لماذا تُصر بعض الدول على التدخّل عبر – الدبلوماسية القسرية- لإعادة تشكيل المشهد السياسي لما بعد الحرب في السودان ؟ | بقلم السفير رشاد فراج الطيب

مع اقتراب الحرب في السودان من مراحلها الحاسمة ، وتزايد فرص الحسم العسكري لصالح الجيش والدولة ، تتزايد بصورة لافتة محاولات بعض القوى الإقليمية والدولية للتدخل في تشكيل ترتيبات ما بعد الحرب ، ليس فقط عبر الوساطات السياسية التقليدية ، وإنما من خلال ما يمكن وصفه بـ «الدبلوماسية القسرية» ؛ أي استخدام أدوات الضغط السياسي والاقتصادي والإعلامي والدبلوماسي لفرض تصورات محددة بشأن شكل السلطة وطبيعة التوازنات السياسية المستقبلية في السودان .
هذا الإصرار لا يمكن فهمه بمعزل عن الطبيعة الجيوسياسية للسودان ، ولا عن الرهانات التي بنتها بعض الأطراف الخارجية خلال سنوات الحرب ، والتي باتت مهددة بالتآكل مع تغير موازين القوى على الأرض .
فالحرب السودانية لم تُقرأ خارجياً بوصفها نزاعاً داخلياً فحسب ، بل باعتبارها لحظة مفصلية لإعادة تشكيل الدولة السودانية نفسها ، هويتها السياسية ، وعقيدتها الأمنية ، وتحالفاتها الإقليمية ، وموقعها في معادلات البحر الأحمر والقرن الإفريقي .
ولذلك فإن فشل مشروع الحسم عبر الوكلاء المحليين يدفع بعض القوى إلى الانتقال نحو محاولة التأثير على نتائج الحرب سياسياً بعد تعذر فرضها عسكرياً .
وفي هذا السياق ، تستخدم الدبلوماسية القسرية عبر عدة أدوات متوازية ، تشمل :
الضغوط السياسية والدبلوماسية على المؤسسة العسكرية والدولة السودانية ، واكبر تلك الضغوط عبر الدبلوماسية القسرية هي مساواة جيش الدولة الوطني الذي يقوم بواجبه الدستوري في انهاء تمرد قوة عسكرية علي شرعية الدولة ، والضغط علي الجيش للجلوس والتفاوض علي حل سياسي علي اعتبار أن تلك الحرب هي مجرد صراع طرفين – متساويين – علي السلطة أو حرب بين جنرالين طامعين في الحكم !
التهديد بالعقوبات والعزل الاقليمي والدولي أثر إطلاق الاتهامات الباطلة من قبيل استخدام أسلحة محرمة دوليا ، أوتلقي الجيش أسلحة بطرق غير مشروعة من أنظمة مارقة او معادية ، او تعمد قصف المدنيين العزل ، أو ارتكاب جرائم حرب .
التلويح بالتدخل الدولي تحت – الفصل السابع – من ميثاق الأمم المتحدة ، بما يحمله ذلك من ضغوط نفسية وسياسية ومحاولات لتدويل الأزمة السودانية وإضعاف سيادة الدولة الوطنية .
توظيف المنظمات الدولية والحقوقية والإعلامية للضغط المعنوي والسياسي .
رعاية منصات وتحالفات وقوي سياسية بعينها ومنحها شرعية خارجية عبر التواصل معها ودعوتها لجلسات حوارية وندوات نقاش حول ترتيبات المشهد مابعد الحرب دون موافقة الحكومة الشرعية .
الدفع باتجاه ترتيبات انتقالية تضمن بقاء نفوذ القوى المرتبطة بالخارج داخل مؤسسات الدولة وداخل المشهد السياسي .
محاولة فرض مسارات وممرات لإدخال المساعدات والإغاثة عبر مناطق حدودية أو جغرافية تقع خارج سيطرة الدولة وتحت نفوذ التمرد ، بما يثير مخاوف واسعة داخل السودان بشأن تأثيراتها الأمنية والعسكرية واحتمالات تحولها إلى أدوات لاختراق السيادة أو دعم الواقع الميداني الذي فرضته الحرب .
استخدام الحرب الإعلامية وأدوات الإعلام الحديث في الضغط وفرض السرديات التي تخدم مصالح الجهات صاحبة الغرض .
وفي هذا الإطار برزت محاولات متكررة لفرض تسويات سياسية عبر ما يُعرف باللجنة الرباعية أو الخماسية الدولية ، رغم التحفظات السودانية الرسمية والشعبية الواسعة تجاه هذه الصيغ ، ورغم أن بعض الأطراف المشاركة فيها تُتهم داخل السودان بأنها ليست وسيطاً محايداً ، بل طرفاً منخرطاً بصورة مباشرة أو غير مباشرة في دعم الحرب وتمويل التمرد وتوفير الغطاء السياسي والإعلامي واللوجستي له .
وهنا تبرز إحدى الإشكاليات الجوهرية في الأزمة السودانية ، وهي محاولة الجمع بين صفة -الوسيط- وصفة -الطرف ذي المصلحة – في آنٍ واحد ، الأمر الذي يثير تساؤلات عميقة حول طبيعة هذه المبادرات وأهدافها الحقيقية .
إذ تنظر قطاعات واسعة من السودانيين إلى بعض هذه المنصات باعتبارها أدوات لإعادة إنتاج النفوذ الخارجي داخل السودان والسيطرة علي قراره الوطني ، أكثر من كونها آليات محايدة لتحقيق السلام أو بناء توافق وطني حقيقي .
كما أن الإصرار على الدفع بهذه المبادرات ، رغم إعلان السودان الرسمي رفض بعض الصيغ المفروضة عليه ، يعكس توجهاً يتجاوز الوساطة التقليدية نحو ممارسة ضغوط سياسية ودبلوماسية قسرية تهدف إلى فرض ترتيبات ما بعد الحرب بصورة تتسق مع مصالح القوى الخارجية ، وليس بالضرورة مع أولويات الدولة السودانية أو المزاج الشعبي الداخلي وخياراته السياسية .
ويبدو أن بعض القوى الإقليمية والدولية تنطلق من أطماع و مخاوف استراتيجية تتعلق بما قد تفرزه نهاية الحرب من واقع جديد يتعارض مع مصالحها ، يتمثل في صعود مؤسسة عسكرية أكثر تماسكا وامتلاكاً لشرعية الحرب والانتصار ، بما قد يقود إلى بناء دولة أكثر استقلالاً في قرارها السياسي والأمني ، وأقل قابلية للضغوط الخارجية التقليدية .
كما أن عدداً من القوى السياسية التي حظيت بدعم خارجي خلال الحرب تبنت ، بدرجات متفاوتة ، خطاباً يركز بصورة أساسية على إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وتقليص دورها وتغيير عقيدتها القتالية ، مع مواقف وُصفت شعبياً بأنها متماهية تجاه التمرد وداعميه بشكل مفضوح .
لذلك تسعى الأطراف الداعمة لهذه القوى إلى ضمان حضورها في ترتيبات ما بعد الحرب ، حفاظاً على شبكات النفوذ التي جرى بناؤها خلال الصراع عبر هذه القوي الداخلية التي قد تمثل حصان طروادة للخارج الطامع .
وتزداد أهمية هذه الحسابات بالنظر إلى الموقع الجيوسياسي الحساس والمهم للسودان ، باعتباره دولة مطلة على البحر الأحمر ، وحلقة وصل بين شمال إفريقيا والقرن الإفريقي ومنطقة الساحل ، فضلاً عن امتلاكه موارد بشرية وطبيعية وزراعية ومعدنية ضخمة .
ومن ثم فإن شكل السلطة في السودان بعد الحرب ستكون له انعكاسات مباشرة على توازنات الأمن الإقليمي ، والتنافس الدولي في البحر الأحمر ، والعلاقات مع دول الإقليم و الخليج والقوى الدولية الكبرى .
غير أن الرهان على فرض ترتيبات سياسية من الخارج ، بمعزل عن التوازنات الداخلية والتحولات التي أفرزتها الحرب ، قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرار ووحدة السودان نفسه .
فالتجارب التاريخية تشير إلى أن التسويات التي تُبنى على الضغوط الخارجية أكثر من استنادها إلى الشرعية والخيارات الوطنية ، غالباً ما تنتج أوضاعاً هشة وقابلة للانفجار ، لأنها تعجز عن معالجة جذور الأزمة أو بناء توافق وطني حقيقي .
وعليه ، فإن التحدي المركزي في مرحلة ما بعد الحرب لن يكون فقط إنهاء التمرد واستعادة السيطرة الأمنية ، وإنما بناء معادلة سياسية وطنية تحقق التوازن بين مقتضيات الاستقرار ، ودور المؤسسة العسكرية ، ومتطلبات التحول المدني والديمقراطي التدريجي ، مع الحفاظ على السيادة الوطنية ومنع تحويل السودان إلى ساحة دائمة لإدارة الصراعات الإقليمية والدولية .




