إقتصادالاحدث

الهجرة غير الشرعية في عصر العولمة الجديدة: لماذا يغامر الإنسان بحياته؟ | بقلم عبير درويش

قراءة في الأسباب السياسية والاقتصادية والإنسانية

لم تعد الهجرة غير الشرعية مجرد ظاهرة مرتبطة بالفقر أو البطالة، بل أصبحت واحدة من أبرز القضايا العالمية التي تعكس اختلالات النظام الدولي في القرن الحادي والعشرين. ففي الوقت الذي سهّلت فيه العولمة انتقال رؤوس الأموال، والسلع، والتكنولوجيا، والمعلومات عبر الحدود، بقيت حركة البشر مقيدة بقيود سياسية وأمنية وقانونية متزايدة. ومن هنا برزت مفارقة لافتة: كلما اتسعت العولمة، ازدادت صعوبة الهجرة القانونية بالنسبة إلى ملايين البشر، مما دفع كثيرين إلى اللجوء إلى طرق غير نظامية رغم ما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة.
تشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة (IOM) إلى أن آلاف المهاجرين يفقدون حياتهم سنويًا أثناء محاولاتهم عبور البحار أو الصحارى أو الحدود البرية، بينما تؤكد بيانات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) أن النزاعات المسلحة والاضطهاد وانعدام الاستقرار السياسي أسهمت في وصول أعداد النازحين واللاجئين قسرًا إلى مستويات تاريخية خلال السنوات الأخيرة. وهذه الأرقام تكشف أن الهجرة غير الشرعية ليست مجرد قرار فردي، بل نتيجة تراكم عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية معقدة.
تأتي الأسباب الاقتصادية في مقدمة دوافع الهجرة غير النظامية. ففي كثير من الدول النامية، يعاني الشباب من البطالة، وتدني الأجور، وارتفاع معدلات التضخم، وضعف فرص الاستثمار، الأمر الذي يجعل البحث عن حياة أفضل خارج الحدود خيارًا يبدو أكثر جاذبية من البقاء في بيئة تفتقر إلى الفرص. وفي المقابل، تستقطب الدول الصناعية العمالة بسبب ارتفاع مستويات الدخل، وتوفر الخدمات، والحاجة في بعض القطاعات إلى العمال، حتى وإن كانت سياسات الهجرة فيها أكثر تشددًا.
لكن الاقتصاد وحده لا يفسر الظاهرة. فالصراعات المسلحة، والانقلابات، والانقسامات الداخلية، وضعف مؤسسات الدولة، وانتهاكات حقوق الإنسان، جميعها تدفع الأفراد إلى الهجرة حفاظًا على حياتهم ومستقبل أسرهم. وقد شهد العالم خلال العقد الأخير موجات نزوح كبيرة من مناطق النزاعات في الشرق الأوسط، وإفريقيا، وأجزاء من آسيا، حيث تحولت الهجرة بالنسبة لكثيرين من خيار اقتصادي إلى وسيلة للبقاء.
ومن العوامل التي عززت الهجرة غير الشرعية أيضًا اتساع الفجوة التنموية بين الدول الغنية والفقيرة. فالعولمة وفرت إمكانية مشاهدة أنماط الحياة في الدول المتقدمة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، مما رفع سقف التوقعات لدى الشباب في الدول الأقل نموًا. ولم تعد صورة الحياة في أوروبا أو أمريكا الشمالية أو بعض الدول الآسيوية مجرد فكرة بعيدة، بل أصبحت حاضرة يوميًا على شاشات الهواتف، الأمر الذي زاد من الرغبة في الهجرة، حتى عندما تكون الطرق غير قانونية.
وتبرز التغيرات السياسية الدولية بوصفها عاملًا مؤثرًا في تصاعد الظاهرة. فالتنافس بين القوى الكبرى، والحروب، والعقوبات الاقتصادية، والأزمات المالية العالمية، والتغيرات في سياسات الهجرة واللجوء، كلها تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في حركة السكان. كما أن بعض الدول أصبحت تستقبل أعدادًا متزايدة من المهاجرين لتعويض انخفاض معدلات المواليد وشيخوخة السكان، بينما تشدد دول أخرى إجراءات الدخول حمايةً لأسواق العمل أو لأسباب أمنية، مما يخلق ضغطًا إضافيًا يدفع بعض الراغبين في الهجرة إلى اللجوء إلى شبكات التهريب.
وتُعد الموارد البشرية عنصرًا محوريًا في هذه المعادلة. فالشباب يمثلون القوة الإنتاجية لأي مجتمع، وعندما تفقد الدول النامية جزءًا كبيرًا من كوادرها البشرية بسبب الهجرة، فإنها تواجه تحديات في التنمية والابتكار والإنتاج. وفي المقابل، تستفيد بعض الدول المستقبلة من هذه الطاقات في سد النقص في قطاعات مثل الرعاية الصحية، والبناء، والزراعة، والتكنولوجيا، والخدمات، وهو ما يثير نقاشًا مستمرًا حول ما يُعرف بـ”هجرة العقول” واستنزاف الكفاءات.
أما الموارد المادية، فتؤدي دورًا لا يقل أهمية. فعدم عدالة توزيع الثروات، وتفاوت فرص الاستثمار، وضعف البنية التحتية، وتدهور الخدمات الأساسية، كلها عوامل تدفع الأفراد إلى البحث عن بيئات أكثر استقرارًا. كما أن التغيرات المناخية، والتصحر، وشح المياه، وتراجع الإنتاج الزراعي في بعض المناطق أصبحت عوامل متزايدة التأثير في قرارات الهجرة، فيما يُعرف اليوم بـ”الهجرة المرتبطة بالمناخ”.
ومن الأمثلة البارزة على خطورة الظاهرة، استمرار محاولات عبور البحر الأبيض المتوسط من شمال إفريقيا نحو أوروبا، رغم ارتفاع معدلات الغرق. كما شهدت السنوات الأخيرة تزايد محاولات عبور مناطق مثل غابة داريين بين كولومبيا وبنما، وهي واحدة من أخطر طرق الهجرة في العالم، حيث يواجه المهاجرون مخاطر الجريمة، والأمراض، والظروف الطبيعية القاسية. وتوضح هذه الأمثلة أن حجم المخاطر لا يثني كثيرين عن الهجرة عندما يشعرون بأن فرص الحياة الكريمة في أوطانهم أصبحت محدودة.
ورغم أن بعض الخطابات السياسية تختزل الهجرة غير الشرعية في بعدها الأمني، فإن معالجة الظاهرة تتطلب رؤية أكثر شمولًا. فتعزيز التنمية الاقتصادية، وتحسين التعليم، وخلق فرص العمل، وترسيخ سيادة القانون، وتسوية النزاعات، وتوسيع مسارات الهجرة النظامية والآمنة، تعد جميعها أدوات أكثر فاعلية واستدامة من الاقتصار على تشديد الرقابة على الحدود.
إن الهجرة غير الشرعية ليست أزمة حدود فحسب، بل هي مرآة تعكس الفوارق الاقتصادية، والاختلالات السياسية، وعدم المساواة في توزيع الفرص على المستوى العالمي. وفي ظل العولمة الجديدة، التي قرّبت العالم رقميًا واقتصاديًا، لكنها أبقت حرية التنقل غير متكافئة، سيظل الإنسان مستعدًا للمجازفة بحياته ما دام يعتقد أن الضفة الأخرى تمنحه فرصة لا يجدها في وطنه.

عبير درويش، كاتبة وصحافية لبنانية متخصّصة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية

عبير درويش، كاتبة وصحافية لبنانية متخصّصة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، تمتلك خبرة تفوق عشرين عامًا في الإعلام المرئي والمكتوب وإدارة المحتوى الرقمي. عملت مع مؤسسات محلية وعربية بينها East News وBelwasat.com، وأسّست موقع mintandhint.com الاقتصادي. تولّت إدارة حملات التواصل الاجتماعي لمؤسسات فكرية وإنسانية كـمؤسسة الفكر العربي والجمعية اللبنانية لمكافحة السرطان، وقدّمت برامج اقتصادية عبر تلفزيون لبنان وNBN. تجمع في عملها بين الدقة المهنية والحس الإنساني، ما يجعلها صوتًا موضوعيًا في تناول قضايا الاقتصاد والمجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى