الأحد 13 سبتمبر 2026 بيروت
النشرة البريدية
تحليل سياسي واقتصادي معمّق — بيروت
اشترك
13 سبتمبر 2026·بيروت النشرة
الملف الاستراتيجي
الأقسام النشرة
الأرشيف والخدمات
الرئيسيةالاحدث
الاحدث

١١ سبتمبر: ربع قرن غيّر العالم | بقلم د. بولا الخوري

كنت على البحر ذلك اليوم مع صديقي م.، وصوب الغروب وهممتنا للعودة الى المنزل أتى صديقنا ع. وهو الذي لا يقوم الا بسبحة واحدة طويلة، لا يتشمّس ولا يقعد حتى ليرتاح قليلاً. فمنذ قدومه يبدو آتياً بمهمة مستعجلة عليه انجازها للإقفال عائداً الى مهام أخرى، هذا ما يظهر بادياً في حركاته المتتالية والمتسارعة بانضباط وتكرار متشابه في كل مرة، بأدق الحذافير حتى اننا لم نعد ننتبه لوجوده ورحيله ونتركه لحاله. لكنه في ذلك اليوم حيّانا بصوت مرتفع من بعيد فالتفتنا اليه متعجبين، وما ان وصل الينا حتى رمى شنطته بجنبنا ووقف صامتاً فوق رأسينا ونحن ننظر اليه مترقبين شاهقي الرقبتين نحوه، فنطق أخيراً وقال بنبرة العاتب: الا تدرون ما حصل؟ نظرنا اليه، ثم الى بعضنا البعض، ومجدداً اليه، فأكمل للتو: لقد خرقت طائرتين ناطحات سحاب في نيويورك ودمرت أخرى البنتاغون وما زال الحبل على الجرار.

تحدثنا معه قليلاً، وبالأحرى عالجناه برشق من الاسئلة التي لم تجد عنده الا إجابات تقريبية وأهمها ان كل القنوات التلفزيونية والإخبارية أوقفت برامجها ولا تتحدث الا عن هذا الموضوع. لملمنا اغراضنا وعدنا الى منازلنا وقد عرفنا من صديقنا على الأقل أن الطائرات مخطوفة ويقودها “ارهابيون” ربما عرباً .

هذا ما كنت افعله يوم الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١ وهكذا عرفت بالخبر ككل انسان على وجه هذه البسيطة لا زال يتذكر بأدق التفاصيل ما حدث معه يومها، حتى لو كانت ذاكرته معدومة العافية كذاكرتي انا.
عدت الى المنزل، وبعد “الشاور” الذي لا أضحي به مهما كان السبب حتى لو كان “ناين إلاڤين”، لأجلس بعدها حتى ساعة متقدمة من الليل أو من الفجر اتنقل من شاشة الى اخرى على قنوات الساتلايت العربية والاجنبية، حتى فهمت كل شاردة وواردة في هذا الحدث الجلل.

لكن بعد أيام، او أسابيع، او أشهر وقعت بالصدفة اثناء مشاهدتي التلفزيون على مشهد يبدو سينمائياً للوهلة الأولى لأنتبه بسرعة انه وارد في النشرة الإخبارية، رجل قادم من عمق الشاشة ممتطياً حصاناً يتقدم بخيولة وتعالٍ نحو مقدمة الشاشة فبدأت شيئاً فشيئاً اميّز شكل الرجل المعتمر كوفية ومرتدياً جلباباً، هذا بن لادن! قلتها ربما انا والمذيعة في الوقت نفسه.
تصادم المشهدان في رأسي؛ مشهد الطائرة التي خرقت البرجين التوأمين في نيويورك ومشهد الخيّال الذي يخترق شاشاتنا، وقلت في نفسي للتو لقد دخلنا القرن الواحد والعشرين، وأعقبتها بالقول: لقد انتهى القرن العشرون. فالمشهدان متضادان إن قصد بن لادن إثارة هذا التضاد ام لا، حين أراد بشكل ما أن يقول للأميركيين: “اننا نحاربكم بوسائلكم فيما نبقى على وسائلنا”: الخيل العربي الاصيل بدلاً من الدبابة او الطائرة وكل الوسائل الحربية الحديثة، كما السيف بدلاً من المسدس.

بمعنى ما فإن المشهدان يعبران عن واقع يتخطى حكام اميركا وحركة بن لادن. فالعصر يعلن بصراحة عن لونه: تعايش نمطين متضادين بالمطلق ليسا بالضرورة من فعل بن لادن والولايات المتحدة وحسب، ونختزلهما كثيراً إن قلنا ذلك .لقد دخلنا قرناً جديدا وغادرنا قرناً ماضياً وهذان حضرا بذهني كفعلين اثنين وليس واحداً، وليسا أيضاً كفعلين على علاقة بالزمن أو بتغييرات سياسية أو صراع حضارات أو غير ذلك من التحليلات التي قد تكون واقعية جداً ومصيبة، بل ما أحسسته آنذاك اكثر مما عقلته هو اننا إزاء تحول تاريخي، سلوكي، فكري، إدراكي، واجتماعي عميق وعنيف كالزلزال، يجعلنا نتعرى من كل ما نعرفه عن انفسنا سابقاً روحاً وجسداً وفكراً.

وها نحن، تأكيداً لصحة حدسي وأظن حدس الكثيرين عبر العالم مثلي، وبعد ربع قرن نعلن لأنفسنا ببساطة أننا اخترعنا ذكاء أذكى منا بكثير قد (بل على الارجح) يقضي علينا في السنوات العشر القادمة!
كان يزعجني دائماً انطلاقاً من حدسي هذا حين أسمع بالسياسة او في الاجتماعيات او بأي شأن من شؤون حياتنا اليومية تشابهاً في القول والتفكير والسلوك مع ما كنا نؤتيه في القرن العشرين، فأقول في نفسي او مباشرة لمحاوري: الا تعي اننا لم نعد في القرن العشرين لقد دخلنا القرن الواحد والعشرين؟ أظن انني أظلم الآخرين بذلك فكم انا نفسي ما أزال في القرن الماضي واحنّ اليه في الوقت نفسه.

لكن القرن الماضي هو الذي أنجب هذا المسخ، هذا الساحر. هذا القرن المغري والمخيف، قرن الثقة بالنفس بل الاعتداد بها وشعورها على العكس بصغرها إزاء معرفتها لحظة بلحظة بإنجازات الآخرين. قرن الحرية المطلقة المتاحة لأي انسان وأسوا اشكال الاستغلال بل الاستعباد حتى للنساء والأطفال. نتحدث عن حماية الطبيعة والبيئة كما لم نفعل يوماً وفي جميع أصقاع الارض وحيث لم نتصور ذلك على الإطلاق قبلاً، فيما ندمّر الارض والحيوانات ونلوث الهواء والمياه أكثر بكثير مما فعلنا يوماً… وقس على ذلك.

وها نحن نعيش مع هذه التناقضات بقدرات أكثر وأكثر تفنناً في التكيف المتواصل، بعضنا يجنّ بالتأكيد والأمراض النفسية في تزايد ملفت خاصة بين الشباب بسبب ضبابية المستقبل. لكننا على العموم ننجح في ما يسميه المعالجين النفسيين تقبل التناقضات والمفارقات التي تواجهنا في الحياة والتعايش معها، وملفت بهذا الصدد تفاقم عدد الخبراء مقدمي النصح في هذا المجال في كتب ومنشورات وصفحات على وسائل التواصل، وهم بالكاد اتبعوا دورات قصيرة لما يسمى بالتطوير الذاتي. فهذا القرن بحاجة لأنبيائه وعلى النقيض أيضاً لدجاليه.

دعوني أكون محامي الشيطان لبرهة، بن لادن كان آخر أبطال القرن العشرين الذي انتفض لكرامة ثقافته ودينه ووطنه لكن ايضاً لنفسه ولرفاقه الذين عملوا مع الأميركيين في أفغانستان قبل ان يتخلى هؤلاء عنهم، على عادتهم. ومات أيضاً كبطل لاحقته دول العالم أجمع بأحدث وسائل التجسس لسنوات قبل ان يشي بهم أحدهم، او ربما هو من سلم نفسه ليموت بعد ان استحال عليه اي فعل كان يؤمن به. حين نظرت في صورة زعماء العالم يشهدون عملية اغتياله لحظة بلحظة على الشاشة كم بدوا لي وضعاء، جعل منظرهم هذا منه على الاقل بطلاً بلا جهد كبير منه.

لكن بن لادن كان ارهابياً، ولا اضع التعبير هنا بين مزدوجين لأن هناك حركات سياسية ارهابية في أيديولوجيتها وتعريفها لنفسها وهي تاريخية وظهر العديد منها في العالم خاصة في أوروبا في القرن العشرين، ويجب التعامل مع طروحاتها وتصوراتها بشكل موضوعي وعلمي وليس كما حدث في ما سمي بـ “الحرب على الإرهاب” التي كانت بالأحرى عذراً لكل الغايات الاخرى وربما أتى الإرهاب والإرهابيين في آخر لائحتها. فأرهبت المجتمعات وخلقت عدوات بين الجماعات والثقافات والديانات أكثر مما حاربت الإرهاب أو حمتنا من الإرهاب.

كان بن لادن إرهابياً وحامل نقمة، اي انه أراد الانتقام، لكنه كان قصير النظر مستعجلاً ككل الإرهابيين والمنتقمين بالرغم من الحكمة شبه الكونية: طبق الانتقام يؤكل بارداً!

كان كذلك لأنه ابن القرن العشرين، ابن عصر السرعة وأفكار البطولة الذكورية، وكان من تربية الأمريكيين كذلك، وخاصة بفضل أفلامهم التي كان بلده الأكثر استهلاكاً لها، والتي كانت تنتهي بالنهاية السعيدة الشهيرة التي يكون فيها البطل رابحاً على الدوام، لأنه صاحب حق. وأظن أن بن لادن كان شديد الاعتقاد بأنه صاحب حق ورابح بالضرورة. لكن لسوء حظه فعلها على الطريقة الأميركية وهم يبزّونه فيها. حتى فارسه مثّل الكاوبوي العربي، ولم نر كاوبوي يُهزم مهما كان عديد أنصاره بسيطاً وعدوه قوياً والمصاعب شبه المستحيلة التي عليه تخطيها. حتى إنه أُنتج حول هذه الفكرة مسلسل وفيلم لدى الأميركيين: “مهمة مستحيلة” التي لا تبدو مستحيلة أبداً في النهاية، وما زالت هذه الأفلام تنتج حتى اليوم.

الحقيقة كما نراها الآن وبعد ربع قرن، أن التصور الطوباوي لإبن لادن مثله مثل أي تصور طوباوي آخر لن يتحقق، كما ولحسن الحظ أيضاً لم تتحقق نبوءة هنتنغتون الأميركي حول صراع الحضارات بالرغم من كل المظاهر، الحروب، الاجتياحات، والإرهاب، فما يجري فعلاً هو حوار الحضارات وإن كان في طور المخاض الصعب وتعمينا عن رؤيته غبار الحروب وخطاباتها السميكة والخانقة.

دليلي على ذلك هو المعرفة الكونية التي تتوسع بسرعة اليوم بالإسلام وتاريخه ونمط حياة مجتمعاته بالرغم من النقمة العالمية العارمة على “الإرهاب” الإسلامي، ذلك أن هذه المجتمعات ما زالت تحتفظ بالكثير من القيم وأشكال التعاضد والنخوة التي ربما يقال فيها تقليدية عشائرية أو متخلفة، لكنها لا شك تذكّر من يعيشون في العالم الرأسمالي بقيم إنسانية يعرفونها لا بل ما زال الكثيرون يمارسونها في حياتهم، خاصة في البلدات البعيدة عن المركز أو في الأرياف.

 أعجب منذ سنوات برؤية عدد الناس الذين أصادفهم في المواصلات العامة من غير العرب ومنهن أوروبيون يمسكون القرآن ويقرأونه، ونعلم أن المسلمين يتيحون للأجنبي أن يحفظ القرآن دون فهمه كي يصلّي، فها هم يريدون المعرفة وتعلم اللغة للمعرفة. وما اتضح أخيراً هو أن الإرهابيين الإسلاميين لم يكونوا يعرفون دينهم بل تحويرات له ولّفها بعض الدعاة المارقين، والأخطر أنهم لم يكونوا يعرفون ثقافة المجتمعات العربية وتاريخ فكرها وأدبها ونضالاتها الاجتماعية، مثلهم مثل كثر من الأوروبيون، والاثنان يظنان أن العالم العربي يختصر بالدين أو الأديان.  لكنني كنت أصادف أيضاً ولحسن الحظ من يقرأ كتباً عربية مبسطة أو للأطفال لتعلم اللغة.

بالطبع لا يتوقف الأمر عند ذلك بل بدروس اللغة والفقه الجامعية والأبحاث الجامعية في مجالات متعددة يتميّز بها الشبان والشابات العرب المنتشرين في العالم بسبب الهجرات المتتالية للعائلات العربية هرباً من الحروب الرأسمالية الاستعمارية في أرضهم والفقر الذي تؤتيه حتى اليوم ومنذ أكثر من قرن. هؤلاء وهاتي يتوجهون الى القارئ الغربي بلغته ومن منابع ثقافته، ولا ننسى بالتأكيد المتخصصين بهذه الثقافة من أصول غربية الذين يقدمون من سنوات بل عقود وقرون معارف مميزة وغنية عن العرب وأراضهم والتي تعاد قراءتها اليوم والعمل على أبحاث جديدة مبنية عليها أو مناقضة لها.

أصبحت بلدان العرب أيضاً بتاريخها ومعاشها وأنماط حياتها، موضوعاً اعلامياً بامتياز ليس فقط بسبب الحروب أو الإرهاب أو التعصب الغربي، بل لإن إرهاب بن لادن وضع الموضوع على بساط البحث الكوني. هذا قول حق، لا نشكره عليه لأن فكره كان شمولياً إرهابياً، معادياً حتى الإفناء لكل المسيحيين واليهود والشيع الأخرى في الإسلام بمن فيهم السنة الذين لا يتبعون سنته.

وقد قال كارل ماركس ما مفاده أن الناس في اجتماعهم يؤتون أفعالاً غالباً ما تؤدي الى عكس مقاصدهم الأصلية.

كذلك، ألم نتساءل لماذا أنضوى العديد من الشبان والشابات الغربيين في مشاريع الدولة الإسلامية وذهبوا الى بلدان المشرق للحرب الى جانب المقاتلين والعيش معهم أو الزواج بهم؟ صحيح أنهم اكتشفوا بعدها الوجه الآخر البشع للجنة التي وُعدوا بها خاصة إزاء معاملة النساء. لكن ذلك كان حدثاً غير اعتيادي لا بل تاريخي وإن حاولت السلطات الغربية تبسيطه باعتباره فورة وغلطة شبابية من فعل أفراد يعانون أمراض نفسية جرى التلاعب بعقولهم من قبل الإسلاميين الإرهابيين. كم كانت مفاجأتي حين شاهدت فجأة على التلفزيون الفرنسي برنامج من منزل عائلة يهودية فرنسية ذهب ابنهم الى الشام للانضمام للإسلاميين. لم يرض الأم والأب إظهار وجهيهما على الشاشة، ولنا أن نتخيل مدى العار الذين يشعرون به إزاء طائفتهم اليهودية وأقاربهم وأصحابهم مما فعل ابنهم. المهم أن الحادثة ليست استثنائية بين العائلات اليهودية الفرنسية كما يستنتج مقدم البرنامج في خاتمته.

يهودٌ يا عالم ذهبوا ليحاربوا مع الإسلاميين! ألم يتغيّر العالم بل انقلب رأساً على عقب؟ لن أتحدث هنا عن مدى معاداة الكثير من اليهود والإسرائيليين اليوم عبر العالم للدولة اليهودية في فلسطين بعد ما فعلته بالفلسطينيين واللبنانيين وعدد من سكان جوارها، هؤلاء أنفسهم الذين كانوا يشكلون القاعدة البشرية الواسعة للوبي دولة إسرائيل العالمي!

لقد زهق شبان الغرب من مجتمعاتهم الاستهلاكية، من غياب الحرارة الإنسانية في العلاقات والعمل، من ضغط الحياة اليومية في ظل تسارع المنافسة على العمل والسكن وأحياناً لقمة العيش، وذهلوا أيضاً من تدخلات بلدانهم في العالم بدون نتيجة يُعتد بها والأهم بكوارث القتل المجاني والخراب. فكانوا يبحثون عن جنة على الأرض بالفعل، قدمها لهم من كانوا يعتقدون بطوباوية او خطط جهنمية أنهم في طور خلقها.

لكن شبان العرب وخاصة شاباته تعلموا أيضاً من الحريات الشخصية والسياسية وحرية القول والتحرك التي يعيشونها أو يعرفونها عن الغرب. الأمر ليس جديداً وكان أثرّ في حركات اجتماعية واسعة لا بل ثورات اجتماعية وسياسية في الدول وآخرها الثورات العربية، التي كانت لها هي بدورها تأثيرات كونية وعرفت شباب العالم على شباب العرب. إن هذا التأثير يحدث منذ أكثر من قرن بفضل الأدب والكتابات البحثية أيضاً التي نهل منها العرب وترجموها وحوّلوها الى حركات سياسية واجتماعية وأفكار والأهم عبر تطبيعها لتلائم ثقافتهم. وهذا ما لا يجب الاستخفاف به بفعل ما أصبح عليه العرب اليوم من تطور فكري ومعرفة عميقة بالثقافات العالمية وتحديات العصر، وخاصة الشباب منهم بحكم انتشارهم في أصقاع العالم.

ما يجري اليوم يمكن أن تسميته على ما أظن حوار الحضارات لا صراعها، ويجري بشكل نشط وفعّال عبر العالم، تسهله بلا شك وسائل الإعلام والتواصل الالكترونية بما فيها الذكاء الاصطناعي الذي يسرّع كثيراً من اكتساب المعرفة، بل يجعلها غبّ الطلب. هناك اليوم تضامن عالمي واسع، تبادل للخبرات والمعارف خاصة المعارف التقليدية التي كانت مهملة سابقاً، وأهمها مهارات النساء التقليدية وانتاجهم الاقتصادي الذي لم يتم يوماً الحديث عنه أو إحصاءه الا فيما ندر، مع العلم أنه يشكل جزءاً كبيراً من اقتصاد الدول الفعلي وهو صحي ورفيق بالبيئة وبكل عناصرها.

تلعب الحركات البيئية والمنظمات الإنسانية المحلية والعالمية، التي يتزايد وزنها في عصر التكنولوجيا الرقمية والانفتاح والحشرية للمعرفة، دوراً كبيراً في تعزيز حوار الحضارات، إذ تطرح على بسط البحث بشكل جذري كل ما انتجته الرأسمالية المتوحشة من مضار للإنسان وبيئته، وللمصير المشترك الذي يجمع البشر أو يهددهم جميعاً، عدا اكتشاف التشابه فيما بينهم وأنهم بنهاية المطاف لا يختلفون عن بعضهم البعض، أو أن الفروق بينهم هي وضعية وليست وجودية. وما ازدياد حركات التعصب خاصة بالغرب الا خوفاً من هذا التطور الملحوظ بالذات.

إذا لم يقض علينا الذكاء الذي اخترعناه “أذكى منا بكثير”، أو – يا رب.. كان إبلهاً وليس ذكياً بقدر اعتقادنا! هذا ما يظنّه بعض الباحثين، أو إذا ما أصبح انساناً مثلنا – يا رب نجنا! إذن إذا ما بقينا أحياءً ولم تصبح الآلة انساناً في القريب العاجل، قد ينجح الرهان على حوار الحضارات بدل من صراعها المخيف كما نشهد اليوم عبر العالم وفي شرقنا المتوسط بشكل خاص.

الا تعجبون مثلي أن العالم مهدد بالفناء والخبر مطروح بشكل جدي ومن قلب ماكينة الذكاء الاصطناعي نفسها وخبرائها أنفسهم ولا يوقفون هذه الحرب؟

أيظنون أننا ما زلنا نعيش في القرن العشرين؟!

mm
عن الكاتب د. بولا الخوري باحثة وصحافية في علم الاجتماع د. بولا الخوري، باحثة مشاركة في مركز التحليل والتدخل الاجتماعي CADIS في معهد الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية في باريس EHESS - CNRS. لدى الخوري خبرة لأكثر من 20 عاماً كعالمة اجتماع وصحافية، حيث تساهم في تعميم نظريات العلوم الاجتماعية في الصحافة بغية جعلها بمتناول الجمهور غير الأكاديمي.
تبحث عن المزيد؟