الاحدثدولي

بين نفوذ «إيباك» وحدود القوة: هل يستطيع لوبي إسرائيل إفشال الصفقة المتبلورة مع إيران؟ | بقلم البروفيسور عوض سليمية

في واشنطن، لا تُقاس قوة جماعات الضغط بما تملكه من مقاعد رسمية داخل مراكز صنع القرار في الدولة فقط، بل تتخطى ذلك الى قدرتها على إعادة تشكيل البيئة السياسية المحيطة بصانع القرار صعوداً ونزولاً. وعند الحديث عن لوبيات الضغط وجماعات المصالح العاملة في واشنطن لصالح اسرائيل، يقفز عادة عملاق الضغط الاسرائيلي الشهيرAIPAC كنموذج لأكثر المنظمات حضوراً وتأثيراً في قضايا الشرق الأوسط، إلى درجة أن أي حديث عن المفاوضات الأمريكية-الإيرانية او الفلسطينية-الاسرائيلية يتحول تلقائياً إلى نقاش أوسع حول حدود النفوذ الإسرائيلي داخل النظام السياسي الأمريكي.

اليوم، ومع عودة مسار المفاوضات اللامنتهية بين واشنطن وطهران إلى الواجهة بعد مواجهة عسكرية ساخنة استمرت لمدة 40 يوماً تقريباً، يعود السؤال القديم بصيغة أكثر تعقيداً: هل تستطيع «إيباك» منع ترامب من التوصل لصفقة مع طهران كما اقنعته عام 2018 عندما قام بتمزيق اتفاق اوباما عام 2015 من جانب واحد، أم أن وزن المصالح الاستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق الاوسط والمساحة التي يناور فيها ترامب اصبحت أكبر من قدرة اللوبي الإسرائيلي على التعطيل؟

في هذا السياق، فإن اختصار صورة المشهد من عدسة ثنائية «الهيمنة أو العجز» تقود إلى استنتاجات خاطئة. من ناحية، إيباك ليست حكومة ظل تدير السياسة الخارجية الأمريكية، لكنها أيضاً ليست مجرد جماعة ضغط عادية يمكن تجاوزها بسهولة. إنها جزء من تحالف سياسي؛ مالي؛ اقتصادي؛ إعلامي وديني فضفاض، يختلف اعضاءه على معظم القضايا الداخلية والخارجية الا على قضية دعم اسرائيل. هذا اللوبي تشكل عبر عقود داخل الكونغرس؛ ممرات البيت الابيض؛ مراكز التفكير؛ الحرم الجامعي؛ شبكات التمويل الانتخابي ومراكز الاعلام المؤثر. بموازنات ضخمة تتخطى حاجز الـ 100 مليون دولار وأكثر من 5 ملايين عضو يعملون على ثني السياسة الخارجية للولايات المتحدة لصالح اسرائيل، بحيث أصبح أي رئيس أمريكي مضطراً لأخذ موقفهم بعين الاعتبار لتأمين تذكرة الترشح لمقعد البيت الابيض، والحذر الشديد من غضبهم عند اختلاف المصالح. يتفاخر أحد أبرز قادة مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأمريكية الكبرى COP   مالكولم هوينلاين بقوله “لا يكاد زعيم أو رئيس دولة يأتي إلى نيويورك لحضور اجتماعات الأمم المتحدة إلا ويزور مكاتبنا.”

