الاحدثالصورة الكبيرةقراءات معمقة

كابوس الإمبراطوريات البحرية الجريحة وتهورها. استراتيجية التآكل التدريجي للنجاة في ظل حتمية الصدام (4-4) | بقلم حيدر المنصوري

الجزء الرابع: الإنتقال إلى القرصنة والتهور لمواجهة كوابيسها، واستراتيجية انتظار التقزيم التدريجي للتصدي لها.

في بحث سابق ذكرتٌ جوهر الصراع الجيوسياسي بين القوة البحرية (Thalassocracy) و القوة البرية (Tellurocracy) وكابوسها الأكبر هو خسارة المضائق. فالإمبراطوريات البحرية (مثل بريطانيا سابقاً وأمريكا حالياً) تعتبر المضائق نقاط تفتيش مالية، فهي لا تسيطر على المضائق (هرمز، ملقا، باب المندب، السويس) عسكرياً فقط، بل تٌحوِّلها إلى مراكز مقاصة مالية.

بما أن التجارة تمر عبر البحر، فأنت بحاجة لتأمين بحري، وهذا التأمين يُدفع بالعملة المهيمنة. والسيطرة على المضائق تضمن أن تظل السلع الأساسية (النفط، الغاز، المواد الخام) مسعرة بعملة الإمبراطورية (البترودولار حالياً)، مما يجبر العالم على تخزين هذه العملة.

التوافقات البرية هي عدو هذا النوع من الإمبراطوريات، التي تستخدمها الدول للإلتفاف على هذه القوة البحرية -مثل مشروع الحزام والطريق الصيني، أو ممرات التجارة عبر أوراسيا بين روسيا وإيران والهند.

وهذا يمثل تهديداً وجودياً للإمبراطوريات المنهارة، لأنها تكسر الحصار، وتقلل الحاجة للعملة المهيمنة. إذا تم نقل البضائع عبر السكك الحديدية والأنابيب برياً، تفقد الأساطيل البحرية قدرتها على خنق اقتصاد الخصوم عند المضائق. وتفقد العقوبات فاعليتها.

قوة لا يمكن التنبؤ بأفعالها والتضحية بالأتباع و الحلفاء لضمان البقاء:

كما ذكرت في بحوث سابقة ظهور ما يسميه علماء السياسة الدولية معضلة الأمن العالمي في عام 2026. عندما تشعر القوة المهيمنة أن بساط الصدارة يُسحب من تحت قدميها، فإنها غالباً ما تنتقل من القيادة بالإقناع إلى القيادة بالإكراه، وهو ما يحولها بالفعل إلى قوة لا يمكن التنبؤ بأفعالها.

الواقعية الهجومية:

وتنتقل إلى بلطجة النظام الدولي الحالي أو ما يسميه الأكاديميون الواقعية الهجومية، فالولايات المتحدة لن تتخلى عن أحاديتها طوعاً، بل تستخدم أدوات القوة الخشنة لإبطاء تدهور نفوذها. وستستخدم القرصنة البحرية للسيطرة على البحار والمحيطات عبر المضائق لفرض استخدام الدولار كسلاح وهو أكبر أدوات الغطرسة الأمريكية، كعادتها ستستمر في تحويل الدولار إلى سلاح سياسي (Sanctions) في فرض العقوبات. والسيطرة على المضائق لفرض تداوله.

تلجأ القوى العظمى و الأنظمة المنهارة عندما تدخل في مراحل ضعفها (الإمبراطورية الجريحة) وتتقلص مواردها، وتزداد ديونها، تلجأ إلى التضحية بأتباعها و حلفائها، وأخيرا ينتقل لكوادرها الداخلية بدءا بالمنتقدين لسياساتها، لضمان بقائها لفترة أطول.

عندما تبدأ الإمبراطوريات بالانهيار، تزداد حاجتها للأموال والموارد لتغطية نفقاتها، وتفقد قدرتها على التوسع، وتقل رغبة حلفائها بالإستثمار الداخلي في إقتصادها. مما يدفعها إلى استنزاف المناطق والأتباع الخاضعين لها و التضحية بمن خدمها طويلاً لتمويل أزماتها. حيث تبدء سقوط المبادئ والشعارات التي كانت ترفعها. (وقد خصصت بحثاً كاملاً عن هذه المرحلة الأخيرة من عمر الإمبراطورية الأمريكية منشور على منصة Strategicfile.com).

تشير الدراسات التاريخية إلى أن الانحدار يتسارع عندما تبدأ الإمبراطوريات ترك شعارات سيادة القانون وتعتمد على منطق القوة المحض، مما يجعل الجميع، بمن فيهم الأتباع، ضحايا لبطشها عبر التاريخ.

ليس هناك شيء أكبر من أن ينهار Too big to Fail

التاريخ شهد إنهيار إمبراطوريات كبرى لهذه الأسباب حيث أدى ضعفها وتراكم ديونها إلى تفكك ولاءات أتباعها.

ويتحول أكل الأتباع أولاً هو العرض النهائي لهذه الإمبراطوريات لإخفاء الخوف والضعف الذي تعيشه، حيث يصبح البقاء لديها هو الهدف الوحيد على حساب الولاء.

تتناول الساحة السياسية والاقتصادية مؤخراً قراءات تؤكد هذا المسعى بدءاً بتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي غالباً ما تُغلف بطابع ساخر أو مهرج في نظر البعض، لكنها في جوهرها تحمل استراتيجيات جيوسياسية قاسية.

تتمحور حول تحويل القوة البحرية الأمريكية إلى أداة لفرض رسوم عبور في الممرات المائية الدولية، وعلى رأسها مضيق هرمز، كخطة أخيرة لإنقاذ الدولار من الانهيار. وتتحول الأساطيل الأمريكية من شرطي العالم إلى جابي الضرائب. أو حتى السماح للأخرين بجني رسوم بشرط أن تكون بعملتها لضمان الهيمنة وتداول عملتها.

الولايات المتحدة تغير استراتيجية حرية الملاحة:

لطالما اعتمدت الولايات المتحدة استراتيجية حرية الملاحة لتبرير وجود أساطيلها في كل مكان. لكن الطرح الجديد الذي يتبناه الاستراتيجيون الأمريكيون في السياسة الواقعية التي تفرض نفسها بقوة على المشهد يقلب الآية، فبدلاً من تقديم الحماية كخدمة مجانية لضمان تدفق التجارة العالمية، مقابل إعتماد الدولار كعملة عالمية، يلوح الآن منطق الدفع مقابل العبور أو الحماية. والتهديد بعواقب رفضها حتى لو ثبت عدم جدواها.

إن التهديد بفرض رسوم على مضيق هرمز ليس مجرد نكتة عابرة، بل هو تحول بنيوي في العقيدة الأمريكية من دور الضامن للاستقرار إلى دور المستفيد المباشر من القوة العسكرية لحماية الدولار بالقرصنة القانونية، مع تصاعد قوة تحالفات اقتصادية مثل بريكس والتوجه العالمي نحو إلغاء الدولرة (De-dollarization)، يواجه الدولار الأمريكي خطر فقدان مكانته كعملة احتياط عالمية.

هنا تأتي خطة السيطرة على المضائق بالابتزاز الاقتصادي وإجبار السفن والناقلات على التعامل بالدولار الأمريكي حصراً لخلق طلب إجباري على الدولار عندما تُجبر الدول المصدرة والمستوردة للطاقة على حيازة الدولار لضمان مرور بضائعها من المضائق الحيوية، ينفتح سوق قسري للعملة الأمريكية يحميها من الانهيار.

وهنا يظهر دور صندوق النقد والبنك الدولي لتيسير القروض للدول المصدرة والمستوردة لتيسير أزمتها في ظل غلق المضيق. وكذلك تيسير قروض للدول الفقيرة والمتوسطة لمواجهة زيادة أسعار الحبوب، بسبب الحرب المشتعلة في البحر الأسود وقصف ناقلات الحبوب هناك، الذي ما كان ليتم لولا الضوء الأخضر من الولايات المتحدة. فمنذ متى يقوم هذان المصرفان الدوليان بتقديم قروض ميسرة لهذه الدرجة بدون شروط مسبقة، لمجرد أنها تتم بالدولار.

أزمة مضيق هرمز وباب المندب:

لا تبدو طارئة، بل كانت الولايات المتحدة تعلم جيدا ما ستفعله إيران إذا هوجمت، بل كانت في الواقع تعول عليه، لتبدء هي في المقابل بتنفيذ سياستها الرامية للقرصنة لحماية الدولار. وستنتقل هذه الأزمة للمضائق الأخرى كمضيق ملقا بين ماليزيا وأندونيسيا كما ذكرت سابقا. وربما حتى يصل الأمر لفرض حصار خانق على شركائها الأوروبيين حول مضيق جبل طارق. وهذا سيقود لعسكرة البحار والخلجان وتقييد المرور حسب الأقطاب التي تسيطر عليها.

وبالتالي سيقود لعسكرة التجارة في هذه الحالة، تتحول البحرية الأمريكية فعلياً إلى منظومة تشبه القرصنة المنظمة لكن بغطاء قانوني وسيادي، حيث يُمنع من لا يدفع أو من لا يستخدم الدولار من المرور.

يرى مراقبون أن ملامح هذه الخطة بدأت تظهر بالفعل من خلال تشديد القبضة على الممرات المائية في القارتين الأمريكيتين ومنع الصين من الإستثمار في باناما. وتعزيز الوجود العسكري في نقاط الاختناق البحرية.

إن الهدف هو إيصال رسالة واضحة -المجال البحري العالمي هو ملكية أمريكية- والوصول إليه له ثمن. ما يراه البعض تخبطاً أو نكاتاً من ترامب، قد يكون في الحقيقة خطة المهرج الجادة جداً. إنها محاولة لإعادة تعريف القوة الأمريكية في عالم متعدد الأقطاب، حيث لم يعد الإقناع الاقتصادي كافياً، فأصبح اللجوء إلى الإكراه الملاحي هو الوسيلة الوحيدة لإبقاء الهيمنة الدولارية على قيد الحياة.

أزمة دول الخليج: من الحماية إلى الإبتزاز الصريح والتهديد:

وليست هذه أول مرة يتبجح فيها ترامب بهذه السياسة فقد كانت منذ بداية حملته الانتخابية الأولى. الآن وبعد كل التريليونات التي أنفقتها دول الخليج خلال جولته الخليجية في أيار/مايو 2025، حيث ركز ترامب على تأمين استثمارات ضخمة (تجاوزت الأربعة تريليونات) مقابل استمرار المظلة الأمنية الأمريكية.

اليوم وبعد إتضاح فشلها في الحماية خلال الحرب الأخيرة، تغيرت الاستراتيجية من الحماية إلى التهديد والإكراه، فإن أي تخلٍ عن البترودولار من قبل دول المنطقة قد يعني رفع هذه المظلة أو فرض رسوم سيادية أمريكية على صادراتها النفطية.

وهذا ما هددت به الولايات المتحدة سابقا، حين أعلنت السعودية والامارات عن قبولها الدفع بعملات أخرى غير الدولار. فهي تتخوف أن يحل بها ما حل ببريطانيا في أزمة قناة السويس حين بدئت السعودية ببيع النفط بالدولار ورفضت الباوند الإنكليزي، فهي كانت مهندسة الأزمة في وقتها وهي من أجبرت بريطانيا على الانسحاب، راجع البحث المنشور على منصة Strategicfile.com.

ستجد دول الخليج نفسها في مأزق، فربط عملاتها بالدولار يحمي استقرارها المالي حالياً، لكنه يجعلها رهينة لسياسات واشنطن الابتزازية التي قد تؤدي لانهيار اقتصادي عالمي.

شركة أمنية للقرصنة:

إذا فرضت خطة حماية الدولار بالقوة، تتحول البحرية الأمريكية في عهد ترامب إلى ما يشبه شركة أمنية عالمية تتقاضى رسوماً مقابل المرور في الممرات التي كانت تعتبرها مياهاً دولية حرة.

بالنسبة لدول الخليج، هذا يعني أن اتفاقية البترودولار لم تعد مجرد تفاهم اقتصادي، بل أصبحت عَقد حماية قسري، حيث يُستخدم مضيق هرمز كأداة ضغط لضمان عدم انهيار العملة الأمريكية أمام المنافسين الآسيويين.

الحماية بالإكراه:

إذا نجحت هذه الاستراتيجية، فسنشهد عصراً جديداً تكون فيه البحار ساحة للجباية بقدر ما هي ساحة للتجارة وظهور عقيدة -ادفع للحماية- بالقوة والإكراه وليس الحاجة الفعلية. التداعيات الجيوسياسية بسبب ذلك ستؤدي لإعادة رسم الخريطة، وستقود لتفكك التحالفات. دول أوروبية وآسيوية قد تختار النأي بنفسها عن واشنطن لتأمين إمداداتها من قنوات خلفية، مما ينهي عصر القطب الواحد تماماً.

من المؤكد حدوث اضطرابات اجتماعية سيسببها  نقص الغذاء والطاقة الناتج عن توقف الشحن البحري والقصف المتبادل بين روسيا وأكرانيا الذي دفعت الولايات المتحدة أوكرانيا بإتجاهه، وقد يؤدي إلى موجات من الاحتجاجات وسقوط حكومات في العديد من دول العالم، بما في ذلك الدول المتقدمة.

كما ستلجأ كثير من الدول من القوى المنافسة للقرصنة المضادة بفرض مناطق حظر ملاحي خاصة بها، مما يحول البحار من مشاع عالمي إلى إقطاعيات عسكرية متناحرة، حيث لا تمر أي سفينة إلا إذا كانت تحمل هوية سياسية معينة. وهذا ما سنبحثه لاحقا كيف تقوم دول بريكس BRICS في التعاون في المجال العسكري وتأمين البحار.

إستراتيجيات النجاة والبقاء

 وهنا لابد لنا من الإشارة للاستراتيجيات التي يمكن للدول أن تتبعها بواقعية لتقليل الخطر الأمريكي كإمبراطورية أحادية جريحة متهورة لتجنب غضب غطرستها، فليس هناك دولة تريد أن تكون مُدَمَّرة في هذا الوقت بالذات، وبالتالي تكون في قائمة الطعام الذي سيوزع على هذه الطاولة. ولذلك لتتمكن الدول من تجنب هذا الغضب -كي لا تكون درسا تحاول هذه الإمبراطورية تلقينه للآخرين في آخر أيامها- فهي تحاول وضع واشنطن في حجمها الطبيعي ضمن النظام العالمي الجديد عبر إستراتيجيات النجاة الآمنة:

استراتيجية التحوط الجماعي (Collective Hedging):

تدرك الدول المتوسطة والقوى الصاعدة أن مواجهة أمريكا بشكل منفرد هي انتحار اقتصادي وعسكري. لذا، لابد من اللجوء إلى توزيع المخاطر بدلاً من وضع كل البيض في السلة الأمريكية.

تقوم دول مثل السعودية، إندونيسيا، والبرازيل ببناء شراكات أمنية وتقنية موازية مع الصين وروسيا وأوروبا، عبر الردع بالارتباط، وجعل تكلفة ضرب أي دولة عالية جداً على أمريكا. لأن ذلك سيؤدي لتضرر مصالح حلفاء آخرين أو انهيار سلاسل توريد عالمية تعتمد عليها أمريكا نفسها.

ورغم ما يعرضه الإعلام من إنزعاج خليجي من الهجمات الإيرانية عليها، لكن تدمير إيران للقواعد والمعسكرات الأمريكية في المنطقة -في الواقع- ساهم بشكل كبير في تخليصها من عبئ الإبتزاز الذي كانت تمارسه الغطرسة الأمريكية تجاه دول الخليج.

آلية تجريد السلاح المالي (De-weaponizing Finance):

البلطجة الأمريكية تعتمد بشكل أساسي على الدولار. والتكاتف الدولي الآن يركز على كسر هذه الحلقة، إذا اتفقت دول بريكس+ (التي تمثل الآن أكثر من 30% من اقتصاد العالم) على التبادل التجاري بعملة بديلة، فإن قدرة أمريكا على فرض عقوبات مؤثرة ستنخفض بنسبة 70%، مما يجعل عصاها الغليظة مجرد أداة رمزية.

الاحتواء الهادئ بدلاً من المواجهة الصدامية:

الدول الصاعدة تتجنب الدخول في حرب مباشرة مع القوة الجريحة لأن الجريح يضرب بعشوائية وعنف. بدلاً من ذلك، يتبعون سياسة الاستنزاف الجيوسياسي. ترك واشنطن تستنزف مواردها في صراعات مثل أوكرانيا أو توترات تايوان.

وجاءت حرب إيران في 2026 كضربة قاصمة لهيبتها التي علاوة على إستنزاف طاقتها ومواردها المالية فقد تحولت إلى حرب مذلة لذلك العملاق الجبار الذي كان يهدد بسطوته البحرية وقوته العسكرية المطلقة، بينما يعجز عن فتح مضيق، ويلجأ لخطط بديلة ويسميها (مهمات سرية) لإقناع السفن بالإستماع له لتهريبها خارج قبضة إيران على المضيق عبر إقناعها بإغلاق أجهزة التتبع كي لا تعلم إيران بموقعها، بعد أن كانت هي من تهدد السفن التي تغلق أجهزة التتبع لديها.

ثم جاءت تنقَّلاته في تهديداته من محو الحضارة إلى طرح مبادرات إنسانية للسماح للسفن العالقة بالخروج بسلام. وربما مناورة للحصول على تفويض الكونغرس للعودة للحرب والتخلص من الإذلال الذي وصلت إليه بسبب غطرستها، وهذا أمر تجده الإمبراطورية المتغطرسة لا مفر منه لإستعادة هيبتها. وخصوصا إنهيارها أمام قوة متوسطة مثل إيران وليس أمام دولة عظمى منافسة.

وبينما تنشغل أمريكا بهذه الحروب يتم بناء نظام عالمي موازٍ لإعتماد بنوك تنمية جديدة، طرق تجارة بديلة، عملة جديدة وتعاون في أنظمة المدفوعات ينمو ببطء حتى يجد الأمريكيون أنفسهم خارج اللعبة دون إطلاق رصاصة واحدة.

تحويل القطبية الواحدة إلى تعددية وظيفية:

عبر التكاتف -الذي ذكرتُه في عدة بحوث سابقة- يظهر تشكيل أقطاب لا تهدف لإزالة أمريكا من الوجود، بل لتقييد حركتها، عندما تتحد دول الخليج مع الهند والصين ومجموعة آسيان وكذلك إتفاقيات الدفاع بين السعودية وباكستان، وربما تنظم إليهم تركيا قريباً، في اتفاقيات طاقة ودفاع طويلة الأمد، فإنها ترسم خطوطاً حمراء لا تستطيع واشنطن تجاوزها دون خسارة حلفائها التقليديين.

كما يمكن للدول المتوسطة مثل السعودية ، تركيا، إندونيسيا، ماليزيا، مصر، باكستان، وإيران أن تشكل قطباً عالمياً أو إقليميا وظيفياً-قابل للتوسع- مستقلاً أو مؤثراً عبر التحول من دور التابع إلى دور المحرك. من خلال استراتيجيات جماعية تعزز استقلالها الاستراتيجي في ظل النظام المتعدد الأقطاب لعام 2026.وقد ذكرت في مقالة مفصلة كيف يمكن لهذه الدول إيجاد ضمانات سيادية فيما بينها لتعزيز وطمأنة المخاوف المتبادلة. بدل التقاتل فيما بينها، بينما عدوها الرئيسي يتفرج ضاحكاً.

خيار شمشون الأمريكي:

وهنا تبرز المخاطرة الكبرى، وهي خيار شمشون الأمريكي، الخوف الحقيقي في 2026 هو أن لجوء الدول للتكاتف قد يدفع القوة الجريحة إلى تبني سياسة عليّ وعلى أعدائي. لذا، فإن مهارة الدول الآن تكمن في كيفية تقزيم النفوذ الأمريكي دون استفزازها لدرجة إشعال حريق عالمي لا ينجو منه أحد.

الدول اليوم لا تحاول هزيمة أمريكا عسكرياً، بل تحاول إفقادها فاعلية أدواتها. فإذا لم يعد الدولار سلاحاً، ولم يعد الحظر التقني عائقاً، ستجد أمريكا نفسها مضطرة للقبول بحجمها كـدولة عظمى بين آخرين وليس شرطي العالم المتفرد.

الآليات التي يمكن للدول إتباعها هي:

سياسة تعدد الانحياز (Multi-Alignment)

تَبنِّي هذه السياسة بدلاً عن الانحياز لقطب واحد أمريكا أو الصين، أو عدم الإنحياز الذي كان أيام الحرب الباردة، تعمل هذه الدول على بناء شبكة علاقات متقاطعة تخدم مصالحها الوطنية، لخلق الموازنة الاستراتيجية اللاصدامية للحفاظ على شراكات أمنية مع الغرب مقابل روابط اقتصادية وتقنية قوية مع الشرق، مما يجعل هذه الدول بيضة القبان في النزاعات الدولية. لتجنب الاستقطاب ورفض تحويل أراضيها إلى ساحات صراع بين القوى العظمى والتمسك بقرارها السيادي في قضايا الموارد والتكنولوجيا.

التكتلات الصغيرة والهادفة Mini-literalism غير المستفزة:

إيجاد التكتلات الصغيرة والهادفة والتعاون عبر مجموعات مرنة وغير رسمية تركز على قضايا محددة لتجاوز الشلل في المنظمات الدولية الكبرى. مجموعات العمل هذه مثل مجموعة أوتاوا في منظمة التجارة العالمية، حيث تقود الدول المتوسطة حلولاً تقنية وتجارية عندما يعجز الكبار عن الاتفاق، يظهر التعاون الموضوعي وبناء تحالفات في مجالات أمن الطاقة، المناخ، والحوكمة الرقمية لفرض معايير دولية جديدة تعبر عن مصالح الجنوب العالمي.

تعزيز السيادة التكنولوجية والاقتصادية:

هذه الدول تسعى لتعزيز السيادة التكنولوجية والاقتصادية لتقليل اعتمادها على المنظومة المالية والتقنية للقطبين التقليديين كبدائل للنظام المالي والتوسع في استخدام العملات المحلية أو العملات البديلة ضمن تكتلات مثل بريكس (BRICS) التي توسعت في 2025 لتشمل 11 عضواً مؤثراً. بناء سلاسل التوريد المرنة، والاستثمار في تصنيع أشباه الموصلات، الذكاء الاصطناعي، والمعادن الحرجة لضمان عدم تعرضها للابتزاز الاقتصادي.

بناء الجسور واستخدام الدبلوماسية النشطة:

تستفيد الدول المتوسطة من موقعها كميسر ووسيط دولي لبناء القيادة عبر الشرعية والمصداقية في بناء الجسور واستخدام الدبلوماسية النشطة لحل النزاعات الإقليمية والدولية، مما يمنحها ثقلاً أخلاقياً وسياسياً يتجاوز حجمها العسكري ومحاولة إصلاح المؤسسات الدولية عبر الضغط الجماعي لإعادة تشكيل مجلس الأمن والنظام المالي العالمي ليكون أكثر تمثيلاً وعدالة.

هذا التكامل الإقليمي كقاعدة للقوة يتم عندما تدرك هذه الدول أن قوتها العالمية تبدأ من هيمنتها الإقليمية المستقرة. وتحويل الأقاليم إلى أقطاب، مثل دور إندونيسيا في آسيان أو السعودية في منطقة الخليج، حيث تفرض هذه الدول شروط التعامل مع منطقتها على القوى العظمى. فالقطب الذي تشكله هذه الدول ليس قطباً أحادياً بل هو قطب وظيفي جماعي، يعتمد على الترابط والقدرة على تعطيل أو تفعيل السياسات الدولية بناءً على المصالح المشتركة، وهو ما يطلق عليه البعض لحظة القوى المتوسطة في عام 2026.

بريكس BRICS والتعاون في المجال العسكري وتأمين البحار

قامت بريكس BRICS مؤخرا بزيادة التعاون في المجال العسكري وتأمين البحار والقيام بمناورات مشتركة بين أعضائها -بإستثناء الهند- يحاكي حماية البحار والمحيطات والمضائق كالعمل المشترك الذي قمت به كعقيدة الأمن البحري متعدد الأقطاب الذي شهدته بداية سنة 2026 في تحولٍ تاريخيٍ من خلال مناورات بحرية مشتركة مثل  مناورات إرادة السلام  (Will for Peace 2026) قبالة سواحل جنوب أفريقيا، والتي ضمت بحريات الصين وروسيا وإيران.

وكذلك المناورات التي قاموا بها قبالة السواحل الإيرانية قبل بدء الحرب الأخيرة بأيام، بهدف حماية طرق التجارة البحرية والأنشطة الاقتصادية بمعزل عن النفوذ الأمريكي، مما يضع أسس نظام بحري عالمي جديد بديل عن هذا النفوذ، لضمان سلامة طرق الشحن الرئيسية والأنشطة الاقتصادية البحرية، وهو ما يعكس رغبة بريكس BRICS  في خلق نظام أمني موازٍ للتفرد الأمريكي في مناطق التقاء المحيطين الهندي والأطلسي، والتعاون العملياتي Interoperability

كالمناورات والتدريبات على مكافحة الإرهاب البحري، وعمليات الإنقاذ، وتشكيلات المناورة البحرية، مما يهدف إلى توحيد عقيدة القتال والأمن بين هذه القوى لتسهيل حماية مساحات شاسعة من البحار بشكل تكاملي فيما بينها كبديل عن الهيمنة الأمريكية.

كما يعتمد التبادل بالعملات المحلية في التجارة البرية البينية، حيث لا تحتاج الدول لوسيط بحري أو بنوك مراسلة تعمل بالدولار، مما يسهل استخدام اليوان أو الروبل أو نظام المقايضة المحلي بين الدول المتجاورة، وهذا ما يسمى بـإلغاء الدولرة (De-dollarization).

لمن يود الاطلاع على الأجزاء السابقة :

حيدر المنصوري، خبير في الاتصالات والتكنولوجيا

حيدر المنصوري خبير في الاتصالات والتكنولوجيا، شغل منصبًا إداريًا في إحدى كبرى شركات الاتصالات في العراق، ويمتلك خبرة في إدارة العمليات وتطوير البنية الرقمية. يعمل حاليًا مستشارًا في القطاع، مقدمًا رؤى استراتيجية حول التحول الرقمي والأسواق. كما يهتم بالجغرافيا الجيو-استراتيجية وتأثيرها على القرارات السياسية، وله مقالات وبحوث في هذا المجال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى