إقتصادالاحدث

كرة القدم وصناعة الوهم القومي. مصيدة المستطيل الأخضر: كيف تبيع الليبرالية الحديثة وهم الهوية لتنهب الأرض؟ | بقلم حيدر المنصوري

في العصر السائل الذي نعيشه، حيث الإرتحال الرقمي وبحث الدول والسياسيين عما يشغل الشعوب عن المشاكل التي اوجدوها لشعوبهم، نجحت العولمة الليبرالية في تفكيك كل الروابط التقليدية المتينة التي كانت تمنح الإنسان شعوراً بالطمأنينة والاستقرار، تلاشت الأسرة الممتدة، تآكلت الحواضن الاجتماعية المحلية، وتحولت الهويات الصلبة إلى هويات مرتحلة سيالة.

وفي مواجهة هذا العراء الوجودي، يجد الإنسان المعاصر نفسه مصاباً بـ ذعر الضآلة ويسكنه جوع أزلي للانتماء إلى قبيلة أو عقيدة تحميه من التلاشي.

هنا تحديداً، تدخل الليبرالية الحديثة لتقدم البديل الجاهز والمعبأ: القبيلة الرياضية والرقمية. إنها تمنح الشعوب وهم الوطنية والسيادة داخل الملاعب وعلى شاشات الهواتف، بينما تقوم في الخلفية بتجريدهم من أصولهم الحقيقية وثرواتهم الفعلية.

المدرجات كبديل حديث للقبيلة، صراخ جماعي لتعويض غياب الانتماء الحقيقي. نحن لا نتحدث هنا عن مجرد تسلية، بل عن استراتيجية بنيوية عميقة تُديرها الليبرالية الحديثة بدهاء ودقة متناهية.

صناعة الوطنية البديلة لإفراغ الوطنية الحقيقية

تعتمد الرأسمالية المتأخرة على هندسة عكسية خبيثة للمشاعر القومية. فالوطنية الحقيقية تعني سيادة الشعب على مقدراته، امتلاكه لقراره الاقتصادي، حماية ثرواته الوطنية، وضمان تماسك أمنه الاجتماعي ومستقبل أجياله.

لكن، لأن هذه الوطنية الحقيقية تتصادم مباشرة مع مصالح الشركات العابرة للقارات التي تريد خصخصة كل شيء (من الماء والكهرباء إلى التعليم والصحة)، تقوم الليبرالية بـ إزاحة المفهوم، الذي يتم اختزال السيادة الوطنية بالكامل في قطعة قماش (قميص المنتخب) و11 لاعباً يركضون خلف كرة.

يصبح الانتصار في مباراة بمثابة تحرير للأمة، والهزيمة بمثابة نكبة قومية. هذا الاختزال يخدم السلطة ورأس المال معاً، فهو يمتص طاقة الغضب الشعبي الكامنة ويوجهها نحو خصوم وهميين على المستطيل الأخضر بدلاً من توجيهها نحو من ينهب الأصول خلف الكواليس. والسياسات الفاشلة التي قادت لذلك.

مفارقة القبيلة الرقمية والبداوة العالمية

كما ناقشت في مقالة سابقة القبيلة الرقمية والبداوة العالمية، فإن النظام العالمي الجديد يحول البشر إلى بدو رقميين لا يملكون أرضاً ولا استقراراً، تتقاذفهم أمواج الأسواق الحرة والوظائف المؤقتة وخوارزميات التواصل الاجتماعي.

هذا الاغتراب يولد حاجة شرسة للتعويض، فتنشأ القبائل الرقمية (روابط المشجعين، مجتمعات السوشيال ميديا الموحدة خلف وهم  الفريق الذي يشجعونه).

المفارقة المأساوية هنا هي أن المشجع الذي يصرخ في المدرجات أو خلف الشاشة دفاعاً عن شرف وطنه كروياً، هو نفسه المواطن الذي يُسلب يومياً أصول حياته حيث يتم تصفية القطاع العام وتباع المستشفيات، والمدارس، ومحطات الطاقة، والمطارات لشركات استثمارية أجنبية تحت لافتة الخصخصة والأسواق المفتوحة.

حيث تُغرق الدول في ديون هيكلية للمؤسسات المالية الدولية، مما يعني رهن ميزانيات الأجيال القادمة لخدمة أرباح كارتلات البنوك العالمية. ويتم تحويل الإنسان إلى مستهلك محض.

في الوقت الذي يشعر فيه المشجع بأنه شريك في النصر، هو في نظر المنظومة مجرد رقم في داتا المستهلكين يتم بيع باقات البث والتذاكر والقمصان له لتعود المليارات مجدداً إلى خزائن المركز الرأسمالي.

لقد أدركت الليبرالية الحديثة أن القوة الخشنة لا تكفي، وأن الحفاظ على تدفق الأرباح يتطلب تخدير الوعي. لذا، تحولت كرة القدم إلى صناعة مشاعر. إنهم لا يبيعونك لعبة، بل يبيعونك معنى لحياتك، يبيعونك اللحظة التي تشعر فيها أنك لست ضئيلاً، وأنك تنتمي لكيان عظيم ينتصر ويُهاب جانبه.

هذا الشغف الجارف، عندما تصبح المشاعر هي السلعة الأغلى الذي يشبه حشد الجيوش قديماً بالشرف العسكري، هو الوقود الذي يجعل المليارات يتقبلون طواعية نظاماً اقتصادياً يمتص دماءهم. فالشعوب المستعدة للموت دفاعاً عن راية فريقها، يتم اقتيادها بهدوء لتوقيع صكوك التنازل عن سيادتها الاقتصادية دون أن تدري. وكذلك ينفقون القليل الذي يحصلون عليه من أجل تلك الباقات وقمصان فرقهم.

إن المشهد السريالي للمليارات التي تلهث وتصرخ وتتحارب في المونديال، والبطولات التي تُصور كمعارك وجودية للأمم، هو في جوهره ستار دخاني كثيف. خلف هذا الستار، يجلس سماسرة الليبرالية الحديثة ليعيدوا صياغة العالم وفق منطق النهب الناعم.

تدفع لهم مقابل الملاعب والقمصان والدموع والأوهام القومية، ويأخذون منك المصانع، والموانئ، وثروات الأرض، ومستقبل الأوطان.

ليست كرة القدم مجرد لعبة؛ بل هي الأداة الأكثر عبقرية لخصخصة الأوطان وتحويل المواطن من شريك في الأرض إلى مشجع في المدرجات.  

المطب السيكولوجي الأكبر الذي نجحت الرأسمالية المتأخرة في نصبه للشعوب. عندما تحولت الملاعب إلى ما يمكن تسميته المصارف العاطفية البديلة، حيث يتم إيداع واستنزاف أثمن ما تملكه الأمم المأزومة: طاقة الغضب، والرغبة في التغيير، وشغف الإنجاز البشري.

لو تأملنا هذا المشهد السريالي لوجدنا آليتين شديدتي الخبث تعملان بالتوازي لتفريغ هذه الطاقة:

الهروب من المأزق الفعلي إلى الانتصار السهل

بناء البلدان، إصلاح التعليم، إعمار الخراب، ومحاربة الفساد الهيكلي هي معارك معقدة، شاقة، طويلة الأجل، وتتطلب وعياً حاداً ومواجهة مباشرة مع الواقع. في المقابل، يمنح المونديال أو الفوز بالمباراة جرعة دوبامين قومية مكثفة وسريعة.

المواطن الذي يعيش وسط ركام البنية التحتية المتهالكة والأوساخ المتجمعة، ويأس الأفق الاقتصادي، يجد في المدرج (أو خلف الشاشة) فرصة للشعور بالانتصار الفوري دون الحاجة لخوض المعركة الحقيقية في الواقع. يصرخ لـ 90 دقيقة، يشحن طاقته الوطنية، يفرغ كبته، ثم يعود إلى بيته والخراب كما هو، لكنه مخدر بوهم أنه انتصر وصان الشرف القومي. كان الأولى تفريغ تلك الطاقة في تنظيف محيطه القذر الذي يعيش فيه.

إعادة تدوير الغضب لتحصين النظام

الطاقة الجماهيرية الغاضبة هي قوة محركة مرعبة؛ إذا وُجهت نحو الداخل وبوعي، يمكنها أن تقتلع الفساد وتبني المصانع وتفرض الإصلاح. لذلك، فإن تحويل هذا الغضب نحو الآخر الكروي (المنتخب الخصم، الحكم، الخسارة الرياضية) هو بمثابة صمام أمان للحكومات توفره الأنظمة الليبرالية والسياسية على حد سواء.

بدلاً من أن يسأل الشاب: لماذا لا نملك مستشفيات جيدة؟، يتم توجيه وعيه ليسأل: لماذا لم يحتسب الحكم ضربة جزاء لمنتخبنا؟. تُستبدل معركة الحقوق الحقيقية بمعركة كروية وهمية، وبذلك تضمن الدوائر التي تنهب الأصول أن تظل الشعوب في حالة تلهف دائم خلف انتصارات وهمية، بينما يظل واقعها غارقاً في التبعية والاستهلاك.

إنها الخديعة الكبرى لعصرنا: أن يتم إقناع الإنسان بأن كرامته الوطنية تُسترد في شباك المرمى، بينما هي تُسلب يومياً في دهاليز البنوك الدولية وسوق خصخصة الأوطان.

 

تحالف المصالح الثلاثي (The Triple Alliance of Exploitation)

بينما تربح الفيفا المليارات واللاعبين يحصلون على مكاسب من الهاء شعوبهم والسياسيون يحصلون على استراحة من غضب شعوبهم بسبب فشلهم وهو ما يمكن تسميته في العلوم السياسية والاقتصادية بـ تحالف المصالح الثلاثي. في هذه الدائرة المغلقة، يربح الجميع على حساب الطرف الوحيد الذي يدفع الثمن من جيبه، ووعيه، ومستقبل بلده: المواطن المشجع.

الفيفا (رأس المال العابر للقارات): احتكار المتعة وصناعة التدفقات المالية

بالنسبة للاتحاد الدولي لكرة القدم وهو على فكرة شركة مسجلة في سويسرا، الشعوب ليست سوى أسواق استهلاكية ضخمة والمشاعر القومية هي المادة الخام التي يتم تحويلها إلى مليارات. الفيفا لا تعنيها الصراعات السياسية، ولا تهمها نسب الفقر في الدول المشاركة؛ كل ما يعينها هو الحفاظ على احتكار هذه السلعة الجاذبة.

إنها تأخذ شغف الفقراء المجاني، وتغلفه في باقات بث مشفرة وتذاكر باهظة الثمن، لتعيد بيعه لهم مجدداً، محققة أرباحاً فلكية تتجاوز ميزانيات دول بأكملها. في المقابل هي تدفع للفرق المتأهلة حسب مراتب التأهل.

مع التوسع التاريخي لبطولة كأس العالم 2026 لتضم 48 منتخباً بدلاً من 32، قفزت الميزانية الإجمالية للتوزيعات المالية والجوائز التي أقرها الفيفا إلى رقم قياسي غير مسبوق يصل إلى 871 مليون دولار أمريكي.

بمجرد نجاح أي منتخب في حجز بطاقة التأهل إلى المونديال، فإنه يضمن الحصول على حد أدنى من الدعم المالي الثابت مقداره 12.5 مليون دولار، وينقسم إلى:2.5 مليون دولار: منحة ثابتة لكل منتخب لإعداد المعسكرات والتحضير للبطولة.10 ملايين دولار: مكافأة التأهل المباشر المضمونة للجميع.

ثم يحصلون على المكافآت حسب تدرجهم في الفوز في المراحل اللاحقة حتى تصل للجائزة النهائية للفريق الفائز البالغة خمسون مليون دولار. والمركز الثاني يحصل  على 33 مليون دولار. والمركز الثالث على 29 مليون دولار والرابع على 27 مليون دولار.

أما المنتخبات الأربعة التي تخرج من ربع النهائي فتحصل على 19 مليون دولار لكل منها. والمنتخبات التي تخرج من نصف النهائي (دور الثمانية) فتحصل كل منها على 15 مليون دولار، والخروج من دور ال 16 تحصل على11 مليون دولار. كمكافئة لقيامهم بإلهاء شعوبهم مقابل الجهد الذي يقومون به في الخداع وحصة لهم من الأموال التي تنهبها الفيفا من تلك الشعوب كاشتراكات وحقوق بث وغيرها.

تبلغ العوائد الإجمالية المتوقعة للدورة الحالية حيث تتوقع الفيفا جني 13 مليار دولار أمريكي. هذا الرقم يمثل قفزة هائلة ونمواً يقارب 72% مقارنة بالدورة السابقة لبطولة قطر 2022 (والتي بلغت عوائدها 7.57 مليار دولار). طبعا كل هذه الأموال تتدفق من الشعوب التي تشتكي من عدم وجود خدمات صحية ومرافق حكومية في بلدانهم.