منذ المفاوضات التي سبقت الاتفاق النووي عام 2015، تبنت إيباك خطاباً يقوم على فكرة مركزية جوهرها أن المشكلة ليست في مستوى التخصيب الإيراني، بل في الاعتراف لإيران بحق التخصيب أصلاً. ضمن هذا الموقف، صرح المدير التنفيذي السابق لـ إيباك Howard Kohr خلال مؤتمر المنظمة عام 2014 إن إيران “يجب أن تبقى بدون سلاح نووي”، وكشف عن قناعات راسخة بأن المفاوضات مع طهران لا تنجح إلا عندما تُقرن بــ “الضغط المستمر والعواقب المؤكدة”. هذه المواقف المعلنة تظهر جوهر العقيدة السياسية التي حكمت منهج اللوبي الإسرائيلي تجاه الملف الإيراني طوال العقدين الماضيين؛ التفاوض ليس بديلاً عن الضغط بكل المستويات، بل امتداد له. ولذلك؛ لم تنظر إيباك إلى اتفاق عام 2015 الذي وقعه الرئيس السابق اوباما باعتباره تسوية دبلوماسية، بل تحولاً استراتيجياً خطيراً يمنح إيران شرعية الحصول على تقنيات نووية تدريجية. وما ان اقترب التصويت في الكونغرس على الاتفاق، اعلنت ايباك حالة الاستنفار القصوى وبدأت بممارسة ضغط مباشر على اعضاء مجلسي النواب والشيوخ لإسقاط الاتفاق، ورفعت شعار “نحتاج إلى اتفاق أفضل”.

من ناحيته، ذهب نتنياهو الى أبعد من ذلك؛ ووسع معركته ضد الاتفاق إلى مواجهة مفتوحة مع إدارة اوباما، في سابقة كشفت حجم القلق الإسرائيلي من أي تفاهم أمريكي- إيراني طويل الأمد؛ تجاوز نتنياهو سلطات الرئيس اوباما والقى خطاباً مباشراً امام الكونجرس الامريكي عام 2015 دون التنسيق مع البيت الابيض؛ في محاولة منه لإعادة تعريف المصلحة الأمريكية من منظور الأمن الإسرائيلي. ورغم الاستقبال الحار والتصفيق الذي لم يتوقف وحملات التضليل الاعلامي التي قادتها اسرائيل ضد إدارة اوباما، إلا ان ايباك فشلت في منع الاتفاق؛ لطنها عرقلة حصوله على الاصوات الكافية -سواء المؤيدة او الرافضة، داخل الكونجرس.

هذه الحقيقة هي نقطة مهمة يمكن البناء عليها لفهم حدود النفوذ الإسرائيلي عندما يكون الرئيس راغباً وقادراً على المناورة والافلات من شباك لوبي اسرائيل. في هذا السياق، وصفت صحيفة Washington Post معركة 2015 بأنها “واحدة من أكبر الهزائم السياسية التي تعرضت لها إيباك منذ عهد الرئيس الامريكي جورج بوش الاب”، رغم إنفاقها عشرات الملايين من الدولارات وتعبئتها الواسعة داخل الكونغرس. بعبارة اخرى، أثبتت التجربة أن اللوبي الإسرائيلي قادر على رفع الكلفة السياسية للاتفاق، لكنه ليس قادراً دائماً على إجهاضه عندما تتبناه المؤسسة الرئاسية الأمريكية باعتباره خياراً استراتيجياً.

لكن ايباك لم تتقبل الهزيمة بسهولة، وواصلت الضغط على إدارة الرئيس اوباما حتى حصلت على مذكرة تفاهم جديدة تمتد لعشر سنوات فازت بموجبها على صفقة دعم مالي وعسكري لاسرائيل بقيمة 38 مليار دولار اعتبرت بمثابة تعهد جديد من الرئيس اوباما تجدد التزامه بأمن اسرائيل. بالإضافة الى إقرار شبه كامل بالبناء والتوسع الاستيطاني الاسرائيلي داخل اراضي الضفة الغربية؛ إلا من بعض البيانات الخجولة؛ بالتوازي، افشلت ايباك مهمة اربعة مبعوثين لإحياء عملية السلام. في هذا الإطار، وصف بن رودز مستشار اوباما حالة الاحباط التي كان يمر بها الرئيس بسبب فرض ايباك قيود سياسية ثقيلة خلال مفاوضات الملف النووي الايراني، يقول بن رودز “كل من ينتقد السياسات الإسرائيلية بصوت مرتفع كان يواجه خطر وصمه بأنه معادٍ لإسرائيل، وربما معادٍ للسامية، إضافة إلى احتمال مواجهة خصم مدعوم مالياً بقوة في الانتخابات المقبلة.”

لكن المشهد الحالي أكثر تعقيداً من فترة أوباما. ترامب ليس رئيساً تقليدياً ولا يؤمن بالدبلوماسية التي حكمت تفكير إدارة أوباما، كما أنه ليس من المدرسة التقليدية للحزب الجمهوري. لقد بنى جزءاً كبيراً من شرعيته السياسية على فكرة التمرد على المؤسسات التقليدية في واشنطن بما فيها جماعات الضغط الكبرى. لهذا تبدو العلاقة بين ترامب وايباك أقرب إلى التحالف البراغماتي القائم على رعاية المصالح المتبادلة أكثر منها إلى التبعية السياسية. صحيح أن ترامب انسحب من الاتفاق النووي عام 2018، وهو القرار الذي اعتبرته ايباك واسرائيل انتصاراً استراتيجياً كبيراً، لكن المشهد السياسي الدولي مختلف تماماً الان مع ظهور كل من؛ الصين وروسيا كدولتين ساعيتين لإنهاء القطبية الاحادية الامريكية، رفض دول حلف الناتو والاوروبيين عموماً المشاركة في الهجوم على إيران، عدم تحقيق كل الاهداف التي من اجلها انطلقت الحرب ضد إيران. والرجل نفسه يرسل اليوم إشارات متزايدة حول رغبته في التوصل إلى صيغة تفاهم جديدة مع إيران في حال اقرت بعدم امتلاك سلاح نووي او تكنولوجيا نووية.

تشير التقارير الأخيرة إلى أن إدارة ترامب تناقش مع الوسيط الباكستاني ترتيبات تتعلق بكيفية التخلص من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب البالغ 440 كغم مقابل ترتيبات سياسية وأمنية أوسع تراعي مصالح الطرفين. هنا؛ يكمن المأزق الحقيقي للوبي الإسرائيلي. فإذا كان الاتفاق الجديد قائماً على مبدأ “تخصيب محدود” تحت اشراف الرقابة الدولية، أو يتضمن تفكيكاً فعلياً لأجزاء من البنية النووية غير السلمية؛ مقابل رفع الحصار الاقتصادي والافراج عن الاموال الايرانية المجمدة، فإن قدرة إيباك على معارضته ستكون محدودة، لأن الاتفاق عندها سيحقق كثيراً من مطالب ترامب وإيران معاً.

جوهر موقف ايباك قائم على ضرورة منع إيران من التحول إلى دولة عتبة نووية مهما كانت التكلفة العسكرية. هذا يعني ان نقاط ممارسة الضغط لا تدور حول الهدف النهائي، بل حول الوسائل. إسرائيل ومعها إيباك وباقي منظمات الضغط الفاعلة داخل الولايات المتحدة ينظرون إلى إيران باعتبارها تهديداً وجودياً طويل المدى لاسرائيل، بينما تنظر قطاعات داخل الدولة الأمريكية -ومنهم النخب الديموقراطية وحتى كبير مبعوثي ترامب ويتكوف وبعض الاعضاء الفاعلون في الحزب الجمهوري ومنهم السيناتور راند بول والنائب توماس ماسي؛ إلى الازمة مع إيران باعتبارها قضية قابلة للتفاوض وليس حرباً مفتوحة للأبد. لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس هل تستطيع إيباك منع ترامب؟ بل هل تستطيع ايباك إقناع المؤسسة الأمريكية بأن كلفة الاتفاق أعلى من كلفة غيابه؟ إذا نجحت في ذلك، فإنها ستقيد حركة البيت الأبيض وتدفع الكونغرس نحو تشديد شروطه. أما إذا اقتنع ترامب والبنتاغون ووكالات الاستخبارات بأن الاتفاق يحقق هدف منع امتلاك إيران السلاح النووي ويجنب الولايات المتحدة حرباً إقليمية جديدة، فإن نفوذ ايباك سيتحول من أداة منع إلى أداة تعديل.

إيباك تُعد واحدة من أقوى جماعات الضغط الفاعلة على الارض الامريكية، وتمتلك أدوات تأثير فعّالة تتنوع بين الدعم المالي للحملات الانتخابية والنفوذ السياسي داخل مؤسسات صنع القرار. وعلى الرغم من عدم امتلاكها حق النقض لتعطيل قرارات الرئيس، إلا أنها قادرة على تحويل أي قرار بما في ذلك اتفاق مستقبلي مع إيران إلى قضية سياسية ساخنة تضيف قيوداً على الإدارة الأمريكية. مما يجعلها لاعبًا رئيسيًا في تشكيل توجهات السياسة الأمريكية تجاه قضايا الشرق الأوسط. ومع ذلك، فإن امتلاك إيباك لأدوات تأثير واسعة داخل النظام السياسي الأمريكي لا يعني بالضرورة قدرتها على حسم كافة المعارك السياسية لصالح اسرائيل.

مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، يواجه الرئيس ترامب تحديات سياسية معقدة تتطلب حسابات دقيقة في استراتيجيته. من ناحية، يسعى للحفاظ على دعم قاعدته الصلبة من المسيحيين الإنجيليين والذين يرتبط ولاؤهم الوثيق بإسرائيل كجزء من قناعاتهم الدينية والسياسية. كما يحرص على استمالة دعم اللوبيات المؤثرة المرتبطة بإسرائيل لضمان تدفق التمويل اللازم لحملاته الانتخابية المقبلة. من ناحية أخرى، يواجه ضغوطاً لتحسين صورته أمام شريحة كبيرة من الناخبين غير الملتزمين، أو ما يُعرف بالأغلبية الصامتة، التي لم تحدد بعد موقفها الانتخابي. ومع تراجع شعبيته في استطلاعات الرأي الأخيرة، فإن من شأن ذلك فرض قيود صارمة لتجنب اتخاذ خطوات تصعيدية قد تؤدي إلى تأجيج صراع جديد في المنطقة خاصة مع إيران، وبدلاً من ذلك يحتاج الى التركيز على تعزيز أدائه الداخلي وتحقيق مكاسب ملموسة تحديداً في القضايا المعيشية للمواطن الامريكي يمكن أن تعيد بناء الثقة لدى الناخبين المترددين.

البروفسور عوض سـليميـه

البروفيسور عوض سليميه هو باحث فلسطيني في العلاقات الدولية يتميّز برؤية تحليلية تجمع بين العمق الأكاديمي والخبرة الميدانية في دراسة التحوّلات الإقليمية والدولية. يشغل منصب مساعد المدير العام في معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي، حيث يساهم في تطوير الاستراتيجيات البحثية والسياسات العامة المتعلّقة بالأمن القومي الفلسطيني ضمن بيئة إقليمية ودولية معقّدة. يُعرف البروفيسور سليميه بقدرته على الربط بين البُعد النظري للعلاقات الدولية والتطبيق العملي في مجالات السياسة الخارجية، وإدارة الأزمات، وبناء النفوذ الوطني. كما يشرف على دراسات ومشاريع بحثية تتناول القضية الفلسطينية في النظام الدولي، وديناميات الصراع في الشرق الأوسط، والتحوّلات في موازين القوى العالمية، مع تركيز خاص على موقع فلسطين ضمن هذه التحوّلات. وله كتاب منشور بعنوان "تأثير اللوبي الإسرائيلي على السياسة الخارجية للولايات المتحدة تجاه القضية الفلسطينية خلال فترة الرئيس باراك أوباما"، وهو دراسة معمّقة تضيء على آليات التأثير الإسرائيلي في صنع القرار الأميركي وكيفية انعكاسها على مسار القضية الفلسطينية. يشغل أيضًا منصب مدير تحرير مجلة "أمننا القومي" الصادرة عن معهد فلسطين لأبحاث الأمن القومي، وهي مجلة علمية متخصّصة تُعنى بتحليل قضايا الأمن الوطني والإقليمي والدولي، وتُسهم في إثراء النقاش الأكاديمي حول الأمن القومي الفلسطيني من منظور استراتيجي شامل. ومن خلال عمله الأكاديمي والإداري، يسعى البروفيسور سليميه إلى تعزيز مكانة البحث العلمي كأداة لصياغة القرار السياسي، وترسيخ نهج استشرافي في التفكير الأمني الفلسطيني يستند إلى المعرفة، والتخطيط طويل الأمد، وفهم عميق للعلاقات بين القوى العالمية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى