص هذه النظرية على أنه عندما يهدد طرف صاعد بقوة إزاحة قوة مهيمنة وحاكمة للنظام الدولي، فإن النتيجة الحتمية غالباً ما تكون الحرب. وقد فصلتُ ذلك في بحث منشور على منصة Strategicfile.com.
تشير هذه النظرية إلى أن بنية النظام الدولي عندما تتحول من القطبية أحادية الاستقرار إلى حالة صعود قطب منافس، يتولد ديناميكية نفسية وسياسية تجعل التصادم أمراً يصعب تفاديه، ليس بالضرورة بسبب رغبة الطرفين في الحرب، بل بفعل الضغوط الهيكلية لخوف القوة المهيمنة وطموح القوة الصاعدة.
وتنتقل القوة المهيمنة إلى بلطجة النظام الدولي أو ما يسميه الأكاديميون الواقعية الهجومية، فالولايات المتحدة الداعمة لإسرائيل لن تتخلى عن أحاديتها طوعاً، بل تستخدم أدوات القوة الخشنة وتحريك أذرعها في المنطقة لإبطاء تدهور نفوذها.
وهنا تبرز مصيدة أخرى ذكرها ثوسيديديس عادةً ما تقع ضحيتها القوى المتوسطة والصغيرة التي تقع في طريق القوة المهيمنة، وكذلك تستخدمها القوة الصاعدة ككسارة بندق لتكسير أطراف القوة المهيمنة وإستنزافها لتقليل ضرر التصادم معها. وتحاول هذه القوى أن تجعل منها درسا وعبرة للآخرين، لترسل من خلالها رسالة للقوى المنافسة قبل التصادم معها، وعادة ما تكون القوى الصغيرة هي الضحية بسبب عالمها المثالي التي كانت تعيش فيه.
جزيرة ميلوس الصغيرة وجدت نفسها في هذه المصيدة.
في عام 416 قبل الميلاد، وقفت جزيرة ميلوس الصغيرة المحايدة أمام الأسطول الأثيني الجبار المتأهب لابتلاعها خلال حرب البيلوبونيز.
خلّد المؤرخ الإغريقي ثوسيديديس هذه المواجهة في نص فلسفي وسياسي تاريخي يُعرف بـ حوار ميلوس (Melian Dialogue). في ذلك الحوار، لم يجادل الأثينيون في الحق أو العدالة، بل قالوا جملتهم الشهيرة التي أصبحت حجر الأساس للمدرسة الواقعية في السياسة الدولية:
(إن الحق في منطق العالم لا يكون له وزن إلا بين قوى متكافئة، أما الأقوياء فيفعلون ما تسمح لهم به قوتهم، بينما على الضعفاء أن يعانوا ما يُفرض عليهم رغماً عنهم).
اليوم، وبعد مرور أكثر من ألفين وأربعمائة عام، يبدو المشهد اللبناني في مفاوضاته الحالية، وخصوصاً مع دخول الوسيط الأمريكي على خطوط الترسيم والترتيبات الأمنية، وكأنه نسخة حديثة كُتبت بحبر المعاناة اللبنانية ذاتها.
فهل يشبه موقف لبنان اليوم موقف جزيرة ميلوس؟ وكيف تتطابق الحجج والضغوط بين الأمس الإغريقي واليوم العربي؟
يُعتبر حوار ميلوس (Melian Dialogue) المدون في الكتاب الخامس من تاريخ حرب البيلوبونيز للمؤرخ الإغريقي ثوسيديديس، أحد أهم النصوص التأسيسية في الفلسفة السياسية والعلاقات الدولية.
إنه ليس مجرد توثيق لحدث تاريخي، بل هو تشريح فلسفي حقيقي لطبيعة السلطة، والقوة، والمصلحة عندما تصطدم بالشعارات الأخلاقية والعدالة.
ففي السياق التاريخي لحوار ميلوس دارت هذه الأحداث عام 416 قبل الميلاد، خلال هدنة مؤقتة ومضطربة في خضم حرب البيلوبونيز الكبرى بين حلفين، الحلف الديلي بقيادة أثينا (الديمقراطية، البحرية، والتوسعية) والحلف البيلوبونيزي بقيادة إسبارطا (الأولمبية، البرية، والمحافظة).
جزيرة ميلوس وهي جزيرة صغيرة في بحر إيجة، استوطنها قديماً مهاجرون من إسبارطا (دوريو الأصل). ورغم تعاطفهم الثقافي مع إسبارطا، إلا أنهم اختاروا الحياد التام في الحرب ولم يقدموا أي دعم عسكري لإسبارطا.
رأت أثينا في تعاظم قوتها البحرية مبرراً لإخضاع كل جزر بحر إيجة. كان حياد ميلوس في نظر أثينا يُمثّل إهانة وهشاشة لهيبتها؛ فإذا تركت جزيرة صغيرة مستقلة، سيرى الآخرون في ذلك ضعفاً من أثينا وليس احتراماً للحياد.
أرسل الأثينيون أسطولاً ضخماً وحاصروا الجزيرة، لكن قبل بدء القتال، أرسلوا مبعوثين للتفاوض. رفض الحكام في ميلوس عرض الأمر على الشعب خوفاً من أن يغتر الشعب بوعود أثينا، واقتصر الحوار على النخبة الحاكمة وممثلي أثينا في غرفة مغلقة.
الواقعية السياسية الفجة (The Realism) – الموقف الأثيني
يمثل الأثينيون في هذا الحوار ذروة المدرسة الواقعية الفجة في السياسة، وتتلخص أفكارهم في الآتي:
طلب الأثينيون فوراً من أهل ميلوس عدم إضاعة الوقت في الحديث عن العدل أو الحق، لأن هذه المفاهيم لا مكان لها إلا بين قوى متكافئة عسكرياً. وهذا يسمى إستبعاد الأخلاق والعدالة من المعادلة في التفاوض
جادل الأثينيون بأن الضعيف يخضع للقوي بموجب قانون طبيعي أزلي، يطبق على الآلهة والبشر على حد سواء. القوي يفعل ما يشاء والضعيف يتحمل ما يجب عليه تحمله. وهذه حتمية الطبيعة البشرية.
أوضح الأثينيون أن قبولهم بحياد ميلوس سيبدو للمدن الأخرى دليلاً على ضعف أثينا، بينما إخضاع ميلوس يعزز من هيبة الإمبراطورية الأثينية ويرهب الآخرين. وهذا يجسد مفهوم الهيبة والسمعة (Prestige) لدى المتغطرس
المثالية السياسية والحق الأخلاقي (Idealism) – موقف أهل ميلوس
تسلّح أهل ميلوس بالمنطق والأخلاق والأمل، وتركزت حججهم على، الحق في الحياد والعدالة، فقد جادلوا بأنهم لم يلحقوا أي أذى بأثينا، وبالتالي فإن الهجوم عليهم غير عادل ويخالف الأعراف والقوانين الإلهية.
وحاولوا بيان مصلحة أثينا البعيدة، فقد قال أهل ميلوس للأثينيين إن تدمير مدينة محايدة دون سبب سيجعل كل الدول المحايدة الأخرى تتحول إلى أعداء لأثينا خوفاً من نفس المصير.
إستخدموا عنصر الأمل في المجهول والشرف، ورفضوا الاستسلام قائلين إن الاستسلام طوعاً هو خسارة مؤكدة بنسبة 100%، بينما المقاومة تترك باباً للأمل (حتى لو كان ضئيلاً) في النصر أو تدخل الحلفاء (إسبارطا) أو عدالة الآلهة. ذلك الأمل الذي يجعل الموت مريحاً كما عبر عنه ثوسيديديس.
في نهاية الحوار، لم يقتنع أي طرف بمنطق الآخر. رفض أهل ميلوس الاستسلام، ففرض الأثينيون حصاراً صارماً على المدينة.
المفارقة الفلسفية الكبرى والمصير الكارثي هو أن إسبارطا لم تتدخل لإنقاذهم (كما تمنى أهل ميلوس)، وبعد أشهر من الجوع والحصار، سقطت المدينة نتيجة الخيانة الداخلية.
وكان الانتقام الأثيني مروعاً، قَتل الأثينيون جميع الرجال في سن القتال، وباعوا النساء والأطفال كعبيد، واستوطنوا الجزيرة بـ 500 مستعمر أثيني.
الدروس السياسية والفلسفية المستفادة:
فخ الأمل والرهانات الخاطئة:
يوضح ثوسيديديس كيف أن الرهان على العواطف (مثل الشرف، وعدالة الآلهة، ووفاء الحلفاء كإسبارطا) في غياب ميزان القوى الحقيقي يقود إلى الانتحار السياسي. الأمل في السياسة قد يكون مخرباً إذا لم يدعمه فعل واقعي، وقوة عسكرية تدافع عن نفسها.
عجرفة القوة والعمى الاستراتيجي (Hubris):
ركّز ثوسيديديس على أن القوة المطلقة تُعمي أصحابها. أثينا التي تصرفت بعجرفة مطلقة في ميلوس عام 416 ق.م، واجهت بعد سنوات قليلة (عام 404 ق.م) هزيمة ساحقة على يد إسبارطا وتفككت إمبراطوريتها بالكامل. العدالة التي دهسها الأثينيون ارتدت عليهم لاحقاً. ولكن ميلوس كانت قد تم تدميرها بالكامل.
معضلة الدول الصغيرة:
يضع الحوار معضلة أزلية للدول الصغيرة التي تقع في محيط قوى عظمى متصارعة؛ فالحياد الأخلاقي غالباً لا يحمي هذه الدول ما لم يمتلك أنياباً عسكرية تجعل كلفة غزوها أكبر من العائد منه.
لذلك، يظل حوار ميلوس النص الأكثر تعبيراً عن واقعية الغاب الدولية، والتحذير الأبدي من مغبة الانقسام، والاعتماد على وعود الخارج، وإهمال بناء عناصر القوة الذاتية.
منطق الحق والسيادة أمام منطق فائض القوة:
في حوار ميلوس، تمسك أهل الجزيرة الصغيرة بالمنطق والأعراف والحق الأساسي في البقاء على الحياد، مجادلين بأن من حقهم الحفاظ على استقلالهم. في المقابل، يرتكز الموقف اللبناني اليوم على حجج قانونية وأخلاقية وواقعية صلبة،
إن التشابه بين حوار ثوسيديديس والمفاوضات اللبنانية الحالية يذكرنا بحقيقة أزلية، في عالم السياسة الدولية، مثالية الأخلاق بلا قوة تحميها تتحول إلى مأساة.
موقف الحكومة اللبنانية:
موقف الحكومة اللبنانية اليوم هو بالفعل واحد من أعقد المواقف السياسية والدبلوماسية في التاريخ الحديث. إنهم يعيشون تماماً معضلة أهل ميلوس ولكن في عالم شديد التشابك، حيث تلتقي الضغوط العسكرية الإسرائيلية، والانحياز الأمريكي، والحسابات الإقليمية الإيرانية، والانقسام الداخلي الحاد.
الرهان على أن تضمن إيران مصالح لبنان في تسوياتها الكبرى مع واشنطن هو رهان محفوف بالمخاطر -وإن أمكن استعماله كورقة في التفاوض- ففي عالم السياسة الواقعية، الدول تفاوض من أجل مصالحها القومية أولاً، وتفاصيل الساحات الإقليمية غالباً ما تخضع للمقايضات.
وفي المقابل، فإن كلفة الحرب الشاملة مع إسرائيل تعني تدمير ما تبقى من بنية تحتية واقتصاد لبناني متهالك أساساً.
الدفاع المشروع عن النفس والدفاع عن السيادة الوطنية:
يرى لبنان أن امتلاكه لخيارات المقاومة والدفاع هو حق طبيعي كفلته المواثيق الدولية لطرد المحتل وحماية الأرض. الحجة اللبنانية تنطلق من أن التنازل عن عناصر القوة يعني تحويل البلد إلى ساحة مستباحة بالكامل.
لكن، تماماً كما فعل الأثينيون، يسقط الجانب الإسرائيلي ومن خلفه الدعم اللامتناهي الأمريكي منطق الحق والعدالة ليضع مكانه منطق القوة المطلقة.
الحجة الإسرائيلية المعاصرة لا تبحث عن تسوية عادلة، بل تقدم ما يشبه ورقة الاستسلام الكامل، مستندة إلى عناصر تفوق واضحة، يحاولون توجيهها عبر السيادة العسكرية والتكنولوجية، كما قال الأثينيون نحن سادة البحار والحروب.
والتهديد بفرض حصار خانق وعزل لبنان مالياً وسياسياً ومحوه من الخارطة الاقتصادية الدولية عبر النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي.
الوسيط الأمريكي: عندما يرتدي الخصم قبعة الحَكَم والوساطة.
أحد أبرز أوجه الشبه والتحديث في السيناريو اللبناني هو وجود الوسيط الأمريكي. في التاريخ الإغريقي، كانت المواجهة مباشرة، أثينا واجهت ميلوس بلا رتوش. أما في العصر الحديث، فإسرائيل تفاوض لبنان مباشرة بحضور وسيط يمتلك انحيازاً بنيوياً وتاريخياً معلناً لجانبها.
الوساطة الأمريكية في ملفات لبنان (سواء الترسيم البحري أو الترتيبات الأمنية البرية) لم تكن يوماً وساطة نزيهة بالمعنى الدبلوماسي الكلاسيكي، بل كانت دائماً أقرب إلى مستشار قانوني للخصم يرتدي ثوب الحَكَم.
فالولايات المتحدة تستخدم أدوات القوة الناعمة والخشنة (العقوبات، الضغط المالي، التهديد بالحصار) لفرض التنازلات على لبنان، وتحويل المطالب الإسرائيلية الصعبة إلى مخارج دبلوماسية مقترحة.
معضلة التفويض الداخلي والثغرة في الجدار اللبناني
في حوار ميلوس، ركز الأثينيون على نقطة ضعف قاتلة لدى أهل ميلوس: الأمل في أن تأتي إسبارطا لإنقاذهم، وانقسام الآراء حول مدى قدرتهم على الصمود. في الحالة اللبنانية، يستغل الإسرائيلي والأمريكي ثغرة داخلية كبرى يعبر عنها الخطاب المعادي للبنان، إنكم لا تمتلكون تفويضاً داخلياً موحداً. فالانقسام اللبناني العمودي حول السلاح، وهوية الدولة، والخيارات الاستراتيجية، يضعف الموقف التفاوضي اللبناني.
يرى الخارج في هذا التشرذم فرصة لتشديد الخناق، فغياب الرؤية الموحدة والجامعة يجعل الدولة اللبنانية تبدو في نظر القوى الكبرى ككيان هش يمكن الضغط عليه من الداخل للخضوع للشروط الخارجية.
يحتاج لبنان اليوم، أكثر من أي وقت مضى، ليس فقط إلى التمسك بحججه القانونية والسيادية، بل إلى الحد الأدنى من التماسك الداخلي لئلا يجد نفسه ضحية جديدة لقانون الغاب الدولي الذي صاغته أثينا قديماً، وتستغله وتطبقه القوى العظمى اليوم ضد الدول الصغيرة لكي تحصل منهم على تنازلات.
هل تنتهي المفاوضات بنهاية ميلوس؟
تاريخياً، رفضت ميلوس الاستسلام للأثينيين، ففرض الأثينيون عليها حصاراً خانقاً حتى سقطت، فقتلوا رجالها وباعوا نساءها وأطفالها عبيداً. كانت تضحية بطولية لكنها انتهت بكارثة وجودية بسبب اختلال موازين القوى المطلق.
لبنان اليوم، رغم كل نقاط الضعف والانقسامات، يمتلك أوراقاً لم تكن تمتلكها ميلوس. فلبنان ليس جزيرة معزولة في وسط البحر يمكن تطويقها بالكامل دون ارتدادات إقليمية.
والجغرافيا المعقدة في الجنوب تحول دائما امام أي إحتلال من الصمود وعدم تلقي الضربات من المقاومة.
وعناصر الردع المتمثلة بالقوة العسكرية المتاحة للبنان (على اختلاف الآراء حولها داخلياً) قادرة على إيقاع الأذى بالخصم، مما يجعل خيار الحرب الشاملة لإزالته مكلفاً جداً وغير مضمون النتائج للجانب الإسرائيلي نفسه.
كيف تتصرف الحكومة اللبنانية؟ (الاستراتيجية الحالية) وسط هذا الحقل من الألغام؟ وما هي أوراق القوة الفعلية التي يمكنها المناورة بها؟
تعتمد الحكومة اللبنانية على استراتيجية الفصل والمناورة والمطاولة، وتتلخص تحركاتها في:
التمسك بالشرعية الدولية (القرار 1701):
ما تستطيع الحكومة في لبنان فعله هو تنسيق خطواتها تحت مظلة القرارات الدولية. هذا التمسك يمنحها شرعية أخلاقية وقانونية أمام المجتمع الدولي، ويحرج إسرائيل التي تطالب بتعديل القرار أو تجاوزه لفرض ترتيبات أمنية جديدة تخرق السيادة اللبنانية.
التمييز بين الموقف الرسمي والمقاومة:
من الافضل للحكومة اللبنانية أن لا تتخلى عن المقاومة حتى وإن تظاهرت بذلك، والأفضل ممارس ة نوعاً من تقسيم الأدوار (وهو المفروض عليها بحكم الواقع). يستطيع أن يتحدث الدبلوماسي اللبناني بلغة القانون الدولي والاتفاقيات، بينما يترك عنصر الردع العسكري في الميدان كورقة ضغط غير مباشرة على طاولة المفاوضات.
وعلى المجتمع اللبناني أن يعي ذلك ويساند الطرفين في هذا الأمر، ويحافظ على تماسك الجبهة الداخلية من جهة، وكذلك يمارس دوره الرقابي أيضا في دعم الحكومة للخروج بصفقة مشرفة من جهة أخرى.
رفض الشروط التي تمس السيادة:
تحاول الحكومة وضع خطوط حمراء تحت مسمى السيادة الوطنية، مثل رفض إعطاء إسرائيل حرية الحركة العسكرية في الأجواء أو الأراضي اللبنانية تحت ذريعة مراقبة الاتفاق، لأن القبول بهذا الشرط يعادل ورقة الاستسلام الكامل. ولكن في ظل سياسة الأرض المحروقة التي تمارسها الدولة المعادية في أراضيها فلا يبدو أن لديها كثير من الخيارات لتستعملها.
ما هي أوراق القوة اللبنانية في التفاوض؟
رغم الاختلال الهائل في موازين القوى المادية (الاقتصادية والعسكرية التقليدية) لصالح إسرائيل في ظل الدعم الأمريكي، إلا أن لبنان لا يدخل المفاوضات خالي الوفاض. يمتلك لبنان أوراق قوة استراتيجية تجعل الخصم يفكر كثيراً قبل المضي في خيار التدمير الكامل والإرض المحروقة التي ستعملها في جنوب لبنان.
كلفة الحرب المتبادلة (معادلة الردع):
خلافاً لجزيرة ميلوس التي لم تكن قادرة على إلحاق أي أذى حقيقي بأثينا، فإن لبنان يمتلك ترسانة عسكرية (عبر المقاومة) قادرة على إلحاق خسائر استراتيجية مؤلمة بالداخل الإسرائيلي.
تعطيل الحياة والاقتصاد:
الصواريخ والمسيرات قادرة على شل شمال ووسط إسرائيل، وتهجير مئات الآلاف من سكانها، وضرب المطارات والموانئ ومنشآت الطاقة.
كلفة استنزافية:
إسرائيل لا تتحمل الحروب الطويلة والمستنزفة لاقتصادها وجبهتها الداخلية، وهذه الورقة هي المانع الأساسي حتى الآن لتحول التهديدات الإسرائيلية إلى حرب إزالة شاملة.
الجغرافيا السياسية وأمن المنطقة
استقرار لبنان ليس شأناً لبنانياً داخلياً فحسب، بل هو حاجة إقليمية ودولية. إن انهيار لبنان بالكامل وتحوله إلى دولة فاشلة قد يؤدي إلى فوضى أمنية عارمة وتدفق موجات ضخمة من اللاجئين باتجاه أوروبا (عبر البحر)، وهو كابوس يخشاه الغرب.
أي حرب شاملة قد تشعل الجبهة البحرية، مما يهدد أمن مصادر الطاقة وحقول الغاز في شرق المتوسط وحركة الملاحة، وهو ما يفسر الضغط الأمريكي والأوروبي المستمر لمنع خروج الأمور عن السيطرة والوصول إلى تسوية.
الإجماع على الـ 1701 كأقصى تنازل ممكن:
يمتلك المفاوض اللبناني ورقة الحدود السياسية الداخلية. يمكن للحكومة اللبنانية أن تقول للوسيط الأمريكي، تطبيق القرار 1701 بالكامل هو أقصى ما يمكن تسويقه وإقناع الداخل اللبناني (بما فيه المقاومة) به.
أي شروط إضافية تمس السيادة ستؤدي إلى تفجير البلد داخلياً، ولن تجدوا مسؤولاً لبنانياً واحداً يملك القدرة أو التفويض للتوقيع عليها. هذا التمنع المدعوم بخشية من الانهيار الداخلي يشكل كبحاً للمطالب السقفية المرتفعة للخصم.
حاجة إسرائيل لإعادة سكان الشمال
رغم أن إسرائيل تعيش ضغطاً داخلياً هائلاً بسبب تهجير عشرات الآلاف من سكان المستوطنات الشمالية. ولكنها لايبدو أنها تريد حل سريع ونتيجة حاسمة من هذه المفاوضات، بل على العكس فهي تستعمل المفاوضات ذريعة للإستمرار في تدمير جنوب لبنان وتهجير أهله والحرص على عدم عودتهم في القريب العاجل. والدليل انها تتفاوض وكأن ليس هناك حرب وتحارب وكأن ليس هناك مفاوضات وهذا التفكيك يجعلنا نصل لهذه النتيجة. ما عدا نقطة ضعف واحدة وهي أن إسرائيل بحاجة إلى إنجاز سياسي وأمني يعيد هؤلاء السكان ويوفر لهم الأمان. وهذا ما تسعى للحصول عليه من خلال المفاوضات مع إبقاء يدها مفتوحة للإعتداء في أي وقت تراه مناسباً. وهذا ما يجب أن تحذر منه لبنان في هذه المفاوضات وتجنب ما حصل في غزة.
ويبقى وجود مقاومة على الأرض هو ما يمنح لبنان قدرة على المناورة والمقايضة، الأمن والاستقرار في الشمال الإسرائيلي مقابل الاحترام الكامل للسيادة والحدود اللبنانية ووقف الخروقات.
تتصرف الحكومة اللبنانية كمن يسير على حبل مشدود؛ فهي لا تستطيع الانخراط في حرب مدمرة، ولا تستطيع التوقيع على صك استسلام. ورقة قوتها الحقيقية تكمن في إفهام العالم والوسيط الأمريكي أن كلفة عدم الاتفاق العادل مع لبنان، وما سينتج عنه من حرب أو فوضى، هي كلفة باهظة جداً على إسرائيل وعلى أمن المنطقة ككل. هذا الربط بين استقرار لبنان واستقرار المنطقة هو الدرع الدبلوماسي الأخير الذي يحمي الموقف اللبناني من مصير ميلوس.
لمن يود الاطلاع على الجزئين السابقين:




