العراق بين سيكولوجيا الغزوة ومأزق مؤسسة القانون: تفكيك ظاهرة الصولات في الدولة العراقية | بقلم حيدر المنصوري

إن المظاهر السلوكية والسياسية للدولة الهجينة في العراق المعاصر، التي تفسر تغلغل عقلية البداوة والارتحال داخل جدران المؤسسات الحديثة، تؤكد فرضية مفادها أن لجوء رأس السلطة التنفيذية (رئيس الوزراء) إلى قيادة الصولات والمداهمات الميدانية بنفسه لإيقاف الفساد أو فرض الانضباط، بدلاً من تفعيل القنوات القانونية والمؤسساتية المستقلة، هو استدعاء لا واعٍ لسيكولوجيا الغزوة الرامية لتثبيت السطوة الشخصية وتوفير شعور زائف بالأمان السريع الفوري. إن هذا السلوك، وإن حظي بمقبولية شعبية مؤقتة، فإنه يعطل مفهوم الزمن التراكمي الضروري لبناء دولة المؤسسات، ويُكرس منطق المكرمة والشيخ القوي على حساب سيادة القانون المستدام.
سيكولوجية الغزوة وإشكالية بناء الدولة عند القائد البدوي المعاصر: من المرتع إلى المرفق.
تُعد إشكالية الانتقال من البداوة إلى الحَضارة، ومن العصبية القبيلة إلى المؤسسة القانونية، أحد أعقد المسارات في علم الاجتماع السياسي. عندما تمتد يد البداوة لتحتل مرافق الدولة الحديثة، فإنها لا تبني مؤسسات تفاعلية، بل تُعيد إنتاج الفضاء الرعوي داخل أروقة الوزارات والمؤسسات.
ينطلق هذا البحث من فرضية أن القائد ذو الخلفية البدوية -حتى وإن ارتدى بدلة عصرية واستخدم التكنولوجيا الرقمية- يظل محكوماً ببنية ذهنية تنظر إلى الدولة بوصفها غنيمة والوظيفة العامة بوصفها مرتعاً، معتمداً على الصولات والغزوات لتثبيت شرعيته وسلوكه الاقتصادي القائم على الفورية والنهب الاستهلاكي، بدلاً من الإنتاج والنماء القائم على التراكم والزمن.
مأزق قشرة الحداثة في الفضاء المؤسسي
في بحث سابق منشور على منصة strategicfile.com حللت كيف أن الدولة المستقرة لا تُبنى بالخرسانة والتكنولوجيا والتشريعات المكتوبة على الورق فحسب، بل بالذهنية التي تدير تلك الموارد وتفهم معنى الزمن.
في العراق، أفرز التداخل المستمر بين البنى التقليدية (ما قبل الدولة) والهياكل البيروقراطية المستوردة ما يُعرف بـ الدولة الهجينة؛ وهي كيان يمتلك واجهة مدنية ومؤسساتية عصرية، لكنه يُدار بعمق ذهني بدائي يعتمد الولاء، الغنيمة، والاستجابة الفورية للأزمات.
تتجلى أبرز مظاهر هذه الطبيعة الهجينة في طبيعة ممارسة السلطة؛ حيث يلاحظ المراقب للمشهد السياسي العراقي الحالي نزوع رئيس الوزراء نحو النزول الميداني المباشر، وقيادة حملات وصولات أمنية لملاحقة شبكات الفساد، أو منافذ التهريب، أو المعرقلين لتقديم الخدمات. يطرح هذا السلوك تساؤلاً سوسيولوجياً عميقاً: لماذا تلجأ أعلى سلطة تنفيذية لفرض النظام بأسلوب المداهمة الفورية الخاطفة بدلاً من ترك الماكينة القضائية والقانونية تأخذ مجراها الطبيعي بدون تدخل؟
الاقتصاد الغنائمي مقابل الاقتصاد التنموي: أرزاقهم تحت رؤوس رماحهم
أصلت المدرسة الخلدونية لنمط الإنتاج البدوي باعتباره نمطاً قسرياً يرتكز على القوة لا على العمل التراكمي (الزراعة، الصناعة، الاستثمار). حيث يتعزز مفهوم الغنيمة بدلاً من القيمة لدى البدوي الذي لا ينتظر تقليدياً دورة زراعية تمتد لشهور، ولا يستثمر في بنية تحتية تحتاج لسنوات. هو يطارد المرتع والكلأ الفوري.
عندما يتحكم بمرافق الدولة، يتحول هذا السلوك إلى ريعية مطلقة وغنائمية، حيث يُنظر إلى الميزانيات العامة وخزائن الدولة على أنها فيء وغنائم يتم توزيعها على العصبية الحاكمة لاستمرار الولاء، وليس كأدوات للتنمية المستدامة.
هذا السلوك يؤدي لتدمير منطق الاستثمار الذي يتطلب بيئة مستقرة وقوانين تحمي الملكية وفصلاً بين الخاص والعام. في المقابل، يرى القائد البدوي في القانون عائقاً أمام سلطته التقديرية. ولتخليصها من الشيوخ السابقين الذي سيطروا على تلك المرافق وأحكموا قبضتهم فيها، يجد العقل البدوي ضرورة القيام بهكذا صولات إستباقية، لربط المجتمع برعايته المباشرة، عبر المنح والعطايا الشخصية التي يقدمها هو لا الشيوخ السابقين لفك إرتباط المجتمع عن السابقين وربطهم به، مما يخلق اقتصاداً هدمياً يتغذى على الأصول القائمة دون تجديدها.
سيكولوجية الصولات والغزوات كوسيلة لفرض السطوة
في غياب المؤسسات الدستورية والشرعية القانونية-العقلانية (بتعبير ماكس فيبر)، يحتاج القائد البدوي إلى تأكيد مكانته عبر الرمزية المفضلة للمجتمع البدوي: القوة والبطش الفوري.
إعادة إنتاج الغزوة في الدولة المعاصرة:
تتجلى الغزوات الحديثة في صورة حملات تطهير فجائية، أو صولات أمنية وعسكرية استعراضية، أو حتى مداهمات لمرافق معينة تحت شعارات براقة. الهدف الحقيقي لهذه الصولات ليس بناء منظومة محاسبة، بل إرسال رسالة للمجتمع البدوي المحكوم مفادها: هناك شيخ جديد في العشيرة وهو قوياً وقادراً على البطش. أو كما يقال عند الكاوبويات في أمريكا there is new sheriff in town.
استعراض القوة لتثبيت العصبية:
المجتمع البدوي بطبعه يحترم القوة السافرة ويزدري الضعف. القانون يبدو في هذا المنظور كنوع من الضعف أو القيود التي تكبل الزعيم. لذلك، يتقصد القائد كسر القانون علناً ومن خلال صولات خاطفة ليثبت أنه فوق المنظومة، وهو ما يثير إعجاب العقلية الجمعية التابعة له التي تقيس الهيبة بمقدار القدرة على تجاوز القواعد وتأمين الغنائم.
إشكالية الزمن وغياب الارتباط بالنماء والتراكم
في البحث السابق المنشور على منصة strategicfile.com حللت فكرة عدم وجود ارتباط بين البدوي والزمن. لأن:
الزمن الدائري/الفوري مقابل الزمن الخطي التراكمي:
زمن الحضارة والدولة هو زمن خطي وتراكمي (تخطيط خمسيني، رؤى مستقبلية، نماء بطيء ومستقر). أما زمن البداوة فهو زمن فوري (هنا والآن) ودائري مرتبط بالمواسم والمطر والارتحال الفوري إذا جف المرتع.
أثر غياب الأفق الزمني على إدارة الدولة:
هذا الانفصال عن الزمن يفسر لماذا لا يبني القائد البدوي مؤسسات تعيش بعده. هو يعيش في حالة طوارئ دائمية وأزمات مفتعلة، لأن الأزمة تبرر الصولات وتبرر غياب الإنجاز الحقيقي. لا يوجد مفهوم للصيانة أو الاستدامة؛ فإذا تعطل مرفق أو نضب مورد، يتم البحث عن مرتع جديد (قرض دولي جديد، مورد طبيعي آخر، أو فرض جباية قسرية جديدة، أو صولة على المراتع الأخرى التي يديرها الآخرون بصمت) تماماً كما يرحل البدوي من أرض أجدبت إلى أرض أخصبت، دون أن يفكر في إصلاح الأرض الأولى.
القبيلة الرقمية واحتلال المرفق المعاصر
يتم تطويع أدوات العصر الحديث لخدمة البنية البدائية:
الجيوش الإلكترونية كفصيل للغزو:
لم تعد الغزوة بحاجة لخيل ورماح؛ القبيلة الرقمية اليوم تشن غزوات إلكترونية وصولات لتصفية الخصوم سياسياً ومعنوياً، واغتيال الشخصيات التي تطالب بدولة القانون. بدل اعتراضهم لماذا لم يتم إنفاذ سلطة القانون والطرق القانونية التي ترسخ احترام السلطة القضائية؟ تظهر السلطة القضائية ضعيفة لا يمكن الوثوق بها مالم تتدخل السلطة التنفيذية بالصولات لإحضار المطلوبين قضائياً.
توطين العشيرة في المرفق:
يتحول المرفق العام (وزارة، شركة عامة، مؤسسة أمنية) إلى حمى للقبيلة. يُطرد الكادر التكنوقراطي المحترف لأنه يمثل منطق القانون والزمن والتراكم، ويُستبدل بأبناء العصبية لضمان الولاء التام للقائد في صولاته القادمة.
إن محاولة إدارة الدولة المعاصرة بعقلية البداوة والغزو تؤدي حتماً إلى الدولة الفاشلة أو الدولة المؤجلة.
القائد البدوي، بعجزه البنيوي عن فهم معادلة (الزمن + العمل = النماء)، يظل يدور في حلقة مفرغة من الصولات لإثبات السطوة، تاركاً خلفه مؤسسات منهارة ومجتمعاً يعيش على الكفاف والغنائم المؤقتة.
إن الحل لا يكمن في تغيير الوجوه، بل في تفكيك العقلية الرعوية الغنائمية وإعادة الاعتبار لقيمة العمل والتراكم التاريخي وسيادة القانون كشرط أساسي لولادة المواطنة الحديثة.
فلسفة الاقتناص والارتحال مقابل عقلية التراكم والزمن
يرتبط العقل الحضري المستقر بفلسفة التطويع ومواجهة الندرة عبر الهدوء، والاعتماد على سلطة قانونية عمياء (دون تمييز) ومستدامة تحمي الاستثمارات والبنى التحتية عبر زمن خطي تراكمي.
في المقابل، يتأصل في العقل الرعوي منطق الاستجابة المباشرة والارتحال العابر خلف الفرص الفورية. وكما أشار ابن خلدون قديماً في تشخيصه للعقلية السائبة غير المرتبطة بالزراعة والاستقرار بـأن أرزاقهم تحت ظلال رماحهم، فإن الفرد في هذا النمط لا يملك ترف انتظار النماء والتطور البطيء للمؤسسة.
عندما تُسقط هذه البنية الذهنية على إدارة المرافق العامة في العراق، نجد أن المسؤول (القائد البدوي المعاصر) المحكوم بهذه السيكولوجيا يعيش انفصالاً عن الأفق الزمني الخطي؛ فهو لا يثق بصيانة المؤسسة وإصلاح مساراتها القانونية لأنها تتطلب زمناً طويلاً ونماءً غير مرئي. إنه يبحث عن الكلأ والفائدة الفورية.
من هنا، تبدو الصولة التنفيذية حلًا مثاليًا لعقليته: خطوة فجائية تحقق إنجازاً فورياً قابلاً للاستهلاك الجماهيري اللحظي، تماماً كالغزوة التي تبحث عن مكسب سريع وتتجنب عناء التأسيس البطيء والالتزام بقواعد الاشتباك القانوني.
سيكولوجيا الغزوة وإعادة إنتاج شرعية السطوة
في النظم الدستورية الحديثة، تنبع الهيبة من استقرار القوانين وحياديتها، بحيث يشعر المواطن بأن النظام يعمل بشكل تلقائي دون الحاجة لتدخل البطل المخلص.
أما في العقل الجمعي المحكوم بآثار البداوة السياسية، فإن الحاجة للأمان تسبق الحاجة للتنظيم. وبما أن المجتمع يرى السلطة موزعة ومتشظية بين مراكز قوى متعددة (تعددية آلهة الشتات أو أمراء الطوائف والقبائل الرقمية كما أشرت لها في بحثي السابق)، فإن رئيس السلطة التنفيذية يجد نفسه مدفوعاً لإثبات كونه الشيخ الأقوى وحارس الحمى من خلال استعراض القوة السافرة.
غزوة الافتتاح وتأكيد الشرعية القتالية (Legitimacy of the Raid)
في الأنظمة الديمقراطية والمؤسساتية المستقرة، تبدأ الحكومة الجديدة بتقديم برنامج خطي بجداول زمنية، وتعتمد على تقارير الهيئات الرقابية والقضائية القائمة لكشف الأخطاء السابقة بشكل هادئ.
أما في سياق الدولة الهجينة، يدخل رئيس الوزراء الجديد إلى السلطة وهو يشعر بـ قلق الشرعية؛ فهو نتاج توافقات سياسية هشة وخلفيات لا تمتلك عمقاً كاريزمياً. هنا، تحضر سيكولوجيا البداوة السياسية فوراً: القائد الجديد بحاجة إلى غزوة افتتاحية سريعة وصادمة لتثبيت سطوته ونفوذه أمام العشائر السياسية المنافسة وأمام الرعية.
هذه الصولات المبكرة (سواء كانت مداهمات لمهربي نفط، أو قضايا فساد كبرى، أو جولات ليلية في المستشفيات) هي بمثابة إعلان السيادة وبسط النفوذ على المرتع الجديد، وإرسال رسالة للجميع: أنا الشيخ الجديد حامي الحمى، ورماحي جاهزة.
إن قيام رئيس الوزراء بـ الصولات بنفسه يحمل دلالات رمزية خطيرة، لتأكيد الحق المطلق في القوة، فهو يعلن للمجتمع والخصوم أنه فوق المنظومة البيروقراطية الرتيبة، وأن هيبته لا تستمد من إنفاذ الورق (القانون) بل من القدرة على البطش الفوري بالمتجاوزين.
كما يعزز مفهوم تحويل القانون إلى مكرمة عندما يتدخل رأس السلطة شخصياً لحل أزمة في مرفق ما أو محاسبة مقصر، يتحول الحق القانوني للمواطن إلى مكرمة سلطانية أو فيء يمنحه الشيخ الرعوي لرعاياه. هذا النمط يعزز التبعية الشخصية للقائد بدل الولاء للدولة، ويؤبد فكرة المواطن الزبون المحروم من الحقوق التلقائية.
الفورية الاستهلاكية واكتساب الهيبة البديلة:
الاستقرار والتنمية يحتاجان إلى وقت طويل لكي تظهر نتائجهما على حياة المواطن (زمن تراكمي)، ورئيس الوزراء الجديد يعلم أن الجمهور العراقي -المحكوم بثقافة الترقب والفورية- لن يصبر لسنوات ليرى بناء مؤسسة. لذلك، يلجأ إلى الصولات المبكرة لأنها تمنحه هيبة فورية بديلة عن الإنجاز الفعلي. إنها عملية اقتناص لرضا الشارع ومحاولة لامتصاص الغضب العام وصناعة هالة البطل المنقذ بأسرع وقت وأقل جهد مؤسسي ممكن.
توقيت الغزوة: دورية الصولات كمؤشر على قلق الشرعية الفورية
ومما يعزز الطابع الرعوي لهذه الممارسة، هو ارتباطها الشرطي ببداية تسنم كل رئيس وزراء جديد لمنصبه. إنها غزوة الافتتاح التي لا تستهدف بناء سياق عقابي مستدام بقدر ما تستهدف إعلان السطوة الشخصية وتعبيد طريق الشرعية الكاريزمية في فضاء سياسي مشظى. ومع مرور الوقت، وتآكل الاندفاعة الأولى تحت وطأة التوازنات والمحاصصة، تخبو هذه الصولات وتتلاشى، مما يثبت أنها لم تكن استراتيجية دولة، بل صولات خاطفة لترسيم حدود النفوذ وتأمين الولاءات في مستهل رحلة الارتحال السياسي داخل المرفق العام.
تأثير التآكل الزمني واختفاء الصولات
إن الدليل الأكبر على أن هذه الصولات نابعة من سيكولوجيا الغزوة وليست سلوكاً مؤسساتياً، هو انحسارها وتلاشيها التدريجي مع تقدم عمر الحكومة. في البداية، تكون الصولات في ذروتها (مداهمات، كاميرات، حزم، إعفاءات فورية للمسؤولين).
في المنتصف والنهاية، عندما تستقر موازين القوى والمصالح، وتصطدم الصولات بـ حِمى القبائل السياسية الأخرى، تبدأ هذه الاندفاعة بالبرود والتلاشي، وتتحول الحكومة إلى تبني نمط التهدئة والصفقات، لتصبح الصولات مجرد ذكرى أرشيفية في صفحات القبيلة الرقمية.
تدمير المؤسسة وقضاء الظل البيروقراطي
إن تهميش المسارات القانونية ببديل الصولات يُنتج أثراً هدمياً على بنية الدولة؛ إذ ينزع الصلاحيات الضبطية والرقابية من المؤسسات المختصة (كالقضاء وهيئات النزاهة والادعاء العام والشرطة القضائية) ويختزلها في شخص التنفيذي الأول.
في الاقتصاد الاستثماري المستقر، يبحث رأس المال عن نظام قانوني متوقع لا تؤثر فيه الأمزجة الشخصية أو الحملات الفجائية. لكن عندما تدار الدولة بمنطق الحملة والمداهمة، تقع المؤسسات في حالة ذعر دائم وارتباك، وتنشأ بيئة طاردة للبناء المستدام. والإستثمارات تبحث عن سياق ثابت وقانون مؤسسات مستدام يحميها.
وبدلاً من أن تُبنى آليات مؤسسية قادرة على كشف الفساد وتطبيق العقاب تلقائياً دون تسييس، تصبح مكافحة الفساد خاضعة لمعايير الغزوة الانتقائية التي تبررها توازنات القوة والصراع بين أطراف السلطة الهجينة.
القبيلة الرقمية والصولات الافتراضية
الخطير في المشهد العراقي الحالي هو توظيف أدوات الحداثة والتكنولوجيا الفائقة لخدمة هذا النمط التقليدي من السلطة. فالصولات الميدانية لا تكتمل إلا بغزوة رقمية موازية تقودها الجيوش الإلكترونية (القبيلة الرقمية).
تُصوَّر هذه المداهمات وتبث عبر وسائل التواصل الاجتماعي على شكل مقاطع فيديو كليب حماسية تستعرض حزم القائد وبطشه السريع بالفساد والمفسدين، وإصرار الجهات الرقابية على إستقاء الأخبار من منابعها الحكومية التي تمجد القائد.
هنا، يتحول الفضاء الرقمي من أداة حوكمة إلكترونية تعزز الشفافية والمأسسة والربط والتحليل البنيوي، إلى منصة استعراضية لإعادة إنتاج الفروسية البدائية والترويج للإله المحمول حارس القبيلة المترحل الذي ينقذ الرعية من الفوضى الي تقوم بها لقبائل الأخرى، (راجع البحث المنشور) مما يغسل وعي الجمهور ويجعله يطالب بالمزيد من الصولات الشخصية مستخفاً بالقضاء والآليات الدستورية الهادئة.
تكشف قراءة المشهد العراقي من خلال (أطروحة القبيلة الرقمية ومأزق الدولة الهجينة) أن صولات رئيس الوزراء بنفسه -مهما بلغت نواياها الإصلاحية- تمثل عائقاً بنيوياً أمام ولادة دولة القانون العقلانية. إنها ممارسة سياسية تعتاش على ثقافة الارتحال والفورية، وتكرس منطق الاقتناص والغنيمة والاستجابة اللحظية للخطر والخوف من الفوضى، بدلاً من تكريس منطق الاستقرار التراكمي وتشييد البنية التحتية للمؤسسات، ودعمها لتمارس عملها بحيادية تامة.
إن العبور بالعراق من فضاء المرفق المحتل قبلياً إلى فضاء الدولة المدنية الحديثة لا يمر عبر تعزيز سلطة الشخص القوي وصيحات مداهماته، بل يتطلب تنازلاً طوعياً من السلطة التنفيذية عن أدوار البطولة لصالح الماكينة القضائية والمؤسساتية المستقلة. يجب إرجاع السيف إلى غمده، وترك موازين القانون العمياء تأخذ مجراها الهادئ والمنتظم ليتعلم المجتمع أن سلطة القواعد المجردة هي الحامية الدائمة لحقوقه، وليست الصولات العابرة التي تزول بزوال شخوصها.