اللاعبون (البروليتاريا المستأنسة.. نجوم النظام الرأسمالي)

رغم أن اللاعبين ينحدرون غالباً من بيئات فقيرة وسحقتهم المعاناة في طفولتهم، إلا أن النظام الرأسمالي يمتصهم بسرعة ويحولهم إلى أدوات في ماكينته. بمجرد دخول اللاعب نادي الملايين، يتحول من ابن الشعب إلى علامة تجارية متحركة. يصبح دوره الوظيفي (سواء وعى ذلك أم لا) هو تقديم السيرك اليومي الذي يشد انتباه الملايين. يتقاضى ملايين الدولارات ليكون الواجهة البراقة لوهم الصعود الطبقي، بينما يساهم ركضه وسحره في الميدان في تمديد مفعول التخدير الجماعي.

السياسيون والأنظمة: صمام الأمان وشراء الوقت

بالنسبة للسياسيين، وخاصة الفاشلين منهم في إدارة بلدانهم واقتصاداتها، فإن البطولات الكروية الكبرى هي هدية السماء، التي تقوم بصناعة العدو الوهمي، بدلاً من مواجهة الغضب الشعبي الناتج عن انهيار العملة، أو تدهور الصحة والتعليم، تمنحهم المباراة خصماً مؤقتاً يوجه الشعب غضبه نحوه.

فهي بمثابة استراحة المحارب، حيث البطولة تمنح النظام السياسي هدنة مجانية لعدة أسابيع، تنخفض فيها حدة الاحتجاجات، وتنشغل منصات التواصل وشاشات التلفزة بتحليل خطة المدرب بدلاً من تحليل ميزانية الدولة الفاشلة.

إنها النسخة الحديثة من الحكمة الرومانية القديمة: أعطِ الشعب خبزاً وسيركاً، فلن يثور أبداً.

إن هذا التحالف الثلاثي يتغذى على حقيقة سيكولوجية واحدة: أن المواطن المستعد للصراخ والبكاء والقتال من أجل فوز فريقه، هو مواطن استنزف طاقة التغيير لديه داخل المدرج، ليعود في اليوم التالي إلى واقع الخراب مستسلماً، ينتظر المباراة القادمة ليتنفس كبرياءً زائفا لا يغير من واقع حياته شيئاً.

الليبرالية الحديثة تقوم بسوق الشعوب نحو وهم الوطنية بينما تسرق وتنهب اصولهم . ليست كرة القدم مجرد لعبة، بل هي مرآة لطبيعة البشر في حاجتهم الأزلية للانتماء إلى قبيلة أو عقيدة تحميهم من الشعور بالضآلة في هذا الكون.

بينما تُدار كرة القدم في الغرف المغلقة كصناعة رأسمالية باردة تبحث عن الأرباح، تُصدَّر للشعوب على المستطيل الأخضر كمعركة مقدسة يمتزج فيها الشرف الوطني بالهوية القومية.

حيث تنجح كرة القدم في حشد الهمم وبناء عقيدة جماهيرية تشبه إلى حد كبير العقائد الدينية والأيديولوجيات السياسية والجيوش

الدين العَلماني: طقوس المستطيل الأخضر البديلة

يرى عالم الاجتماع الفرنسي ريمون آرون أن الأيديولوجيات والأنشطة الجماعية الكبرى قد تتحول إلى أديان علمانية (Secular Religions). وكرة القدم هي النموذج المثالي لهذا التحول في العصر الحديث؛ فهي تمتلك كل مقومات البنية العقائدية، حيث الطقوس والمقدسات تمنح للملاعب قدسية كدور العبادة، وللمباريات مواقيت ثابتة تُضبط عليها ساعات الشعوب، والقميص الوطني يتحول إلى راية مقدسة يُمنع تدنيسها. والترانيم والأناشيد الوطنية وهتافات المدرجات الموحدة تعمل كـ تراتيل جماعية تذيب الفرد داخل المجموع، وتخلق شعوراً بالانتماء المتسامي. والرموز والأيقونات و اللاعبون هنا ليسوا مجرد موظفين يتقاضون أجوراً فلكية، بل يتم رفعهم إلى مرتبة القديسين أو الأبطال الأسطوريين الذين يحملون أحلام الأمة على عاتقهم. ويجلس المعلقون طوال المباريات يعددون الإنجازات التي قاموا بها خلال مسيرتهم المهنية وعدد الأهداف التي يتم تصويرها كمعجزات تنقذ الشعوب من الضآلة التي يشعرون بها. والتي يتفاخرون بها على الشعوب الأخرى.

بديل الحروب والجيوش: المعارك البديلة (Substitutive Warfare)

وصف الكاتب البريطاني الشهير جورج أورويل الرياضة الدولية بأنها حرب من دون إطلاق رصاص. في عالم محكوم بالتوازنات السياسية والنووية حيث لا يمكن للبلدان أن تحارب بعضها بعضاً بحريّة، تحولت ملاعب كرة القدم إلى مسارح للحروب البديلة. عندما يلتقي منتخبان بين دولتيهما صراعات تاريخية أو سياسية، لا يرى المشجعون 11 لاعباً ضد 11 لاعباً، بل يرون جيشاً يمثل كبرياء الأمة.

الانتصار في الملعب يُترجم سيكولوجياً (نفسياً) على أنه انتصار عسكري وسياسي وثقافي يغسل مرارات الهزائم الواقعية في السياسة والاقتصاد. إنها المعركة التي يمكن للمواطن البسيط أن يشعر فيها بالفخر القومي بجهد ضئيل: مجرد الجلوس أمام الشاشة والصراخ.

استراتيجية الإلهاء والتوحيد: مصلحة السلطة والمال

يلتقي رأس المال الذي يدير اللعبة مع السلطة السياسية عند نقطة مصلحة مشتركة شديدة الذكاء، وهي صناعة الوهم القومي. بالنسبة للمنظمين والشركات، تحويل المباراة إلى قضية شرف وطني هو أفضل استراتيجية تسويقية وضمانة لتدفق المليارات. المشجع المستعد للموت من أجل فريقه هو مستهلك وفّي سيشتري القميص والتذكرة واشتراك البث مهما كان الثمن.

بالنسبة للحكومات والأنظمة السياسية، فهي تحقق التماسك الاجتماعي المؤقت، حيث تعتبر كرة القدم أداة مثالية لـ الهندسة الاجتماعية. إنها قادرة على توحيد مجتمع منقسم عرقياً، وطبقياً، أو سياسياً خلف راية واحدة لمدة 90 دقيقة. في تلك اللحظة، ينسى الفقير فقره، والمعارض خلافه، ويتعانق الجميع لمجرد دخول الكرة الشباك.

المفارقة الكبرى: عقيدة المشجع مقابل واقع الاحتراف

تكمن العبقرية (والمرارة في آن واحد) في هذه المفارقة: المشجع في المدرجات يتصرف كـ جندي مدفوع بالعاطفة البحتة، والانتماء الأعمى، والتضحية بوقت وقوته، بينما اللاعب على أرض الملعب، والمسؤول في المنصة، يتصرفان كـ محترفين في سوق رأسمالي.

اللاعب الذي يبكي بحرقة عند الخروج، قد يوقع بعد أسابيع عقداً بملايين الدولارات مع نادٍ يمتلكه مستثمرون من الدولة التي هزمت منتخبه. بالنسبة للمنظومة الاقتصادية، المشاعر هي الوقود الذي يحرك المحرك، والوطنية هي الغلاف الجذاب لسلعة باهظة الثمن.

كرة القدم ليست مجرد لعبة، بل هي مرآة لطبيعة البشر في حاجتهم الأزلية للانتماء إلى قبيلة أو عقيدة تحميهم من الشعور بالضآلة في هذا الكون. لقد نجحت الرأسمالية الحديثة في علمنة مشاعر الشرف الوطني وحشد الهمم التاريخي، وحولتها إلى منتج ترفيهي معبأ ومربح.

بينما يركض اللاعبون خلف الكرة وخلف الأرباح، تركض المليارات خلف معنى وهوية وانتصار وطني يمنحهم شعوراً مؤقتاً بأنهم جزء من شيء أكبر وأعظم من حياتهم اليومية الروتينية. إنها أفيون الشعوب الجميل، وصناعة الوهم الأكثر نجاحاً في التاريخ البشري.

حيدر المنصوري، خبير في الاتصالات والتكنولوجيا

حيدر المنصوري خبير في الاتصالات والتكنولوجيا، شغل منصبًا إداريًا في إحدى كبرى شركات الاتصالات في العراق، ويمتلك خبرة في إدارة العمليات وتطوير البنية الرقمية. يعمل حاليًا مستشارًا في القطاع، مقدمًا رؤى استراتيجية حول التحول الرقمي والأسواق. كما يهتم بالجغرافيا الجيو-استراتيجية وتأثيرها على القرارات السياسية، وله مقالات وبحوث في هذا المجال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى