نمط اتخاذ القرار في جمهورية إيران الإسلامية في أزمات السياسة الخارجية | ترجمة حيدر المنصوري
دراسة مقارنة لقَبول قرار وقف الحرب العراقية الإيرانية رقم ٥٩٨ والاتفاق النووي (برجام)

المؤلفون:
دكتور محمد جواد ظریف
أستاذ مشارك في قسم الدراسات الإقليمية والعالمية بجامعة طهران، طهران، إيران.
دكتور محمد سمیعي
أستاذ مشارك في قسم دراسات إيران والعالم بجامعة طهران، طهران، إيران.
آترین اسکندري
طالب ماجستير في تخصص نظام القوة العالمية بجامعة طهران، طهران، إيران.
المترجم
حيدر المنصوري
منشور في فصلية الجغرافيا السياسية (فصلنامه ژئوپلیتیک) – السنة الثانية والعشرون، العدد الأول، فصل الربيع 1405 (2026) ص ٢٣١ – ٢٥٩
تمت الترجمة من اللغة الفارسية إلى اللغة العربية.
جميع حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلفين. تمت الترجمة والنشر بموافقة خطية من المؤلف.
COPYRIGHTS © 6202
الملخص
تتناول هذه الدراسة بالتحليل نمط اتخاذ القرار في جمهورية إيران الإسلامية في مواجهة أزمتين مهمتين في السياسة الخارجية، وهما: قَبول قرار مجلس الأمن رقم ٥٩٨، والاتفاق النووي (برجام)، وذلك من خلال دراسة مقارنة لهذين الملفين. الهدف الرئيسي للبحث هو تحديد المراحل والعوامل المؤثرة على عملية اتخاذ القرار لدى النخب السياسية الإيرانية في هذين الملفين.
باستخدام منهج المقارنة الحالية (تطبيقي موردي) وتتبع العملية (ردیابی فرایند)، وبالاستعانة بالأسس النظرية لإدراكات النخب لروبرت جارفيس، جرت المحاولة للإجابة على هذا السؤال:
كيف تَشكَّل نمط اتخاذ القرار في جمهورية إيران الإسلامية في ملفي القرار ٥٩٨ الذي أوقف الحرب العراقية الإيرانية والاتفاق النووي (برجام)؟ وما هي المتغيرات التي لعبت دوراً حاسماً في تكوينه؟
وقد صيغت فرضية البحث على النحو التالي: إن اتخاذ القرار في جمهورية إيران الإسلامية بشأن قَبول القرار ٥٩٨ والاتفاق النووي (برجام) يتبع نمطاً منسجماً وقابلاً للتكرار، يتضمن مراحل: المقاومة الأولية، التقييم المتأخر للتكلفة والعائد، وقَبول التفاوض في ظروف الضغط الأقصى.
وتستند هذه العملية إلى التحليل الاستراتيجي للنخب السياسية في مواجهة التحولات الداخلية والإقليمية والدولية، مما يؤدي إلى تراجع نسبي وفي حدود الاضطرار عن المواقف الأيديولوجية واختيار الاستراتيجية الدبلوماسية. تُظهر نتائج البحث أن العقوبات الدولية، والإجماع الدولي، والتهديدات الأمنية، والضغوط الاقتصادية وما ترتب عليها من محدودية الموارد المالية، وانخفاض العائدات من العملات الأجنبية، واختلال أداء القطاعات الاقتصادية في قَبول القرار ٥٩٨ والاتفاق النووي، لعبت دوراً حاسماً في تغيير إدراك النخب ودفعهم إلى مراجعة موقفهم الأولي.
- المقدمة
إن السياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية ليست مجرد انعكاس للبنية المؤسسية والخطابات الأيديولوجية الداخلية فحسب، بل تُعتبر أيضاً رد فعل على البيئة المحيطة والتحولات العالمية. ويعد كيفية مواجهة الأزمات ونمط التفاعل بين المقاومة والدبلوماسية أحد الأوجه البارزة في السياسة الخارجية الإيرانية.
وفي هذا السياق، يمكن تحليل قَبول القرار ٥٩٨ في عام ١٣٦٧ (1988) والاتفاق النووي (برجام) في عام ۱۳۹۴ (2015) باعتبارهما نقطتي تحول في تاريخ السياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية. ويمتلك كلا الحدثين أوجه شبه ملحوظة؛ بما في ذلك الظروف والأزمات، والضغوط الدولية، والتحديات الاقتصادية الداخلية، والالتزامات الاستراتيجية للخروج من حالة الانسداد (الطريق المسدود). وفي كلتا الحالتين، عادت جمهورية إيران الإسلامية إلى طاولة المفاوضات بعد فترة من الصمود والمقاومة، وقَبِلت شروطاً كانت تُعتبر نوعاً من التراجع عن المواقف الأولية.
في حرب إيران والعراق، وبعد نحو ثماني سنوات من حرب الاستنزاف، دعا مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بإصدار القرار ٥٩٨ في تير ١٣٦٦ (يوليو 1987) إلى وقف فوري لإطلاق النار والعودة إلى الحدود الدولية بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة (United Nations Security Council, 1987).
إلا أن إيران امتنعت عن قَبول هذا القرار حتى صيف ١٣٦٧ (1988)، وفي النهاية، بعد سقوط الفاو وجزر مجنون، وتوسيع الهجمات الكيميائية العراقية، والضغوط الداخلية، وانخفاض العائدات النفطية، وخطر الهجوم الأمريكي في الخليج الفارسي، قَبِلت هذا القرار في تاريخ ٢٧ تير ١٣٦٧ (١٨ يوليو ١٩٨٨) (Doroudian, 2017:427-428).
وقد شبّه الإمام الخميني (ره) في رسالته الشهيرة قَبول القرار بتجرع كأس السم (مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، 1988)، وتُشير هذه العبارة بحد ذاتها إلى حجم الضغط الداخلي والخارجي الهائل على بنية اتخاذ القرار في جمهورية إيران الإسلامية في تلك المرحلة الزمنية.
أما الاتفاق النووي (برجام) فقد تحقق في تير ۱۳۹۴ (يوليو 2015) بعد سنوات من السجال الدبلوماسي وجولات متعددة من المفاوضات بين إيران ومجموعة (٥+١). وفرض هذا الاتفاق قيوداً على البرنامج النووي الإيراني، وفي المقابل رُفع جزء من العقوبات الدولية. وفي السنوات التي سبقت الاتفاق النووي، خضع الاقتصاد الإيراني لأشد العقوبات في التاريخ؛ حيث انخفضت صادرات النفط، وقفز سعر الصرف، وازداد الاستياء الاجتماعي.
وفي ظل هذه الظروف، مهد إعلان سياسة المرونة البطولية (نرمش قهرمانانه) من قِبل آية الله خامنئي، قائد جمهورية إيران الإسلامية، الأرضية لإحداث تغيير في توجهات السياسة الخارجية (Office for the Preservation and Publication of the Works of Ayatollah Khamenei, 2013). من هنا، يمكن اعتبار قرار التفاوض والتوصل إلى اتفاق بمثابة مواجهة اضطرارية مع الأزمة.
وكان هذا الاتفاق من منظور جمهورية إيران الإسلامية محاولة لكسر طوق الحصار الاقتصادي، وإعادة تعريف التعامل مع العالم، وتأمين المشروعية الداخلية من خلال تقليص الضغوط الاجتماعية والاقتصادية.
تستعين هذه الدراسة بنظرية إدراكات النخب لـروبرت جارفيس لتفسير التحولات الاستراتيجية في السياسة الخارجية الإيرانية. وبناءً على هذا النمط، فإن سلوك الدول لا يتشكل فقط على أساس الوقائع الموضوعية، بل بناءً على تفسير الصورة الذهنية ونظام معتقدات النخب لتلك الوقائع.
ويرى جارفيس أنه في أوقات الأزمات، تُعد طريقة معالجة المعلومات والانحيازيات المعرفية لصناع القرار هي المتغير الرئيسي في الاختيار بين المواجهة أو التعامل؛ لذا يُحلَّل التغيير في سلوك إيران في هذه الدراسة بوصفه تغييراً في إدراك الفاعلين (الوكلاء) للبيئة العملياتية.
وتتشابه المرحلتان التاريخيتان المذكورتان تشابهاً جوهرياً من منظور دخول جمهورية إيران الإسلامية في المفاوضات، وقَبول الشروط الدولية، والتراجع النسبي عن المواقف السابقة. ومع ذلك، تُرى بعض الاختلافات في الظروف الداخلية، وبنية اتخاذ القرار، والأجواء الدولية في هاتين المرحلتين.
ورغم ذلك، فإن منطق المقارنة بين هاتين المرحلتين التاريخيتين يستند إلى منهج الحد الأقصى من التشابه. وعلى الرغم من أن طبيعة التهديد في الثمانينيات كانت عسكرية وفي التسعينيات (بالتقويم الشمسي/ العقد الثاني من الألفية الثالثة ميلادياً) كانت اقتصادية وتقنية، إلا أن كلا الحدثين يتشابهان تشابهاً جوهرياً في المتغيرات الوسيطة الرئيسية؛ فقد وصلت كلتا الأزمتين إلى نقطة انسداد استراتيجي، وفي كلتا المرحلتين اقتربت الضغوط الدولية من مستوى الإجماع العالمي، وفي كلتا الحالتين كانت مخرجات السلوك السياسي للنظام هي الانتقال من المقاومة القصوى إلى التفاوض وقَبول الاتفاق.
من هنا، يبرز سؤال مهم ومتعدد الأبعاد في مسار تحولات السياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية، لا سيما في المنعطفات الحرجة والأزمات: كيف وتحت أي ظروف وعوامل تتخذ جمهورية إيران الإسلامية قراراتها في مواجهة أزمات السياسة الخارجية؟ بناءً على ذلك، من الضروري دراسة ما إذا كانت القرارات الكلية في هاتين التجربتين التاريخيتين تتبع نمطاً منسجماً وقابلاً للتكرار، وهل يقدم هذا النمط فهماً جديداً لآلية اتخاذ القرار في جمهورية إيران الإسلامية في ظروف الأزمات؟
إن الفهم الصحيح لهذا الموضوع يمكن أن يساعد في كشف أنماط اتخاذ القرار في جمهورية إيران الإسلامية في الظروف الحرجة، والتنبؤ بسلوكياتها المستقبلية في السياسة الخارجية بشكل أفضل.
يكمن الفراغ البحثي الرئيسي في هذا المجال في إغفال متغيرات المستوى الجزئي (الميكرو) وعلم النفس السياسي للنخب في منعطفات اتخاذ القرار. وفي الواقع، لم تتمكن الدراسات السابقة من تبيان كيف يُعاد تعريف الصورة الذهنية لصناع القرار تجاه البيئة الدولية تحت تأثير الأزمات الاستنزافية، وتحولها من النمط الصِدامي (التقابلي) إلى نمط التعاون.
وتسعى هذه الورقة، بالتركيز على البرادايم المعرفي (شناختي)، إلى تغطية هذه الفجوة النظرية من خلال التحليل المقارن لآليات تغيير الإدراك في الفترتين الزمنيتين المذكورتين أعلاه.
- خلفية البحث (أدبيات الدراسة)
يمكن تصنيف البحوث المرتبطة بالسياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية عموماً إلى فئتين متميزتين:
الأولى: المؤلفات التي تناولت مباشرة المرحلتين المصيريتين؛ قَبول القرار ٥٩٨ والاتفاق النووي (برجام).
والثانية: البحوث التي حللت بمنهج كلي وسياق تاريخي وأيديولوجي وبنيوي منطق وأنماط وخصائص السياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية.
ويوفر فحص هاتين الفئتين الإطار التحليلي اللازم لفهم سلوك السياسة الخارجية الإيرانية في ظروف الأزمة والضغط.
في الفئة الأولى، يُخصص جزء مهم من المصادر للروايات المباشرة ومذكرات الفاعلين في السياسة الخارجية والذين كتبوا مباشرة من داخل عملية اتخاذ القرار.
ومن بين هذه الأعمال، يحظى كتاب نهاية الصبر (پایاب شکیبایی)؛ قراءات من ثماني سنوات في الوزارة، من تأليف محمد جواد ظريف (١٤٠٣)، والمجموعة المكونة من ستة مجلدات السر المختوم (راز سر به مهر) من تأليف ظريف وزملائه (١٤٠٠)، بمكانة خاصة. وتوفر هذه الأعمال -بالاعتماد على الوثائق الرسمية، ومحاضر المفاوضات، والتجربة المباشرة للمفاوضين- صورة دقيقة لأجواء اتخاذ القرار، والتفاعل المؤسسي، ومنطق الدبلوماسية لجمهورية إيران الإسلامية أثناء المفاوضات النووية.
ولا تقتصر أهمية هذه المصادر على سرد تاريخ المفاوضات فحسب، بل تكمن في كشف كيفية إدراك النخب الإيرانية صاحبة القرار للضغوط الدولية، والقيود الداخلية، والخيارات الاستراتيجية المتاحة.
وفي هذا الإطار نفسه، يرى ظريف (2007) في مقالة مواجهة أزمة إيران وأمريكا: الحاجة إلى تغيير النمط (البرادايم) مع التأكيد على مفهوم صناعة العدو، أن الأزمة النووية الإيرانية ليست مجرد خلاف تقني أو قانوني، بل هي نتاج تمثيل خطابي لإيران باعتبارها الآخر المهدِّد في السياسة الخارجية للولايات المتحدة. ويبرز هذا التحليل دور البنى الإدراكية والهوياتية للنظام الدولي في تشكيل الضغوط السياسية والعقوبات.
كما يحلل كتاب الاقتصاد السياسي للنزاع النووي الإيراني لمؤلفه رناني (١٤٠٠) 2021، عبر نهج الاقتصاد السياسي، السياسة النووية الإيرانية باعتبارها لعبة استراتيجية استنزافية تتخطى تداعياتها المجال الأمني لتشمل المجالات الاقتصادية والتنموية وعبر الأجيال.
ويؤكد رناني، مع قَبوله بالقيمة الرمزية والقانونية للبرنامج النووي، على عدم التناسب بين التكاليف المتراكمة لهذا النزاع والقدرات الحقيقية للبلاد، مبرزاً دور العقوبات في إضعاف مسار التنمية الاقتصادية في إيران.
وفي مجال الدراسات المرتبطة بحرب إيران والعراق وقَبول القرار ٥٩٨، يبحث دراسات دروديان (١٣٩٥) 2016عبر نهج تحليلي تاريخي الحرب بوصفها مسألة استراتيجية، ويُظهر كيف أثّرت الفجوة بين التجارب الميدانية ونظام اتخاذ القرار الكلي على السلوكيات اللاحقة لجمهورية إيران الإسلامية.
كما قام دهقاني فيروز آبادي وآكاهي (١٤٠١) 2022 في مقال نهج المصلحة في اتخاذ قرار السياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية بتحليل قَبول القرار ٥٩٨ في إطار المصلحة، وجادلا بأن هذا القرار لم يكن نتاجاً لتغيير في الأهداف الجوهرية للنظام، بل كان نتيجة لرفع التزاحم بين الأهداف المتعارضة ومحاولة لدفع الضرر الشامل في الظروف الاضطرارية.
أما الفئة الثانية من البحوث فتهتم بالتحليل الكلي للسياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية. وفي هذا الصدد، يبحث سميعي (١٤٠٥) 2026 في مقاله العلاقات الإيرانية الأمريكية: المثالية أم البراغماتية أسباب استمرار النهج المثالي لجمهورية إيران الإسلامية في السياسة الخارجية تجاه الولايات المتحدة.
ويُظهر الكاتب عبر مراجعة تاريخية لعلاقات البلدين أن السياسة الخارجية الإيرانية لم تبتعد عن المثالية. ويأخذ المقال، باستخدام منهج تحليل الموقف لبوبر، في الحسبان دور بنية النظام الدولي والمؤسسات الداخلية المؤثرة. ويرى سميعي أن وصول جمهورية إيران الإسلامية إلى العائدات النفطية والبنية المزدوجة للنظام السياسي الإيراني هما من أهم عوامل استمرار الرؤية المثالية المناهضة لأمريكا.
وفي هذا السياق نفسه، يحلل كتاب الاستقلال بدون حرية: السياسة الخارجية الإيرانية الذي كتبه روح الله رمضاني (2013)، عبر نهج تاريخي ومفاهيمي، السياسة الخارجية لإيران من فترة ما قبل الثورة إلى جمهورية إيران الإسلامية.
ويجادل رمضاني بأن إيران، وإن نجحت في الحفاظ على استقلالها أمام القوى الخارجية، إلا أنها أخفقت في ربطه بالحرية السياسية. ويبرز رمضاني، من خلال تقديم مفهوم الثقافة الدبلوماسية، دور الأيديولوجيا، والصراعات الفصائلية، وسوء الفهم المتبادل بين إيران والولايات المتحدة في تشكيل سلوك السياسة الخارجية الإيرانية.
وعلى الرغم من ثراء هذه الأدبيات، لا يزال هناك غياب ملحوظ لإطار تحليلي مقارن وقائم على تتبع العملية يفسر منطق اتخاذ القرار الاستراتيجي لجمهورية إيران الإسلامية في مرحلتي قَبول القرار ٥٩٨ والاتفاق النووي في آنٍ واحد.
وتأتي الدراسة الحالية، بمنهج مقارن وقائم على تتبع العملية، لتشرح قَبول القرار ٥٩٨ والاتفاق النووي بالاعتماد على نظرية إدراكات النخب واستخدام أسلوب تتبع العملية، وتُظهر نمط تشكل القرارات الاستراتيجية لجمهورية إيران الإسلامية في الظروف الحرجة، لا سيما في القرار ٥٩٨ والاتفاق النووي.
- الأسس النظرية
تُعد نظرية إدراكات النخب (Elite Perceptions Theory)، والمعروفة عبر مؤلفات روبرت جارفيس Robert Jervis لا سيما كتابه الإدراك وسوء الإدراك في السياسة الدولية (Perception and Misperception in International Politics, 1976)، واحدة من المقاربات المهمة في تحليل السياسة الخارجية، والتي تؤكد على دور الإدراكات، والتصورات الذهنية، والأطر التحليلية للنخب السياسية في اتخاذ القرارات الكبرى.
وخلافاً للنظريات الواقعية التي ترى الفاعلين بمثابة لاعبين عقلانيين ذوي سلوكيات قابلة للتنبؤ، تقوم نظرية إدراكات النخب على فرضية أن الفاعلين السياسيين لا يعملون بالضرورة وفق إدراكات دقيقة ومتطابقة مع الوقائع الموضوعية، بل إن قراراتهم تتشكل عبر فلاتر (مرشحات) ذهنية، وتجريبية، وخطابية، وبنيوية (Jervis, 1976:40-41).
وفي هذا الإطار، فإن ما يُعتبر تهديداً أو فرصة بالنسبة للنخب، يكون ناتجاً عن إدراكاتهم وتفسيراتهم لتلك الوقائع أكثر من كونه نتاجاً للوقائع الخارجية نفسها.
لقد أكد روبرت جارفيس على أهمية الفهم الخاطئ للبيئة الدولية في القرارات الاستراتيجية، وأوضح أن العديد من القرارات في السياسة الخارجية تتشكل بناءً على التصورات الذهنية لراسمي السياسات وليس الوقائع الموضوعية.
ويجادل جارفيس بأن الإدراكات الخاطئة في السياسة الخارجية لا تكون عادةً عشوائية، بل تتبع أنماطاً محددة. ويمكن أن تتشكل هذه الإدراكات تحت تأثير آليات معرفية؛ مثل التفكير الرغائبي (Wishful Thinking)، والتحريفات التحفيزية، والتعميم المفرط للتجارب الماضية، وتأثير الأطر الخطابية القائمة. ومن منظوره، فإن النخب السياسية تسعى دائماً للحفاظ على الانسجام المعرفي بين معتقداتها وإدراكاتها، وتبدي مقاومة أمام الأدلة المغايرة للمعتقدات السائدة، مما يؤدي إلى استمرار سوء الإدراك ورسم السياسات الخاطئة (Jervis, 1976:124-125).
ومن منظور هذه المقاربة، يمكن أن يتأثر إدراك النخب بعوامل مثل الذاكرة التاريخية، والتجارب الماضية، والضغوط الداخلية، والتوقعات الاجتماعية، والبنية الخطابية للنظام السياسي، ونوع نظام الحوكمة، وشبكات الاستشارة، وحتى الخصائص النفسية للأفراد.
ويؤكد جارفيس على أن النخب، من أجل الحفاظ على نوع من التوازن المعرفي، تميل إلى تجاهل أو إعادة تفسير المعلومات غير المتوافقة مع إطارها الذهني. وهذه العملية هي ذاتها التي تؤدي إلى سوء الإدراك الاستراتيجي (Jervis, 1976:124).
ومن منظور جارفيس، يقل سوء الإدراك في حال أولى النخب اهتماماً بالوعي المتبادل، والوجهات البديلة، والنظر من منظور الطرف المقابل. وبعبارة أخرى، فإن أحد جذور الخلافات في السياسة الخارجية هو الاختلاف في إدراك وتفسير النخب المختلفة لموقف واحد متطابق.
وفي العقود الأخيرة، فتحت الدراسات العابرة للتخصصات في مجالات علم النفس السياسي، والعلوم المعرفية، والعلاقات الدولية آفاقاً جديدة لتحليل إدراكات راسم السياسات، وجرى استكمال وتحديث رؤية جارفيس الكلاسيكية. وركّز الباحثون المعاصرون بشكل خاص على دور العواطف والمشاعر بوصفها مكونات أساسية في تشكيل المعتقدات والإدراكات.
ويجادل جوناثان مرسر (Mercer, 2010) في مقال بعنوان المعتقدات الانفعالية (Emotional Beliefs) بأن العديد من معتقدات راسم السياسات، بما في ذلك الثقة، أو الخوف، أو الغضب، أو الشعور بالضحية، هي في الواقع معتقدات انفعالية تؤدي دوراً نشطاً في عملية تفسير المعلومات واتخاذ القرار.
وبناءً على هذه الرؤية، فإن المشاعر ليست مجرد ردود فعل عابرة للمثيرات، بل هي أطر معرفية لإعطاء معنى للعالم السياسي. ونتيجة لذلك، فإن إدراك التهديد أو الفرصة في البيئة الدولية لا يتم فلترته وتفسيره بناءً على البيانات الموضوعية فحسب، بل من خلال التفاعل مع السياقات الثقافية والاجتماعية والهوياتية.
وتُظهر هذه المقاربة أن العمليات الانفعالية جزء لا يتجزأ من إدراكات راسم السياسات، ويمكن أن تؤدي إلى تشكيل مواقف مستقرة تجاه الفاعلين الدوليين.
كما تؤكد المقاربات البنيوية الاجتماعية في العلاقات الدولية، مثل النظرية البنائية (Constructivism)، على أن الواقع الدولي هو نتاج تفاعلات اجتماعية، ومعايير، وهوية، وتؤثر هذه العوامل بقوة على إدراكات الفاعلين وسلوكهم. وبعبارة أخرى، فإن فهم السياسة الخارجية دون الاهتمام بهذه البنى المعرفية والاجتماعية سيكون ناقصاً (Wendt, 1999). وتؤكد الأبحاث الجديدة على ديناميكية الإدراكات وقابليتها للتغيير استجابةً للمعلومات الجديدة.
وخلافاً للإدراكات الثابتة والخطية، يمكن للإدراكات أن تشهد تحولاً في عملية التفاعلات الاجتماعية والسياسية، وهو ما يبرز أهمية العوامل الخطابية والحوار بين الفاعلين أكثر من ذي قبل (Hopf, 2018:687-711). ويعتمد حدوث هذه التغييرات على كيفية فهم القادة للمشكلة وتفسيرها، وكيف يقنعون بقية النخب السياسية بقَبول تفسيرهم للمشكلة حتى تؤدي هذه العملية إلى تغيير في السياسة الخارجية. وغالباً ما توفر الأزمات الدولية فرصاً للتغيير (Rongkas and Sulaiman, 2019:90-91).
وفي سياق السياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية، لا سيما في المرحلتين التاريخيتين؛ قَبول القرار ٥٩٨ والاتفاق النووي (برجام)، يمكن ملاحظة دور إدراكات النخب بوضوح. ففي كلتا الفترتين، تأثر اتخاذ القرار النهائي بإدراكات ومواقف وذهنيات صناع القرار الرئيسيين في نظام جمهورية إيران الإسلامية. وبعبارة أخرى، فإن كيفية فهم التهديدات الدولية، وتقييم تكاليف المقاومة أو التفاوض، والتنبؤ بسلوك القوى الكبرى، وكذلك إدراك مدى استدامة النظام في مواجهة الأزمات، كلها أمور يمكن تحليلها وبحثها في الإطار الذهني للنخب السياسية لجمهورية إيران الإسلامية.
وعموماً، فإن استخدام المقاربة النظرية لإدراكات هذه النخب يتيح تحليلاً عميقاً ومنسجماً لعملية اتخاذ القرار في جمهورية إيران الإسلامية، ويساعد في فهم أفضل لدور العوامل المعرفية، والبنيوية، والخطابية في السياسة الخارجية الإيرانية، ويوفر أساساً علمياً للتحليل المقارن لتجربتي قَبول القرار ٥٩٨ والإتفاق النووي (البرجام).
- منهج البحث
تعتمد هذه الدراسة على منهج المقارنة الحالية (تطبيقي موردي) وأسلوب تتبع العملية (ردیابی فرایند) لتحليل نمط اتخاذ القرار في جمهورية إيران الإسلامية في ملفي قَبول القرار ٥٩٨ والاتفاق النووي. وفي إطار منهج المقارنة الحالية، تُفحص أوجه التشابه والاختلاف في عملية اتخاذ القرار لجمهورية إيران الإسلامية بين التجربتين التاريخيتين.
ومن أجل التحليل الداخلي لكل حالة، يُستخدم أسلوب تتبع العملية؛ وفي هذه المرحلة، تُعاد بناء وتحليل سلسلة الأحداث، والتحولات البيئية، والمواقف الرسمية، والتغيرات الخطابية، والقرارات الرئيسية للنخب السياسية خطوة بخطوة، وذلك بهدف تحديد الآليات السببية المؤثرة في تغيير مواقف صناع القرار. وجُمعت بيانات البحث بناءً على الوثائق الرسمية، وتصريحات ومواقف النخب السياسية، والتقارير التاريخية، والمصادر المكتبية، وصيغ تحليل النتائج بالاعتماد على الإطار النظري لإدراكات النخب لجارفيس.
وبذلك، ينصب التركيز الرئيسي للتحليل على تبيان كيفية تغير إدراك صناع القرار تجاه التهديد، والتكلفة، والفرصة في كلا الملفين. ويتييح الجمع بين هذين المنهجين إجراء مقارنة نظامية للتجربتين التاريخيتين، وفي الوقت نفسه تقديم تحليل عميق للعمليات الداخلية لاتخاذ القرار.
- مسار قَبول القرار ٥٩٨
مع انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام ١٣٥٧ (1979) وانهيار البنية السياسية والأمنية السابقة وعدم تثبيت المؤسسات الجديدة، واجهت البلاد في سنواتها الأولى طيفاً من عدم الاستقرار الداخلي، والانقسامات السياسية، والتحديات الأمنية. ووفرت هذه الحالة الانتقالية، إلى جانب الإدراكات الانتهازية والحسابات الجيوسياسية والأيديولوجية لنظام حزب البعث العراقي، الأرضية لبدء الحرب العراقية ضد إيران.
ومع استمرار الحرب وتزايد التكاليف البشرية والاقتصادية لكلا الطرفين، أصبحت الجهود الدولية لإنهاء النزاع أكثر جدية. وفي النهاية، صُودق على القرار ٥٩٨ بوصفه المبادرة الأكثر شمولاً لمجلس الأمن في هذا السياق بتاريخ ١٣٦٦/٤/٢٩ ش (٢٠ يوليو ١٩٨٧ م)، وتحول إلى الإطار الرئيسي للمواجهة واتخاذ القرار الإيراني في المرحلة النهائية من الحرب.
ومرت عملية اتخاذ القرار في جمهورية إيران الإسلامية تجاه القرار ٥٩٨ بمسار تدريجي بدأ من المقاومة الأولية لمواد القرار، ثم استمر عبر التقييم المتأخر للتكلفة والعائد، وانتهى أخيراً بقَبوله في ظروف اضطرارية، وفيما يلي شرح لهذه المراحل الثلاث.
- المقاومة الأولية
في السنوات التي تلت تحرير خرمشهر (المحمرة) في الثالث من خرداد ١٣٦١ (مايو 1982)، استند الإطار المهيمن على اتخاذ القرار في جمهورية إيران الإسلامية إلى استمرار الحرب حتى تحقيق الأهداف القصوى. واكتسبت هذه الاستراتيجية مشروعيتها ليس فقط على المستوى العسكري بل على المستوى السياسي أيضاً، وتحولت تدريجياً إلى جزء من هوية السياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية إبان فترة الحرب.
وفي السنوات الأخيرة من الحرب، ركزت الاستراتيجية الرئيسية لإيران على مواصلة القتال حتى الإطاحة بصدام حسين وحزب البعث من السلطة، ومعاقبة المعتدي، وتحقيق الشروط الأخرى التي تبتغيها جمهورية إيران الإسلامية.
ويشير هاشمي رفسنجاني في مذكراته ليوم الأربعاء التاسع من أرديبهشت ١٣٦٦ (29 أبريل 1987) إلى لقاء مع الإمام الخميني كان يهدف إلى طرح وضع الحرب والتساؤل عن مسار استمرارها، حيث كتب: ذهبت إلى الإمام في الساعة الثامنة صباحاً وشرحت له وضع الحرب، وأكد الإمام على ضرورة استمرار الحرب حتى سقوط صدام حسين (Hashemi Rafsanjani, 2010:88).
ويُظهر تأكيد الإمام الخميني على استمرار الحرب حتى سقوط صدام أن هذه الاستراتيجية كانت مثبتة في أعلى مستويات اتخاذ القرار. وفي هذه المرحلة، ساهمت مجموعة من العوامل الإدراكية والموضوعية في تعزيز المقاومة الأولية ضد أي فكرة لإنهاء الحرب أو قَبول القرار.
أولها النجاحات العسكرية لإيران، لا سيما العمليات الكبرى مثل إحتلال الفاو بتاريخ ٢٩ فروردين ١٣٦٥ (أبريل 1986)، خلقت تصوراً بأن مسار النصر العسكري لا يزال مفتوحاً. ولم ترفع هذه النجاحات الروح المعنوية الداخلية فحسب، بل جعلت نظرة صناع القرار تجاه إمكانية تغيير ميزان القوى لصالح إيران أكثر تفاؤلاً.
وفي مثل هذه الأجواء، كان يُنظر إلى أي مقترح لوقف إطلاق النار أو الدخول في عملية دبلوماسية بعين الريبة. ويشير محمد جواد ظريف، الذي كان في ذلك الوقت قائماً بأعمال بعثة إيران لدى الأمم المتحدة، في حوار مع محمد دروديان الباحث البارز في شؤون الحرب، إلى أنه في السنوات الأولى للحرب، اكتسب موضوع مقاطعة مجلس الأمن بعداً قدسياً لدرجة أنه عملياً لم يكن أحد يجرؤ على اتخاذ خطوة للتفاوض أو حتى الحوار مع أعضاء المجلس. وكان أي نوع من التعامل مع مجلس الأمن الدولي يُعتبر نوعاً من الخروج عن الأجواء العامة للبلاد، وهذه الذهنية بحد ذاتها وضعت الدبلوماسية الإيرانية في مأزق.
ويشرح ظريف أنه بعد إحتلالنا الفاو العراقية، كان الاعتقاد السائد هو أن استمرار الحرب يمكن أن يوصل إيران إلى النصر النهائي، وهذا الإدراك جعل معظم الطاقة والآمال تتركز في ميدان المعركة، ولم يتم التعامل مع إمكانية الاستخدام النشط للقدرات الدبلوماسية بشكل جدي (Doroudian, 2024:463).
وفي السياق نفسه، يمكن الإشارة إلى رؤية رئيس الجمهورية آنذاك، آية الله خامنئي، الذي قال في أوائل بهمن ١٣٦٦ (يناير 1988): لن نتراجع حتى تحقيق النصر العسكري الحاسم (Alaei, 2025:416).
وتُظهر مجمل هذه المسارات أنه في العام الأخير من الحرب، بدأت الأدلة الميدانية والبيانات العملياتية تشير تدريجياً إلى أن تكاليف استمرار الحرب في تصاعد، بينما تتراجع إمكانية تحقيق الأهداف الأولية. وبناءً على ذلك، فإن الخلافات داخل القيادة، وظهور التفوق المادي والعتادي للعراق، والدعم الأمريكي والسوفيتي للعراق، كلها كانت من أهم البيانات التي شكلت مرحلة مراجعة التكلفة والعائد، وأوصلت صناع القرار تدريجياً إلى نتيجة مفادها أن الاستراتيجيات السابقة فقدت قدرتها على تأمين أهداف الحرب.
- التقييم المتأخر للتكلفة والعائد
منذ عام ١٣٦٦ (1987) فصاعداً، بدأت تظهر علامات واضحة على تآكل استراتيجية استمرار الحرب (فرسايش راهبرد جنك)؛ وهي العلامات التي أجبرت صناع القرار تدريجياً على إعادة التفكير في النسبة بين تكاليف الحرب وإنجازاتها. وفي هذه المرحلة، وعلى الرغم من أن الاستراتيجية الرسمية ظلت مواصلة الحرب، إلا أن التصدعات بدأت تتشكل في الإجماع السابق وظلّت هناك شكوك حول إمكانية تحقيق الأهداف القصوى.
وكانت إحدى أهم علامات دخول إيران في مرحلة المراجعة وإعادة تقييم التكلفة والعائد في عام ١٣٦٦ 1987)) هي التغيير المفاجئ في الاستراتيجية العملياتية للحرس الثوري وتداعياتها. ففي هذه المرحلة، وصلت قيادة الحرس الثوري إلى قناعة بأن استمرار الضغط في الجبهة الجنوبية لن يؤدي إلى النتيجة المطلوبة نظراً لاستعداد العراق واستنزاف القوات الإيرانية؛ ولذلك قررت نقل المحور الاستراتيجي للعمليات إلى الجبهة الشمالية/ الغربية لتحويل الضغط العراقي عن الجنوب وخلق توازن جديد في ساحة المعركة (Alaei, 2025:356).
وتقدم رواية محسن رضائي -الذي كان هو نفسه من الداعين إلى عملية كبرى لإنهاء الحرب- عن السنوات الأخيرة من حرب إيران والعراق صورة واضحة عن الفترة التي ابتعدت فيها بنية اتخاذ القرار في إيران تدريجياً عن تصور القدرة على إنهاء الحرب بالاعتماد على عملية كبرى، وتحركت نحو فهم القيود والتكاليف وتداعيات استمرار الحرب. وتمثلت نقطة انطلاق هذا التحول في تأكيد رضائي على العجز البنيوي لإيران في تحويل الانتصارات العسكرية إلى إنجازات مستدامة (Rezaee, 2011:168).
كما كان غلام علي رشيد يعتقد أنه لو أُجريت المفاوضات لإنهاء الحرب بعد عبور إيران لنهر أروند (شط العرب) والسيطرة على الفاو العراقية، لكانت إيران في موقف متفوق وكان بإمكانها الوقوف بقوة أكبر في وجه الحكومة العراقية (Alaei, 2025:347).
وعلى المستوى الدولي، تزايدت الضغوط بشكل ملحوظ؛ فمنذ خريف ١٣٦٥ (1986)، اتخذت أمريكا والاتحاد السوفيتي بالتنسيق بينهما استراتيجية التدخل المباشر. وأظهر الوجود العسكري في الخليج الفارسي، ومرافقة ناقلات النفط، والدعم العملي للعراق أن القوى الكبرى عازمة على منع انتصار إيران. وأدى هذا التدخل المباشر إلى زيادة تكاليف استمرار الحرب بشكل كبير وجعل أجواء اتخاذ القرار أكثر تقييداً (Alaei, 2025:326).
وفي السنوات الأخيرة من الحرب، تزايدت مخاوف دول المنطقة والفاعلين الدوليين من اقتراب إيران من البصرة بسرعة. وأظهرت التحذيرات العلنية للحكومات العربية بشأن تداعيات سقوط البصرة ومؤشرات تعزيز الدعم الخارجي للعراق أن الأجواء الإقليمية غير مهيأة لمزيد من التقدم الإيراني.
وعموماً، انقلبت موازن القوى تماماً لصالح العراق في هذه الفترة الزمنية؛ حيث ظهر التفوق المتزايد للعراق على مستوى العتاد العسكري بوضوح. وامتلك العراق في هذه المرحلة نحو ٥٠ فرقة وقرابة ٣٠٠٠ دبابة، واستخدم في إحدى العمليات وحدها نحو ٦٠٠ دبابة (Alaei, 2025:358)، في حين انخفض عدد دبابات إيران إلى أقل من ١٠٠٠ دبابة.
واقتصرت القدرة الجوية لإيران على نحو ٦٥ طائرة مقاتلة، بينما امتلك العراق أكثر من ٥٠٠ طائرة مقاتلة (Jafari, 2014).
ودعت هذه العوامل في مجموعها صناع القرار الإيرانيين إلى استنتاج أن تكاليف استمرار الحرب تتزايد بشكل دال، واكتسب القرار ٥٩٨ مكانة مهمة في حسابات إيران. وعلى الرغم من أن قَبوله لم يكن مطروحاً بعد كقرار نهائي، إلا أنه أصبح تدريجياً أحد الخيارات المتاحة إلى جانب السيناريوهات الأخرى. ولم يكن هذا التغيير وليد تبدل مفاجئ في المعتقدات، بل نتيجة لتراكم تدريجي للأدلة التي تضعف إمكانية استمرار الحرب بنجاح.
- قَبول القرار في ظروف الضغط الأقصى
في الجبهات البرية، على الرغم من أن إيران حققت نجاحاً مهماً في اسفند ١٣٦٦ (مارس 1988) عبر عملية والفجر ١٠ والسيطرة على حلبجة العراقية، إلا أنه منذ فروردين ١٣٦٧ (أبريل 1988) تغير التوازن العسكري بسرعة ودخلت البلاد فترة من الضغوط متعددة الطبقات عسكرياً واقتصادياً وسياسياً ودولياً.
وشكلت استعادة الفاو من قِبل الجيش العراقي في ٢٨ فروردين (١٧ نسيان) بداية لسلسلة من الهزائم المتتالية للقوات الإيرانية؛ إذ استعاد العراق كافة المناطق التي كانت ايران تسيطر عليها تدريجياً على مدار ٦ سنوات خلال ٤ أشهر فقط (Doroudian, 2023:249).
ويذكر وفيق السامرائي، أحد قادة المخابرات العراقية في الحرب المفروضة، أنه بعد تحرير الفاو، لم تقتصر حالة الانهيار في مواضع إيران على حلبجة ودربنديخان بل شملت كافة المناطق (Al-Samarrai, 2022:169).
وفي هذا العام فقط، فقد ٢١٠,٢٣٠ شخصاً من المقاتلين والمدنيين أرواحهم خلال الاشتباكات والهجمات العراقية على المناطق السكنية، وأُسر نحو ٢٤ ألف شخص؛ وهو رقم يشمل أكثر من نصف إجمالي أسرى إيران طوال سنوات الحرب الثماني (Alaei, 2025:425). وأظهرت هذه الخسائر البشرية الفادحة دخول الحرب مرحلة استنزافية وعالية التكلفة وضعت القدرات الاجتماعية والعسكرية للبلاد تحت ضغط شديد.
وبالتزامن مع هذه التحولات الميدانية، وصل الوضع الاقتصادي للبلاد أيضاً إلى مرحلة حرجة. فالعائدات النفطية التي كانت في مستوى مرتفع عامي ١٣٦١ و١٣٦٢ (١٩٨٢-١٩٨٣) اتخذت مساراً تنازلياً منذ عام (١٩٨٤) هجري شمسي١٣٦٣، وانخفضت في عام ١٣٦٥ (١٩٨٦) إلى نحو ربع ما كانت عليه في عام ١٣٦٢.
وفي عام ١٣٦٦(١٩٨٧)، ورغم أن حجم العائدات النفطية ارتفع قليلاً، إلا أنه ظل أقل من نصف عائدات عام ١٣٦٢.
هذا الانخفاض الحاد في العائدات حدّ بقوة من قدرة الحكومة على تأمين الأسلحة والمعدات الحربية، وفي المقابل، حظي العراق بموارد مالية واسعة مكنته من تحقيق تفوق بستة أضعاف في شراء المعدات (Samiei, 2025:246). وأدى الركود الاقتصادي، وتصاعد حرب ناقلات النفط، والهجمات على المراكز الاقتصادية، والضغوط الدولية إلى إيصال الوضع المعيشي والمالي للبلاد إلى حافة عدم التحمل.
وتُشير المؤشرات الاقتصادية إلى أن الركود الاقتصادي بدأ منذ عام ١٣٦٥ (١٩٨٦) وبلغ ذروته في عام ١٣٦٧ (١٩٨٨) (Dejpasand and Raoufi, 2008:35). ويقول هاشمي رفسنجاني بشأن تأثير المشكلات الاقتصادية في قَبول القرار ٥٩٨: أحد عوامل قَبول وقف إطلاق النار كان الرسالة التي كتبها وزير الاقتصاد والمسؤولون الاقتصاديون في البلاد، ومفادها أن ميزانية عائدات ونفقات البلاد وصلت إلى الخط الأحمر، بل وتجاوزت الخط الأحمر إلى حد لم يعد يطاق بالنسبة للمجتمع (Doroudian, 2023:256-257).
وفي الأشهر الأخيرة من الحرب، دخل اتخاذ القرار بشأن استمرار أو إنهاء القتال مرحلة مصيرية. فبعد اجتماعات متعددة مع قادة الحرس الثوري والجيش، قدم محسن رضائي في رسالة رسمية مكتوبة مجموع احتياجات الجبهة، وشروط النجاح، والجدول الزمني المحتمل لاستمرار الحرب. وفُحصت هذه الرسالة في اجتماع لرؤساء السلطات، وبعد حسابات تخصصية، تبيّن بالإجماع أن البلاد لا تملك القدرة على تأمين هذه المتطلبات (Hashemi Rafsanjani, 2010:18).
كما أن هجوم السفينة الحربية الأمريكية فينسينز على طائرة الركاب الرحلة 655 التابعة للخطوط الجوية الإيرانية الإيرانية، وكذلك نقل رسالة إلى طهران تفيد باحتمال شن هجوم كيميائي عراقي على المدن الإيرانية، أدى في مجمله إلى قَبول إيران للقرار ٥٩٨ (Doroudian, 2023:247-248).
وحسب رواية هاشمي رفسنجاني، فإنه بالإضافة إلى العجز الاقتصادي للبلاد عن تأمين تكاليف الحرب، ولعبت التقارير حول توسيع عمليات القصف الكيميائي العراقية، لا سيما فظائع حلبجة وسردشت واحتمال تكرارها في المدن الإيرانية الكبرى، دوراً حاسماً في تغيير رأي الإمام. ورغم الصعوبة السياسية والقيمية لهذا القرار، تمت الموافقة في النهاية على أصل قَبول القرار ٥٩٨ وإنهاء الحرب (Hashemi Rafsanjani, 2010:18).
بناءً على ذلك، تغير إدراك النخب السياسية والعسكرية للوضع من إمكانية استمرار استراتيجية الحرب حتى النصر إلى إدراك خطر دخول البلاد في حلقة خسارة-خسارة (باخت باخت). وفي هذا الإطار، لم يعد تحقيق المطلوب النهائي -أي إسقاط حكومة صدام- واقعياً، وتحولت استراتيجية الحرب من الأهداف القصوى إلى الأهداف النسبية. وكان قَبول القرار ٥٩٨ في هذه المرحلة نتيجة لقرار اضطراري لوقف التكاليف البشرية والاقتصادية والاستراتيجية للحرب ومنع التهديد المباشر للأمن القومي للبلاد.
وفي السياق نفسه، يقول محسن رضائي: السبب المهم الذي دفع الإمام الخميني لقَبول قرار وقف إطلاق النار هو هذا التقييم من قِبل العسكريين بأن العراق قد يتمكن مجدداً من دخول الأراضي الإيرانية والسيطرة على أجزاء من إيران مرة أخرى (Doroudian, 2023:247).
وفي الأشهر الأخيرة من الحرب، كان التفوق النسبي لإيران في ساحة المعركة وقدرتها على تحويله إلى إنجاز سياسي ودبلوماسي لإنهاء الحرب قد تجاوز تاريخ صلاحيته عملياً. فأدى توسيع نطاق الاشتباكات إلى الخليج الفارسي، وتصاعد حرب ناقلات النفط، وزيادة الهجمات على المدن والمناطق السكنية، والاشتباك المباشر مع الولايات المتحدة إلى فقدان جمهورية إيران الإسلامية لجزء مهم من أوراقها الميدانية، وتدنت إمكانية الاستفادة السياسية من الوضع الحربي إلى الحد الأدنى.
وفي مثل هذه الظروف، لم تتمكن دبلوماسية جمهورية إيران الإسلامية -التي كانت تابعة لتحولات ميدان المعركة واستراتيجية الحرب حتى النصر- من إيجاد مسار مستقل لإنهاء الحرب. ولم يكن هذا العجز نابعاً من غياب الجهد الدبلوماسي، بل من هيمنة منطق الميدان على الدبلوماسية؛ بحيث أنه طالما كانت الاستراتيجية المهيمنة هي استمرار الحرب بهدف تحقيق النصر العسكري، كان للدبلوماسية عملياً دور هامشي.
- مسار الاتفاق النووي (برجام)
إن الاتفاق النووي بين جمهورية إيران الإسلامية وقوى (٥+١) -أي الأعضاء الخمسة دائمي العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة بالإضافة إلى ألمانيا الاتحادية- والذي يحمل الاسم الرسمي خطة العمل الشاملة المشتركة أو برجام (باللغة الفارسية وهو الحروف الأولى من برنامه جامع اقدام مشترک)، تم التوصل إليه في يوم ٢٣ تير من عام ۱۳۹۴ (١٤ يوليو ٢٠١٥)، بعد نحو ١٢ عاماً من المقاومة ودفع التكاليف من قِبل الشعب الإيراني وأكثر من ٢٢ شھراً من المفاوضات المكثفة في الحكومة الحادية عشرة، ونُشر نصه.
وبعد نحو أسبوع من ذلك، في التاسع والعشرين من تير ۱۳۹۴ (٢٠ يوليو ٢٠١٥)، ألغى مجلس الأمن الدولي بإصدار القرار ٢٢٣١ القرارات الستة من العقوبات السابقة الصادرة عن هذا المجلس، والتي كانت جميعها قد وُضعت تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وأنهى أكثر من عقد من جهود القوى الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة لأمننة (إظهارها كخطر امني) جمهورية إيران الإسلامية وعزلها دبلوماسياً في النظام الدولي. وبعد ذلك، دخلت هذه الاتفاقية رسمياً مرحلة التنفيذ في تاريخ ٢٦ دي ۱۳۹۴ (١٦ يناير ٢٠١٦) بعد تأييد المجلس الأعلى للأمن القومي، ومجلس الشورى الإسلامي، والقيادة في نهاية المطاف (Poursaeed, 2016:2).
- المقاومة الأولية
في نهاية مفاوضات حكومة خاتمي وتسليم الملف النووي الإيراني إلى حكومة أحمدي نجاد، كان لا يزال هناك انقسام ملحوظ بين أوروبا وأمريكا. ففي السنوات من ١٣٨١ إلى ١٣٨٤ (2002-2005)، وبعد الغزو الأمريكي للعراق، نشأ توتر غير مسبوق بين القوى الأوروبية والولايات المتحدة؛ حيث وقفت ألمانيا وفرنسا في مواجهة السياسات الأمريكية، لكن بريطانيا تماشت مع أمريكا. هذا الانقسام بين أوروبا وأمريكا جعل أوروبا تمنع إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن في ذلك الوقت.
ومع وصول حكومة أحمدي نجاد إلى السلطة وسياساته وخطاباته في عام ١٣٨٤ (2005)، وفر الملف النووي الإيراني الأرضية للتوافق مجدداً بين القوى العالمية (Zarif, 2024:378). ومع استمرار الأنشطة النووية وتهيئة الأرضية لتشكيل تحالف واسع ومنسق بين الأعضاء الخمسة دائمي العضوية في مجلس الأمن، أصبحت الظروف مهيأة لاقتراح والتصديق على القرارات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني إبان فترة حكومة أحمدي نجاد (Zarif, 2024:378).
وفي هذه الفترة، ركز موقف حكومة أحمدي نجاد على إظهار عدم قابلية البرنامج النووي الإيراني للتراجع؛ ومن ذلك إعلان رئيس الجمهورية آنذاك في شهریور ١٣٨٤ (سبتمبر 2005) أن إيران مستعدة لوضع معرفتها النووية تحت تصرف الدول المسلمة، ودعا إلى تشكيل لجنة في الأمم المتحدة لمواجهة ما أسماه الفصل العنصري (الأبارتايد) المصطنع (Darabi and Ahadi, 2017:46).
وتشكلت السياسة النووية للحكومتين التاسعة والعاشرة في سياق يُعرّف البرنامج النووي بما يتجاوز كونه موضوعاً تقنياً أو أمنياً، ويمثله بوصفه رمزاً للاستقلال السياسي، والهوية الثورية، والمقاومة في وجه النظام الدولي المهيمن. وفي هذا الإطار الخطابي، لم تكن التكنولوجيا النووية مجرد أداة للتنمية، بل تجلياً لحق السيادة ودلالة على الصمود في وجه البنى التمييزية للنظام الدولي. ولعب المحور الأساسي الذي أعلنته الحكومة (الدال المركزي) الطاقة النووية حقنا المسلم به (انرژی هستهای حق مسلم ماست) بوصفه محوراً دلالياً للسياسة النووية دوراً حاسماً في تحديد خيارات السياسة الخارجية وتعريف حدود الفعل الدبلوماسي (Soltani Gard Faramerzi and Ashrafi, 2018:125).
وفي خريف ١٣٨٤ (2005)، بالتزامن مع الحضور الأول لمحمود أحمدي نجاد في الأمم المتحدة وإعلان المواقف الجديدة للحكومة التاسعة في نيويورك، انتهى اجتماع وزير الخارجية الجديد منوشهر متكي وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني مع وزراء خارجية الدول الأوروبية الثلاث -والذي جرى بحضور سعيد جليلي- دون أي إنجاز.
هذا الإخفاق خلق مآزق جديدة في مسار المفاوضات، ومهد عملياً الطريق لنقل الملف النووي الإيراني من الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا إلى مجلس الأمن الدولي في نيويورك. ولاحقاً، طالب مجلس الأمن الدولي أولاً بإصدار بيان ثم بالتصديق على القرار ١٦٩٦ في خرداد ١٣٨٥ (يونيو 2006)، بناءً على المادة ٤٠ من الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة، بتعليق تخصيب اليورانيوم في إيران. وتصاعد هذا المسار بالتصديق على القرار ١٧٣٧ في كانون الأول من العام نفسه 2006)؛ وهو القرار الذي اعتبر الأنشطة النووية والصاروخية الإيرانية بموجب المادة ٤١ من الفصل السابع تهديداً للسلم والأمن الإقليميين وفرض قيوداً تجارية ومالية واسعة ضد البلاد (Zarif and Others, 2021:32).
ومع ذلك، جرى التقليل من أهمية هذه القرارات من قِبل رئيس الجمهورية آنذاك بتعبيرات مثل النعامة التي تدفن رأسها في التراب وورقة بالية (کاغذ پاره). ولم يتوقف مسار إصدار القرارات، بل أُضيفت ثلاثة قرارات لاحقة لمجلس الأمن (١٧٤٧، ١٨٠٣، ١٨٣٥) خلال الفترة الأولى لرئاسة أحمدي نجاد، ونهايةً القرار ١٩٢٩ في الفترة الثانية؛ ليرتفع عدد القرارات التي لم تكن تساوي فلساً واحداً في أدبيات رئيس الجمهورية آنذاك، وكان يُنظر إليها بمثابة منديل مستعمل يجب إلقاؤه في سلة المهملات (Zarif and Others, 2021:32).
وعندما أصدر مجلس الأمن ضد إيران عدة قرارات ووضع البلاد في معرض عقوبات كبرى، قال أحمدي نجاد بنبرة ساخرة: أصدروا من القرارات حتى تمتلئ حافظة قراراتكم وتتمزق؛ وكان يصف قرارات مجلس الأمن ضد إيران -والتي تركت لاحقاً تأثيرات مرعبة على اقتصاد البلاد- بالورق البالي (Samiei, 2025:146). وقال شمس الدين حسيني، وزير الشؤون الاقتصادية والمالية في الحكومة العاشرة، في حوار مع شبكة سي إن إن: أوروبا تضرب بقبضتها على الجدار بعقوباتها على إيران (CNN, 2012).
لذا، تسببت نتيجة مثل هذه السياسة في قيام الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي -بالتزامن مع عقوبات مجلس الأمن- بفرض عقوبات ثانوية واسعة ضد إيران أثرت تدريجياً على كافة الأنشطة الاقتصادية للبلاد، وانخفضت صادرات النفط الخام -باعتبارها أهم مصدر لدخل إيران- بشكل ملحوظ (Darabi and Ahadi, 2017).
وكان نتاج سياسات الحكومتين التاسعة والعاشرة عقوبات زادت من الضغط الداخلي، وأغلقت طريق النمو والصناعة، ورافقتها تراجع المحركات الأخرى للعلوم؛ فبات النخب على أعتاب الهجرة، والمجتمع محروم من الازدهار، ودوران عجلة الاقتصاد يتجه نحو التوقف بإيقاع متسارع (Zarif, 2024:25).
- التقييم المتأخر للتكلفة والعائد
عندما أُحيل الملف النووي الإيراني في بهمن ١٣٨٤ (فبراير 2006) من قِبل مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى مجلس الأمن، تشكل تحالف مؤقت جديد. فالدول الأوروبية الثلاث التي كانت تتولى إدارة الملف حتى ذلك الوقت، احتاجت لتعزيز موقفها إلى دعم الأعضاء الخمسة دائمي العضوية في مجلس الأمن. وظنّ مسؤولو الحكومة آنذاك في إيران أن حضور روسيا والصين يمكن أن يصب في مصلحة إيران؛ ومع ذلك، كان موضوع عدم الانتشار النووي يمثل لكلتا الدولتين أيضاً تحدياً استراتيجياً ومركزياً في استراتيجيتهما العالمية.
وفي هذه الظروف، أدى إقحام إيران لتركيا والبرازيل في الملف النووي إلى جعل روسيا والصين قلقتين من خلق منافسة على مكانتهما في الملف. ونتيجة لذلك، انضمت روسيا والصين أيضاً إلى الدول الغربية الأربع، وانتهى هذا المسار في النهاية بالتصديق على القرار غير المسبوق ١٩٢٩ الصادر عن مجلس الأمن بصوت مؤيد من روسيا والصين (Zarif, 2024:377).
ومنذ عام 2006، ولا سيما في الفترة الزمنية من 2010 إلى 2013، توسع نظام العقوبات المرتبط بالملف النووي ضد جمهورية إيران الإسلامية بشكل تصاعدي، وتحول إلى أحد أكثر نظم العقوبات شمولاً في التاريخ المعاصر. ونُفذت أشد هذه العقوبات منذ أوائل عام 2012، وأثرت على طيف واسع من القطاعات الاقتصادية في البلاد؛ بما في ذلك صناعة النفط، وتأمين ناقلات النفط، والشحن البحري، والاتصالات المالية الدولية، وصناعات السيارات والبتروكيماويات. وحتى روسيا والصين، اللتان كانت لديهما مصالح مختلفة مع إيران وتختلف مع أمريكا والغرب حول العلاقة مع إيران، تماشيتا مع هذه الضغوط الدولية.
وإلى جانب عقوبات مجلس الأمن، أصدر الكونغرس والرئيس الأمريكي في الفترة من 2010 إلى 2013 أكثر من ١٤ قانوناً أو مرسوماً عقابياً كان للعديد منها أبعاد عابرة للحدود (خارج نطاق القضاء)، واستهدفت عملياً جزءاً كبيراً من الاقتصاد الإيراني.
وفي المجموع، تسببت هذه الإجراءات في وقوع كافة القطاعات الاقتصادية الإيرانية تقريباً تحت نوع من الضغط، وفُرضت تكاليف اقتصادية هائلة على البلاد؛ بحيث أنه حتى لو عاد معدل النمو الاقتصادي الإيراني إلى ما كان عليه قبل عام 2012، لاستغرق الأمر حتى عام 2020 لتصل الناتج المحلي الإجمالي للبلاد إلى المستوى الذي كان يمكن أن تصل إليه في عام 2014 في حال عدم وجود العقوبات (Shapouri, 2016:49).
ونتيجة لضغوط العقوبات، تعرض أهم مصدر لدخل إيران -وهو الدخل النفطي- لصدمة عملات أجنبية شديدة. وضاعفت العقوبات المفروضة على البنك المركزي الإيراني -والذي يعمل بمثابة قلب النظام المالي للبلاد- من شدة هذه الضغوط عدة مرات، وانخفضت قيمة الريال الإيراني بشدة (Shapouri, 2016:49).
وبالإضافة إلى العقوبات، جعلت عوامل أخرى الوضع الاقتصادي للبلاد أكثر صعوبة؛ ومنها تشديد وتيرة خروج الرساميل، وزيادة الطلب على تحويل الأصول الريالية إلى عملات أقل مخاطرة، وارتفاع معدل التضخم، وانخفاض قيمة الريال، وزيادة مخاطر الاستثمار. وتسببت العقوبات والسياسات النقدية والمالية غير الواقعية للحكومة آنذاك في إعاقة الاستثمار الأجنبي في إيران بشدة، وواجه الاقتصاد -لا سيما الأسواق المالية والنقدية- تقلبات حادة.
وإثر هذا الوضع، في مضاعفة سعر الصرف ثلاث مرات، وواجهت الحكومة عجزاً شديداً في الميزانية (Jamshidi, 2013:136-138). وعندما تعرض الاقتصاد الوطني لقيود شديدة في العملات الأجنبية والمال والتجارة، انتقلت آثار ذلك بشكل طبيعي إلى مجالات الحياة الاجتماعية الأخرى، وأثرت بشكل ملموس على العيش اليومي للمجتمع.
وقبل الحصول على الاتفاق النووي، وضعت العقوبات المتوسعة القطاعات الاقتصادية المختلفة في مسار معقد، وتأثرت حياة الناس مباشرة بهذا الوضع؛ بحيث واجهت البلاد مستوى غير مسبوق من العزلة، وفقدت السياسة الخارجية عملياً كفاءتها في تأمين المصالح الوطنية.
وتحدث محمود أحمدي نجاد، رئيس الجمهورية آنذاك والذي كان يعتبر العقوبات سابقاً ورقاً بالياً وفرصة لتقدم البلاد، بصراحة عن تأثير ضغوط العدو، واتهم البعض بمحاولة إبراز دور العدو بشكل باهت لضرب الحكومة من أجل الانتخابات المقبلة؛ بينما أبعاد العقوبات واضحة (Shapouri, 2016:47).
لذا، في مثل هذه الظروف، تحركت السياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية تدريجياً من المواقف السابقة القائمة على التقابل المطلق ورفض أي نوع من الحوار نحو قَبول نوع من المرونة المحدودة والمدارة. ولا يمكن اعتبار هذا الانتقال بمثابة تغيير في الأهداف الجوهرية أو عدول عن المبادئ الاستراتيجية؛ بل يجب اعتباره مراجعة في أساليب متابعة الأهداف نفسها في ظروف ضاقت فيها الخيارات العملية بشدة.
وفي هذا الإطار نفسه، سمح آية الله خامنئي، عبر طرح مفهوم المرونة البطولية (نرمش قرمانانه)، بإمكانية الاستفادة من المرونة التكتيكية في مسرح السياسة الخارجية، بشرط ألا تؤدي هذه المرونة إلى تخطي الخطوط الحمراء أو إضعاف الأسس الأساسية (Office for the Preservation and Publication of the Works of Ayatollah Khamenei, 2013).
ويمكن اعتبار هذه المرحلة بمثابة مرحلة تآكل (فرسايش) كفاءة الإستراتيجية وإنكار تأثير العقوبات أو اعتبار العقوبات نعمة، وبداية إعادة التفكير في نمط اتخاذ القرار؛ وهي المرحلة التي أدى فيها تراكم الضغوط الاقتصادية والدولية تدريجياً إلى القضاء على إمكانية استمرار الوضع السابق، وأوصل النخب الصانعة والمقررة للقرار إلى استنتاج ضرورة مراجعة أساليب الفعل وأدوات السياسة الخارجية. وفي هذا المعنى، لم تكن الأزمة الاقتصادية مجرد نتيجة اقتصادية بل كانت محركاً سياسياً دفع مسار اتخاذ القرار نحو المرحلة التالية (Samiei, 2019).
- قَبول الاتفاق في ظروف العقوبات الساحقة
على أعتاب عام ۱۳۹۲ (2013)، واجهت جمهورية إيران الإسلامية مجموعة من الأزمات المتزامنة اقتصادياً ومالياً وفي السياسة الخارجية، جعلت استمرار الوضع القائم مكلفاً للغاية وفي بعض الحالات غير قابل للاستدامة. ومن المنظور الاقتصادي، وصل عجز ميزانية الحكومة العاشرة إلى مستوى جرى معه نقل جزء من الميزانية العمرانية إلى الميزانية الجارية؛ ولم يقلل هذا الإجراء استثمار الحكومة فحسب، بل أخل أيضاً بتأمين الموارد الوطنية اللازمة للبنى التحتية والتنمية الاقتصادية للبلاد والنمو الاقتصادي طويل الأجل.
وبالتزامن مع ذلك، لجأت الحكومة لتغطية عجز الميزانية إلى طبع النقود والاستدانة غير المباشرة من البنك المركزي، وكانت النتيجة: زيادة السيولة وتفاقم التضخم. ورغم هذه الإجراءات، استمر عجز الميزانية، واضطرت الحكومة الحادية عشرة لتقديم تعديل للميزانية إلى البرلمان لتقليص مستوى العائدات والنفقات. وتمثلت عاقبة هذا المسار في انخفاض غير مسبوق في تشكيل رأس المال الثابت الإجمالي؛ بحيث وصل معدل نمو تشكيل رأس المال في عام ۱۳۹۱ (2012)إلى نحو سالب ٢٤ في المائة، وهو أمر واجه آفاق الازدهار الاقتصادي والاستثمار المستقبلي للبلاد بتحديات جدية (Shapouri, 2016:54).
وفي الفترة نفسها، ظهرت تداعيات العقوبات الدولية الواسعة بالكامل في المؤشرات الكلية للاقتصاد؛ حيث أصبح النمو الاقتصادي في عامي ۱۳۹۱ و۱۳۹۲ سالباً، وارتفع معدل التضخم في عام ۱۳۹۲ إلى ٣٤٫٧ في المائة (Samiei,2025:234)، وهو وضع يشير إلى الضغط الهائل للعقوبات على معيشة المجتمع وقدرة الحكومة على رسم السياسات.
هذه الظروف الاقتصادية، إلى جانب الانخفاض الحاد في العائدات من العملات الأجنبية والقيود المصرفية، واجهت الحكومة الجديدة بواقع أصبح معه استمرار المسار السابق دون تغيير في وضع الملف النووي أمراً غير ممكن عملياً.
وكان ضغط العقوبات إلى حد أعلن معه محمود بهمني، رئيس البنك المركزي آنذاك، بالإشارة إلى مقولة العقوبات: يجب أن ندير المجتمع بنحو يمكننا معه الحفاظ على أنفسنا لسنتين. يبدو أننا محاصرون في شعب أبي طالب (Shapouri, 2016:47)؛ ويُعد هذا التقييم مؤشراً واضحاً على دخول الأزمة إلى عرصة الوقائع الاقتصادية.
ومن المنظور القانوني والسياسي، يجب البحث عن ذروة الضغوط الدولية ضد إيران في التصديق على القرار ١٩٢٩ الصادر عن مجلس الأمن. وصُودق على هذا القرار في ١٩ خرداد ١٣٨٩ (٩ يونيو ٢٠١٠) بموجب المادة ٤١ من الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة وبـ ١٢ صوتاً مؤيداً، بما في ذلك الصوت المؤيد لكل من الأعضاء الخمسة دائمي العضوية في مجلس الأمن.
وصُمم القرار ١٩٢٩ بهدف الإغلاق المتزامن للقدرات النووية والصاروخية والشرايين الاقتصادية لجمهورية إيران الإسلامية، وفرض نطاقاً غير مسبوق من القيود المالية والتكنولوجية والعسكرية ضد البلاد. وجعل صدور هذا القرار تحت الفصل السابع تنفيذه إلزامياً لجميع الدول، بل ووفّر بشكل غير مباشر إمكانية تبرير العمل العسكري ضد إيران (Zarif and Others, 2021:58). ومن هذا المنظور، كان القرار ١٩٢٩ يمثل ذروة أمننة الملف النووي الإيراني (تحويل الملف النووي من ملف للأغراض السلمية إلى ملف آمني) وتثبيت الإجماع العالمي ضد جمهورية إيران الإسلامية.
وفي مثل هذه الظروف، ومن أجل كبح المسار المتصاعد للضغوط الدولية وإنهاء حلقة إصدار قرارات مجلس الأمن، تحول الدخول في مسار الحوار مع الولايات المتحدة الأمريكية إلى ضرورة لا يمكن تجنبها. وخلافاً لبعض الروايات الشائعة، لم يكن اختيار مسار التفاوض المباشر مع أمريكا في الحكومة الحادية عشرة وليد التفاؤل السياسي ولا قائماً على الثقة بحسن نية واشنطن، بل كان نتيجة لمحدودية الخيارات الاستراتيجية لجمهورية إيران الإسلامية للخروج من تحت الفصل السابع لمجلس الأمن.
وقبل صيف عام ١٣٨٤ (2005)، كان الملف النووي الإيراني يُدار في إطار الحوار مع الدول الأوروبية الثلاث والاتحاد الأوروبي، ولم تكن الولايات المتحدة حاضرة بشكل مباشر في المفاوضات؛ ولذلك لم يكن التفاوض مع أمريكا ضرورياً.
ولكن مع إحالة الملف إلى مجلس الأمن في شتاء عام ١٣٨٤ (2005)، تحولت أمريكا بوصفها عضواً دائماً في المجلس إلى لاعب حاسم، وأصبح أي جهد لإغلاق الملف وإلغاء القرارات يستلزم كسب موافقة هذا البلد، إذ كان بإمكان واشنطن، بامتلاكها حق النقض (الفيتو)، منع التصديق على أي قرار يهدف إلى إنهاء الحالة الأمنية للملف (Zarif, 2024:415).
والنقطة المهمة هي أن التوجه نحو مسار الحوار قد بدأ بشكل محدود وسري حتى قبل استقرار الحكومة الحادية عشرة. ففي الأشهر الأخيرة من الحكومة العاشرة، أُجريت اتصالات ومفاوضات بشكل غير علني في مسقط وبوساطة عمانية بين ممثلي إيران والولايات المتحدة. وتُظهر هذه المفاوضات السرية أن ضرورة تغيير المسار لم تكن مجرد نتاج لتغيير الحكومة، بل كانت نتيجة للضغوط البنيوية والظروف الاضطرارية الحاكمة في البلاد.
وفي النهاية، دخلت الحكومة الحادية عشرة في مثل هذا السياق الاقتصادي والقانوني والسياسي في المفاوضات النووية الرسمية؛ وهي المفاوضات التي كان هدفها الرئيسي خروج ملف إيران من تحت الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة، وكسر الإجماع العالمي ضد البلاد، وتقليص الضغوط الاقتصادية، وإبعاد شبح الحرب. ومن هذا المنظور، يجب اعتبار الاتفاق النووي نتيجة لاتخاذ القرار في ظروف الاضطرار ومحاولة لإدارة التكاليف وإعادة الملف النووي إلى المسار غير الأمني.
- مقارنة قرار مجلس الأمن ٥٩٨ والاتفاق النووي (برجام)
تُظهر مقارنة قرار مجلس الأمن ٥٩٨ والاتفاق النووي (برجام) أنه على الرغم من الاختلافات الماهوية، فإن منطق اتخاذ القرار الكلي لجمهورية إيران الإسلامية في كلتا الحالتين قد اتبع نمطاً بنيوياً واحداً. ولم يقم هذا النمط على تغيير مفاجئ في الأهداف الجوهرية للنظام، بل اعتمد على الانتقال التدريجي في الأدوات وأساليب تحقيق الأهداف نفسها تحت الضغوط البنيوية المتصاعدة.
وفي كلتا التجربتين، حاول النظام السياسي الإيراني في البداية، بالاعتماد على استراتيجية المقاومة الأولية، إدارة الأزمة دون قَبول تسوية رسمية؛ ولكن في الاستمرار، دفع تراكم الضغوط، وتآكل القدرات، ومحدودية الخيارات العملية صناعة القرار نحو قَبول الاتفاق.
وفي كلا الملفين، رافقت المرحلة الأولى للأزمة المقاومة بوصفها الاستراتيجية المهيمنة والمُكسبة للمشروعية. ففي الحرب المفروضة، كان استمرار القتال، على الرغم من الاستنزاف الشديد للموارد البشرية والاقتصادية، يكتسب معناه في إطار خطاب الحرب الحرب حتى النصر وتحقيق الأهداف الثورية. وبشكل مشابه، في الملف النووي أيضاً، لم يكن استمرار التخصيب وتجاهل القيود الدولية مجرد اختيار تقني، بل كان يُعتبر مؤشراً على الحفاظ على الاستقلال ومواجهة النظام الدولي التمييزي.
وفي كلتا الحالتين، كانت التكاليف المتصاعدة للمقاومة تكتسب مشروعيتها من خلال صناعة الخطاب الأيديولوجي، وكان يتم تمثيل المصالحة بمثابة تهديد للمبادئ وهوية النظام.
والوجه المشترك المهم في كلا الملفين هو أن تقييم التكلفة والعائد قد أُجري بتأخير. فلم تؤدِ الضغوط الدولية الأولية والخسائر الاقتصادية فوراً إلى تغيير الاستراتيجية، لا في الحرب ولا في الملف النووي. وفقط عندما تخطت الضغوط مستوى التحمل وتحولت إلى تهديد ضد الوظائف الأساسية للحكومة والمجتمع، بدأت تظهر علامات إعادة التفكير على مستوى النخب المقررة للقرار.
ففي الحرب، تحققت هذه النقطة الزمنية عندما تغير التوازن الميداني ضد مصالح إيران وازدادت مخاطر الأمن القومي؛ وفي الملف النووي أيضاً، تزامنت هذه النقطة الزمنية مع تشديد العقوبات النفطية والمصرفية، وسالبية النمو الاقتصادي، وسقوط قيمة العملة الوطنية، وتثبيت ملف إيران تحت الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة.
وفي كلتا التجربتين، حدث الاتفاق في وقت كانت فيه أوراق المساومة قد ضعفت بشدة. فقَبول القرار ٥٩٨ تم في ظروف تلاشت فيها عملياً إمكانية كسب مزيد من الامتيازات، واضطر النخب، مع فقدانهم للأوراق الرئيسية، لقَبول اتفاق لا مفر منه لمنع تداعيات أكثر شدة للحرب. وبشكل مشابه، في الملف النووي، جرى الدخول في البرجام (الاتفاق النووي) في وقت كان فيه الإجماع العالمي ضد إيران قد تثبت، وانخفضت الاحتياطيات من العملات الأجنبية، وواجه استمرار الوضع السابق الاقتصاد والانسجام الاجتماعي بتهديدات جدية. وفي هذا الإطار، قُبل الاتفاق ليس كاختيار مطلوب بل بوصفه خياراً لا بديل عنه لكبح الأزمة ومنع تكاليف أكثر كارثية.
والنقطة المقارنة الرئيسية هي أن تغيير المسار في كلا الملفين لم يتحقق بتغيير الحكومة أو الأفراد، بل جرى تحت ضغط الظروف البنيوية. فكما كان قَبول القرار ٥٩٨ نتاجاً لتراكم الضغوط الحربية والاقتصادية والدولية، فإن تشكل مسار الاتفاق النووي قد بدأ أيضاً قبل استقرار الحكومة الحادية عشرة وفي قالب المفاوضات السرية في مسقّط.
ويشير هذا الأمر إلى أن قرار الاتفاق، أكثر من كونه نتاجاً للإرادة السياسية لحكومة معينة، كان نتيجة لمحدودية الخيارات الاستراتيجية للنظام في وضع اضطراري. وفي المجموع، تُظهر مقارنة القرار ٥٩٨ والبرجام أن السياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية في هذين الملفين قد اتبعت النمط ثلاثي المراحل: المقاومة الأولية، التقييم المتأخر للتكلفة والعائد، والاتفاق في ظروف الاضطرار؛ وهو النمط الذي يُقبل فيه الاتفاق عندما لا يؤدي استمرار المقاومة إلى زيادة أوراق المساومة بل إلى تشديد الأضرار الوطنية.
جدول (١) النمط المفاهيمي لاتخاذ القرار في جمهورية إيران الإسلامية في مواجهة ملفي القرار ٥٩٨ واتفاق البرجام
| المرحلة | ميزات المراحل | قرار مجلس الأمن ٥٩٨ | الاتفاق النووي (برجام) |
| ١. المقاومة الأولية | تصور إمكانية النصر، الإيمان بكفاءة استراتيجية المقاومة، استمرار عدم الثقة بالغرب، اعتبار التسوية بمثابة تهديد، إضفاء المشروعية على التكاليف والصمود. | عدم قَبول القرارات السابقة والامتناع عن قَبول القرار ٥٩٨ في عام ١٣٦٦ أملًا في النصر العسكري، شعار الحرب الحرب حتى النصر، التأكيد على الإطاحة بصدام. | المقاومة تجاه تعليق التخصيب، رفض المفاوضات المباشرة مع أمريكا، الإصرار على “الحق المسلم به في الطاقة النووية” حتى عام ۱۳۹۲، تطوير أجهزة الطرد المركزي والتخصيب بنسبة ٢٠٪. |
| ٢. التقييم المتأخر للتكلفة والعائد | تشكل رؤية أكثر واقعية، زيادة الشكوك تجاه استمرار استراتيجية المقاومة، بروز عبارات مثل مصلحة النظام، بدء التحول الخطابي مع استمرار التردد في العبور من المواقف السابقة. | بعد سقوط الفاو، وعمليات القصف الكيميائي في الجبهة الجنوبية، وإسقاط طائرة الركاب الإيرانية من قِبل أمريكا، وزيادة الهشاشة؛ تحرك النخب المقررة تدريجياً نحو مراجعة أكثر واقعية للتداعيات. | بعد العقوبات على النفط والبنك المركزي، وزيادة التكاليف والعزلة الاقتصادية؛ طُرحت سياسة “المرونة البطولية”. |
| ٣. التوافق في ظروف الاضطرار وفقدان أوراق المساومة | إدراك تآكل القدرات، زوال أوراق الضغط، تقليص الخيارات، الإجبار الاستراتيجي على قَبول الاتفاق بوصفه الطريق الوحيد لكبح الأزمة، إنهاء اللعبة بأوراق ضعيفة. | قَبول القرار أو تجرع كأس السم يحدث عندما يضطر النخب، مع فقدانهم للأوراق الرئيسية، لقَبول اتفاق لا مفر منه لمنع تداعيات أكثر شدة. | بعد تشديد العقوبات الساحقة، وانخفاض الاحتياطيات من العملات الأجنبية، والاستياء الاجتماعي، والإجماع الدولي ضد إيران؛ قَبِل النخب تدريجياً الاتفاق لا كامتياز بل كضرورة لا مفر منها. |
- الخلاصة
سعت هذه الورقة، بالتركيز على الدراسة المقارنة لملفين استراتيجيين هما قَبول القرار ٥٩٨ إيقاف الحرب العراقية الإيرانية والاتفاق النووي (برجام) -اللذان يُعتبران تجربتين باهظتي الثمن وحاسمتين في السياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية- إلى تفكيك مسار ومنطق اتخاذ القرار في السياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية في هذين الملفين.
وعلى الرغم من الاختلافات الأساسية بين هذين الملفين من حيث طبيعة الأزمة، ونوع الفاعلين، والسياقات المؤسسية، والظروف الزمنية، فإن عملية اتخاذ القرار في كلتا الحالتين قد اتبعت منطقاً متشابهاً نسبياً؛ وهو المنطق الذي يمكن صياغته في قالب نمط ثلاثي المراحل. وفي كلا الملفين، تشكلت عملية اتخاذ القرار، أكثر من كونها قائمة على تقييم مستمر واستشرافي للتحولات في البيئة الدولية، تحت تأثير الخطاب والروايات المهيمنة الحاكمة، والتي تسببت في تأخير المراجعة الاستراتيجية، وسجلت انتقال اتخاذ القرار إلى مرحلة بات فيها نطاق الخيارات السياساتية أكثر ضيقاً وتكاليف كل اختيار باهظة ومضاعفة.
وتُظهر نتائج البحث أن فهم السياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية دون الاهتمام بدور إدراكات النخب يقدم صورة ناقصة واختزالية. ففي كلا الملفين الخاضعين للدراسة، أدى نمط إدراك النخب للتهديد والفرصة والقيود دوراً حاسماً في استمرار الوضع الأولي، والتأخير في تقييم التكلفة والعائد، وقَبول الاتفاق في نهاية المطاف في ظروف اضطرارية.
وبعبارة أخرى، لم يكن قرار الاتفاق مجرد نتاج للتغييرات الموضوعية في ميزان القوى، بل كان نتيجة للتفاعل بين الوقائع الميدانية وطريقة تفسير هذه الوقائع من قِبل النخب المقررة للقرار. ومع ذلك، فإن نتائج هذا البحث تقتصر على هاتين الحالتين المحددتين، وسيتطلب تعميمها على مجالات أو فترات أخرى من السياسة الخارجية الإيرانية إجراء دراسات تكميلية ومزيد من الدراسات الحالية. ومن هذا المنظور، لا تمتلك نتائج هذه المقالة قابلية التعميم بوصفها نمطاً عاماً وعابراً للزمن لكافة أزمات السياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية، بل يمكن استخدامها كإطار تحليلي لفهم الأزمات المشابهة.
- الشكر والتقدير
يرى المؤلفون أن من واجبهم التقدم بالشكر والتقدير لكلية الدراسات العالمية بجامعة طهران، لتوفيرها الأرضية المناسبة للبحث في هذا الموضوع.
- بيان عدم وجود تضارب في المصالح
يعلن المؤلفون عدم وجود أي تضارب في المصالح، وأنه قد جرت المراعاة الكاملة لجميع مسائل أخلاقيات البحث، بما في ذلك تجنب الانتحال العلمي (السرقة الأدبية)، أو النشر و/أو الإرسال المتعدد للمقالة، وتكرار بحوث الآخرين، واختلاق البيانات أو تزويرها، واصطناع المصادر وتزويرها، والموافقة غير الواعية للشخص أو موضوع البحث، وسوء السلوك، وما إلى ذلك.
الترجمة الحرفية لقائمة المراجع والوثائق (References) كما وردت بالإنجليزية في الأصل:
- شبكة سي إن إن. (2012). وزير مالية إيران: ثقوا تماماً أسعار النفط القياسية تتجاوز العقوبات النووية.
- دارابي، أ؛ أحدي، أ. (2017). الإعلام، السياسة الخارجية، وبناء الإجماع في البرنامج النووي الإيراني: دراسة مقارنة. فصلية العلاقات الخارجية، 9(1)، 33-67. [بالفارسية]
- دهقاني فيروز آبادي، س.ج؛ آكاهي، أ. (2022). نهج المصلحة في اتخاذ قرار السياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية؛ فحص عملية اعتماد قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة ٥٩٨. بحوث السياسة الإسلامية، 10(22)، 62-111.
- دجبسند، ف؛ رؤوفي، هـ.ر. (2008). اقتصاد إيران خلال الحرب المفروضة. مركز الحرس الثوري للوثائق وبحوث الدفاع المقدس. [بالفارسية]
- دروديان، م. (2016). تحليل حرب إيران والعراق: مقدمة لنظرية. مركز وثائق وبحوث الدفاع المقدس. لم يتم العثور على عنوان إنجليزي رسمي.
- دروديان، م. (2017). تحليل حرب إيران والعراق. مركز الحرس الثوري للوثائق وبحوث الدفاع المقدس. [بالفارسية]
- دروديان، م. (2023). نقد ومراجعة حرب إيران والعراق (المجلد 5). مركز الحرس الثوري للوثائق وبحوث الدفاع المقدس.
- دروديان، م. (2024). نظرة على دروس وإنجازات الحرب: مقابلات مع القادة والمسؤولين. مركز الحرس الثوري للوثائق وبحوث الدفاع المقدس.
- هاشمي رفسنجاني، أ. (2010). مذكرات وسجلات عام 1987: الدفاع والسياسة (تحرير أ. هاشم). منشورات معارف الثورة. لم يتم العثور على عنوان إنجليزي رسمي. [بالفارسية]
- هاشمي رفسنجاني، أ. (2010). مذكرات وسجلات عام 1988: نهاية الدفاع، بداية إعادة الإعمار (تحرير أ. هاشم). منشورات معارف الثورة. [بالفارسية]
- هوبف، ت. (2018). التغيير في الممارسات الدولية. المجلة الأوروبية للعلاقات الدولية، 24(3)، 687-711.
- مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني. (1988). رسالة إلى الأمة الإيرانية في ذكرى مجزرة مكة وقَبول القرار ٥٩٨. [بالفارسية]
- جعفري، م. (2014). الحرب المفروضة من العراق ضد إيران من منظور الإحصاءات والأرقام. معهد الدراسات والبحوث السياسية. [بالفارسية]
- جمشيدي، م. (2013). العقوبات؛ أداة الولايات المتحدة لتغيير الحسابات النووية الإيرانية. فصلية الدراسات الاستراتيجية، 16(62)، 119-156.
- جارفيس، ر. (1976). الإدراك وسوء الإدراك في السياسة الدولية. مطبعة جامعة برينستون.
- مرسر، ج. (2010). المعتقدات الانفعالية. المنظمة الدولية، 64(1)، 1-31.
- مكتب حفظ ونشر آثار آية الله خامنئي. (2013، 20 نوفمبر). تصريحات في اللقاء مع خمسين ألفاً من قادة التعبئة (البسيج). [بالفارسية]
- بور سعيد، ف. (2016). منطق ومعايير تقييم خطة العمل الشاملة المشتركة (برجام). في برجام: السياسات، الإنجازات، والمتطلبات. معهد بحوث الدراسات الاستراتيجية.
- رناني، م. (2021). الاقتصاد السياسي للنزاع النووي الإيراني: مقدمة لمرور الحضارات. مطبعة (نو علم) العلم الجديد. [بالفارسية]
- رضائي، م. (2011). الحرب كما يرويها القائد: سلسلة محاضرات الحرب. مؤسسة حفظ ونشر قيم الدفاع المقدس.
- رونغكاس، س.ر؛ سليمان، ي. (2019). القادة، الإدراك، والسياسة الخارجية. مجلة أكاديميا براجا، 2(1)، 89-101.
- سميعي، م. (2019). إعادة التفكير في العلاقة التاريخية بين التحولات السياسية والتحولات الاقتصادية في إيران (1891-2018). رسالة بحث العلوم السياسية، 14(3)، 59-86.
- سميعي، م. (2025). الصراع على السلطة في عصر جمهورية إيران الإسلامية. نشر ني.
- شبوري، م. (2016). منطق ومعايير تقييم خطة العمل الشاملة المشتركة (برجام). في برجام: السياسات، الإنجازات، والمتطلبات. معهد بحوث الدراسات الاستراتيجية. [بالفارسية]
- سلطاني جارد فرامرزي، م؛ أشرفي، أ. (2018). مقارنة الخطاب النووي في السياسة الخارجية للحكومتين التاسعة والعاشرة مع خطاب الثورة الإسلامية. فصلية دراسات العلاقات الدولية، 11(42)، 103-131. [بالفارسية]
- مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. (1987). قرار مجلس الأمن ٥٩٨ (1987). المكتبة الرقمية للأمم المتحدة.
- وندت، أ. (1999). النظرية الاجتماعية للسياسة الدولية. مطبعة جامعة كامبريدج.
- ظريف، م.ج. (2007). مواجهة أزمة إيران والولايات المتحدة: الحاجة إلى تغيير البرادايم. مجلة الشؤون الدولية، 60(2), 73-94.
- ظريف، م.ج. (2024). نهابة الصبر (بايان شكيبائي): تأملات في ثماني سنوات من الوزارة. منشورات اطلاعات. [بالفارسية]
- ظريف، م.ج؛ صالحي، أ؛ عراقجي، أ؛ تخت روانجي، م.س. (2021). السر المختوم (ط. 3، المجلدات 1-6). طهران، إيران: نشر اطلاعات.
- رمضاني، ر. (2013). الاستقلال بدون حرية: السياسة الخارجية الإيرانية، منشور بواسطة: مطبعة جامعة فرجينيا.
- علائي، حسين. (2025). استراتيجيات إيران والعراق في حرب السنوات الثماني. طهران: الحرس الثوري الإسلامي، مركز توثيق وبحوث الدفاع المقدس.
- السامرائي، وفيق. (2022). حطام البوابة الشرقية (ترجمه للفارسية عدنان قاروني). طهران: الحرس الثوري الإسلامي، مركز توثيق وبحوث الدفاع المقدس.
حقوق الطبع والنشر (COPYRIGHTS) حقوق الطبع والنشر © 2026 محفوظة للمؤلفين.
نُشر بواسطة الجمعية الإيرانية للجغرافيا السياسية. هذه المقالة هي مقالة ذات وصول مفتوح يتم توزيعها بموجب شروط وأحكام رخصة المشاع الإبداعي نِسب المُصنَّف 4.0 الدولية (CC BY 4.0). ترجمه من الفارسية إلى العربية: حيدر المنصوري بموافقة خطية من المؤلف على الترجمة والنشر.




